عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم بايطاليا
في خضم أسبوع مضطرب شهدته محافظة السويداء، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع دخول اتفاق تهدئة حيّز التنفيذ. خبر بدا للبعض كبصيص أمل وسط أتون الأزمة السورية المتواصلة منذ أكثر من عقد، ولكنه في ذات الوقت يطرح تساؤلات عميقة: هل هذه الهدنة قادرة على كسر دائرة العنف التي تغذّيها نيران الثأر، أم أنها ستظل هشة أمام غضب الجماهير وتوترات الواقع الميداني؟
بصراحة، لا يمكنني أن أتفاءل كثيرًا. سوريا، خاصة مناطق الجنوب، ليست فقط ساحة صراعات سياسية وعسكرية، بل أيضاً ميدان لتراكمات اجتماعية وقرابية عميقة. أوجه الغضب والاحتقان التي تتغذى على ممارسات انتقامية قديمة تجري في العروق، وما إن تتعرض لأي استفزاز فإنها تنفجر في موجات عنف جديدة.
مشكلة هذه الهدنة أنها تعتمد على التزام أطراف لا تثق بعضها ببعض، وفي ظل غياب أي هيئة رقابية مستقلة وحازمة، تصبح مجرد إعلان يتكرر دون أن يرافقه تغيير ملموس على الأرض.
إضافة إلى ذلك، تعيش المناطق الجنوبية هشاشة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، حيث يعاني المواطنون من انعدام الخدمات وفرص العمل، ما يجعل الأرض خصبة لاستمرار دائرة العنف والانتقام. لا أحد يهتم بأن يعالج جذور المشكلة، فالجميع يكتفي بترقيع جروح الواقع.
لا يمكن أيضاً تجاهل تأثير التدخلات الخارجية التي تضيف بُعداً معقداً للصراع، وتُبقي على حالة الفوضى وعدم الاستقرار. وكل طرف يحاول أن يحافظ على نفوذه، مما يجعل تنفيذ الهدنة مهمة شبه مستحيلة.
لكن، برغم كل هذه العراقيل، يبقى على الرئيس أحمد الشرع وحكومته مسؤولية كبيرة. عليهم أن يثبتوا أن التهدئة ليست مجرد شعارات سياسية بل خطة عمل واضحة، تشمل العدالة الاجتماعية، والإصلاح الاقتصادي، وفتح قنوات للحوار والمصالحة بين المكونات المختلفة.
والأهم من ذلك، يجب على المجتمع الدولي أن يعي أن دعم السلام في سوريا لن يأتي فقط عبر المساعدات الإنسانية، بل عبر دعم سياسات التهدئة الحقيقية التي تعيد بناء الثقة بين الناس والدولة.
وفي الختام، لا يمكنني إلا أن أقول إن الهدنة هذه فرصة ثمينة لا بد من استغلالها بحكمة، فهي ليست مجرد وقف لإطلاق النار، بل بداية محتملة لمرحلة جديدة في تاريخ سوريا. لكن، إذا ما استمرت النيران تحت الرماد، وإذا استمر الغياب عن معالجة الأسباب الحقيقية للصراع، فإن سوريا ستعود إلى المربع الأول، لن تبقى إلا بقايا ما كان، ولا أمل للسلام الحقيقي.
دعوتي اليوم لكل الأطراف في سوريا، ولكل من يهمه مستقبل هذا البلد العزيز: دعونا نضع المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات الضيقة. دعونا نُخمد نيران الثأر، ونتكاتف من أجل بناء وطن يجمع ولا يفرق، وطن يُعانق فيه الجميع حق الحياة والكرامة. على الحكومات، والمجتمع المدني، والأطراف الدولية أن يلتزموا بوقف إطلاق نار دائم، وأن يعملوا على بناء جسور الثقة والحوار، فلا سلام بدون عدالة، ولا أمن بدون تسامح.
هل ستنجح هذه الهدنة؟ الزمن فقط كفيل بالإجابة. ولكن على الجميع – قادة، مواطنين، ومجتمع دولي – أن يتحملوا مسؤولياتهم قبل فوات الأوان.





