دة نعيمة بويغرومني
بوكماز ليست مجرد اسمٍ على الخريطة… بل جرحٌ مفتوح يفضح وطناً يترك أبناء الجبال يواجهون مصيرهم وحدهم. في حضن هذا الصمت الرسمي، يولد الأطفال تحت أسقفٍ من طين، ويمشون في بردٍ يلسع العظام، ليلتحقوا بمدرسةٍ نصفها جدرانٌ باردة وبالية ، ونصفها الآخر حلمٌ مؤجل.
في الجنوب، تموت قرىً عطشًا كل صيف، كأن شريان الماء لا يصل إلا للمدن المدلّلة. في الحوز، تنام العائلات في بيوتٍ لم تعد تقوى على الصمود أمام ريحٍ عابرة، فكيف أمام زلزالٍ يهز الأرض والقلوب؟ وفي المغرب الشرقي، تذبل قرىً بكاملها تحت شمس الإهمال، بينما يتراكم الغبار على وعودٍ حكوميةٍ صدئة.
هنا، يُولَد الفقرُ موروثًا… لا يكتفي بحرمان الناس من الخبز والدواء احيانا، بل يسلبهم أيضًا حق الحلم، وكرامة السؤال، وصوت الشكوى.
اما الحكومة، فتكتب في دفاترها أرقامًا وخططًا واستراتيجياتٍ أنيقة، لكنها لا ترى وجوه الأطفال في الصباح البارد، ولا تسمع صدى أقدام النساء العائدات من ينابيع بعيدةٍ بأواني الماء على رؤوسهن.
وبكلمة، بوكماز، والحوز، والجنوب الشرقي… ليست بقعًا منعزلة، بل قلوبٌ تنزف خارج خارطة الاهتمام. في صمتهم المرّ تختبئ كل أسئلة الوطن المُتعبة: إلى متى يظل التهميش قدر الجبال؟ إلى متى نظل نحفظ أسماء الوزراء والخطط دون أن نرى أثرها في الدروب والحياة؟
مرارة هؤلاء ليست في الفقر وحده، بل في وطنٍ لا يتذكرهم إلا حين يسقط الثلج أو يهتزّ الحجر… ثم يعود لينساهم من جديد….
وبالجُملة، هؤلاء الناس في بوكماز ومن على شاكلتها من قرى الجبال والحوز والجنوب الشرقي… لم يطلبوا قصورًا من إسمنت ولا طرقًا معبدة بالورود، طلبوا فقط -وطال طلبهم – أن تعاملهم الدولة كأبناء هذا الوطن… فإلى متى نظل نكتب ونصرخ… ويستمر المسؤولون على نهج “سياسة الآذان الصماء”… ونترك الجبل يقهر أبناءه في صمت مهيب؟!
فهل يدرك من بيدهم القرار، وهل تدرك حكومتنا الموقرة أنّ الوطن ليس قصورًا وإسمنتًا وأرقامًا تُزيّن التقارير… بل هو روحٌ تُوجَع في صمت، وقلوبٌ في الجبال تنبض انتظارًا لإنصافٍ تأخّر كثيرًا؟ أليس فينا من يتذكّر أنّ هذه الأرض أمانةٌ غالية… وأن صرخة بوكماز والحوز ليست مجرد وجعٍ عابر، بل سؤالٌ صارخ عن معنى العدالة والانتماء؟
عن معنى “مغرب” جامع و منصف وغالي على قلوب أهله، يفدونه بأرواحهم ، متعلقة به أفئدتهم …..





