عبد القادر الفرساوي
رحل البابا فرنسيس. نعم، رحل الرجل الذي أتى من آخر الدنيا، من حواري بوينس آيرس الشعبية، ليصعد إلى أعلى سلطة روحية في العالم المسيحي، ثم يختار أن لا يسكن القصر البابوي، بل غرفة متواضعة في بيت ضيافة الفاتيكان. في زمن تتهافت فيه الزعامات على الألقاب والرخام، جاء هذا الرجل العجوز ليعلم العالم أن البساطة ليست ضعفا، وأن التواضع قد يكون أبلغ من ألف خطبة لاهوتية.
فرنسيس لم يكن بابا كغيره، حتى من وجهة نظر مسلم يقرأ المشهد من الخارج. كان البابا الذي تجرأ على كسر الصمت، لا ليحدث فتنة، بل ليوقظ الضمير في مؤسسة كنسية أثقلها التاريخ والبروتوكول والفضائح. لم يكن رجلا ثوريا على طريقة الحشود، لكنه حمل مطرقة التغيير بصمت، وطرق بها على أبواب أُغلقت طويلا.
منذ بداية حبريته عام 2013، بعد استقالة بنديكتوس السادس عشر، أصر فرنسيس على أن يكون بابا الناس، لا بابا النخبة. اختار اسم “فرنسيس” تيمنا بالقديس الذي عاش ومات بين الفقراء، وكأنه يعلن من البداية: سأعيد الكنيسة إلى الشارع، حيث الألم، حيث الصمت، حيث تولد الأسئلة ولا يجرؤ أحد على طرحها.
كان صوته مرفوعا ضد الظلم الاجتماعي، الرأسمالية المتوحشة، الفقر، التلوث، الهجرة القسرية. تحدث عن البيئة كما يتحدث إمام مسجد عن الأمانة، وعن العدالة كما يتحدث شيخ زاوية عن التوازن. انتقد الجرائم الجنسية داخل الكنيسة دون مواربة، ووضع قوانين جديدة لمحاسبة المتورطين، معلنا أن التستر ليس من الله.
كمسلم قد لا أتفق مع العقيدة الكاثوليكية لكن لا يمكنني إلا أن أقدر شخصية فرنسيس الذي سعى جاهدا لجعل الكنيسة أكثر قربا من الناس خاصة الفقراء و المهمشين، الرجل ظل وفيا لفكرته الكبرى: الإنسان أولا، ثم تأتي المؤسسة. هذه الفكرة التي كانت صادمة لكثيرين في الفاتيكان، لكنها كانت متنفسا لآلاف من المسيحيين الذين اختنقوا في جدران الصمت والخوف.
فرنسيس، الذي تنقل على كرسي متحرك في آخر سنواته، زار أكثر من خمسين بلدا، بين جنوب السودان والعراق ومنغوليا. لم يكن يسافر كسائح بابوي، بل كمن يشعل شمعة في ظلام السياسة والديكتاتورية والاضطهاد. ومن بين كل الزيارات، بقيت زيارته للعراق محفورة في الذاكرة، حين دخل أرض الرافدين التي طحنها الحرب والطائفية، ليقول من هناك: كفى حروبا باسم الله.
ومع ذلك، فإن هذا البابا ، الذي وصف أحيانا بـ”اليساري”، وأحيانا بـ”المتساهل” ، لم يكن يطلب إعجاب أحد. كان فقط يحاول أن يعيد للكنيسة صدقها الأول، ذلك الصدق الذي ربما ضاع في دهاليز الفاتيكان، بين الذهب والمخمل.
وبصفتي مسلما، لا أراه وليا ولا نبيا، لكنني أرى فيه رجل اجتهد بإنسانيته، وصدح بكلمة حق في زمن الخضوع الجماعي. اختلفت معه في العقيدة، نعم. تحفظت على بعض تصريحاته، قطعا. لكني لم أستطع إلا أن أحترم فيه اتساقه مع نفسه، وأسلوبه في خوض المعارك بالكلمة لا بالسيف، بالبصيرة لا باللائحة.
لقد مات البابا فرنسيس، لكنه ترك وراءه دروسا في التواضع، في القيادة، وفي الإصلاح من الداخل. مات الرجل، لكن فكرته لا تزال تتنفس:
أن المؤسسة مهما عظمت، تحتاج دائما لصوت يعيدها إلى أصلها.
فهل يكون خليفته على خطاه؟ أم تعود الكنيسة إلى الغرف المغلقة، واللغة الخشبية، والتواطؤ مع الصمت؟
هذا ما ستكشفه الأيام.
أما هو، فقد أدى ما عليه و رحل.





