في دلالات انتخاب بنكيران أميناً عاماً لـ”العدالة والتنمية”

 

 

 

 

 

محمد أحمد بنّيس
شاعر وكاتب مغربي

 

 

 

انتهى المؤتمر الوطني (التاسع)، الذي عقده حزب العدالة والتنمية المغربي، نهاية الأسبوع الماضي في بوزنيقة، إلى انتخاب عبد الإله بنكيران أميناً عاماً لولاية جديدة، بعد حصوله على 69% من أصوات المؤتمرين. كان انتخابه متوقّعاً، ليس بسبب مكانته السياسية والرمزية داخل الحزب فقط، وإنما أيضاً بسبب قدرته على التعبئة والتواصل والحفاظ على الحدّ الأدنى من التوازن داخل الحزب، خاصّة في ظلّ تراجع الأخير عقب خسارته المدوّية في الانتخابات البرلمانية (2021)، وتقلّص قاعدته الاجتماعية بشكل ملحوظ. كذلك، لم يأتِ المؤتمر بجديد على صعيد الورقة المذهبية والأطروحة السياسية، فقد أعاد الحزبُ التأكيد على مرجعيته الإسلامية وتوجّهه الإصلاحي المحافظ، الذي لا يتعارض مع الأسس التي ينهض عليها النظام السياسي المغربي.

يحمل انتخاب بنكيران في رأس “العدالة والتنمية” رسائل كثيرة، يبدو أن المؤتمرين توخّوا إيصالها لمن يهمّهم الأمر. أبرزها أن الحزب لا يزال رقماً رئيساً في السياسة المغربية. صحيح أنه تعرّض لانتكاسة سياسية كبيرة، لكنّه قادر على بعث الروح في هياكله، بما يؤهّله لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة (2026)، وإعادته (ربّما) إلى واجهة الحسابات المرتبطة بتشكيل الحكومة التي ستفرزها نتائج هذه الانتخابات. وقد كان لافتاً ما صرّح به بنكيران عندما قال، بعد انتخابه، ”إنه يوجد رهان سياسي للحزب في الانتخابات المقبلة، (..) وسنعود بقوّة، وسننافس على المراتب الأولى”. وقد لا يكون من المبالغة القول، إن انتخابه ترجم استشعارَ المؤتمرين، أو النواة الصلبة للحزب، بأن هناك مخاوفَ لدى خصوم الحزب، الذين يتوزّعون بين مراكز القوة في الدولة والإدارة المغربيَّتَين، من عودته إلى واجهة السياسة المغربية، من دون أن يعني ذلك بالطبع أن الحزب يملك، في حالة عودته لتصدّر المشهدَين الانتخابي والسياسي في المغرب، برنامجاً عملياً لمجابهة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي ترهق كاهل المغاربة. وهو ما يعني أن مجابهة هذه المخاوف بأقلّ الخسائر يتطلّب قيادة مخضرمة أكثر تمرّساً وقدرة على التعاطي مع التناقضات البنيوية للسياسة المغربية والتكيّف مع تحوّلاتها، بما يمنح الحزب هامشاً أوسع لتصريف خطابه الإسلامي الإصلاحي والمعتدل.

إضافة إلى ذلك، يمثّل انتخاب بنكيران تحدّياً لحزب التجمّع الوطني للأحرار الذي يقوده رئيس الحكومة عزيز أخنوش. فاستثمارُ الحزب الإسلامي تبعاتِ الإخفاق الاجتماعي للحكومة، وصياغتَها في خطاب سياسي قادر على استمالة الناخبين في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يتطلّبان وجود شخصية براغماتية أكثر فهماً للإكراهات المرتبطة بتوظيف المرجعية الإسلامية، في بلد تمثّل الشرعية الدينية عصب نظامه السياسي. وهو ما لا يتوفّر (على ما يبدو) إلا في بنكيران، من دون غيره من قيادات “العدالة والتنمية” الأخرى. هناك توجّه واضح داخل الحزب الإسلامي، لا يخلو من دلالة، على الاستفادة من دروس انتخابات 2021 وإعادة توجيه بوصلته، في ضوء متغيّرات داخلية تتداخل فيها أولويات الاستعداد لتنظيم مونديال 2030، والحدِّ من التناقضات التي لا تزال تفرزها سياساتُ التنمية.

في السياق ذاته، يعي “العدالة والتنمية” أن انتخاب بنكيران في رأسه يأتي في ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد؛ فإقليمياً، لا يزال مسلسل تراجع الإسلام السياسي المعتدل ”الديمقراطي” مستمرّاً في ظلّ فصول المتابعة القضائية الجارية في تونس بحقّ قيادات حركة النهضة، وحظر جماعة ‘الإخوان المسلمين في الأردن، والحصار السياسي الذي تواجه به الحكوماتُ العربية حركة حماس في قطاع غزّة. ودولياً، لا يقع الإدماج السياسي للأحزاب الإسلامية الإصلاحية في المجال العام (في بلدان الإقليم) ضمن أولويات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو حتى حكومات الاتحاد الأوروبي، في ضوء تبدّل لافت في أولويات حكومات الغرب ونُخبه. وهو ما يُفترض أن قيادة “العدالة والتنمية” على وعي تامّ به.

هذا المزاج الدولي يجعل انتخاب بنكيران (البراغماتي) في رأس الحزب الإسلامي مقبولاً، إن لم يكن مسوَّغاً، بالنسبة للدولة والسلطة، لا سيّما أن مروره من رئاسة الحكومة (2011-2016) ربما يجعله مؤهّلاً أكثر من غيره، لتفهّم قرارات السلطة واستيعابها، وتبريرها لقواعده إذا ما جدّ جديد.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...