لامين جمال… نجم يركض على العشب، ويتعثر في حفلاته

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

حين احتفل لامين جمال بعيد ميلاده الثامن عشر، لم يكن يدرك أن الهدايا الحقيقية لم تأت من ضيوفه، بل من الصحافة: تغطيات دولية، انتقادات أخلاقية، وشكاوى قانونية… كل ذلك في ليلة واحدة، صنعت له شهرة إضافية، لكن من النوع الذي لا يعلق على الجدران.
احتفل الفتى بأسلوب “العرّاب”… لا بل بأسلوب “الأب الروحي” على إنستغرام. استعان بثلاثين فتاة نُقلن بالحافلة من أجل “تزيين الحفل”، وخصص طاولات بوكر تجلس خلفها “casino ladies”، وأحضر “miniboys” – أشخاصا من ذوي القامة القصيرة – للترفيه. هل تظنون أنه مجرد عبث مراهق؟ لا، لقد سبق الحفل خطة تنظيمية دقيقة تشمل عقود سرية تجبر الضيوف على الصمت التام، لا يهم ما رأوه أو سمعوه في الحفل، فالكاميرات مطفأة، والهواتف محجوزة، والعقود الصارمة تجبرهم على دفن كل التفاصيل كما تدفن الأسرار في ملفات سوداء… وإلا فالغرامة قد تتحدث عنهم بدلا من ألسنتهم. كل هذا فقط كي لا نعرف أن العصا التي حملها لامين مرصعة بالألماس.
أراد أن يقول: “أنا كبير الآن”. لكن الصورة التي خرج بها لم تكن ناضجة، بل صادمة. كيف للاعب لا يزال في عمر المدرسة الثانوية أن يختار الاحتفال على طراز العصابات و المافيات؟ وكيف للنادي الكتالوني أن يكتفي بدور المتفرج وهو يرى موهبته تتحول إلى صورة كاريكاتورية عن “النجوم المتهورين”؟


حين سئل عن الضجة، قال لامين: “أنا أعمل مع برشلونة، لكن خارج الملعب أستمتع بحياتي”. باختصار: “لا تتدخلوا، حياتي الخاصة تخصني”. جميل! لكن ماذا عن ملايين الأطفال الذين يرون فيه نموذجا؟ هل نخبرهم أن جزءا من الحياة الخاصة يعني استئجار بشر على أساس أطوالهم من أجل الضحك والفرجة؟
الأمر لم يمر بهدوء. جمعية ADEE الإسبانية الخاصة بذوي القزامة رفعت شكوى رسمية، واعتبرت أن ما حدث ينتهك كرامة الإنسان ويخالف قوانين حماية ذوي الإعاقة. حتى رئيسة الجمعية قالتها بوضوح: “أن تكون قزما ليس وظيفة”.
ورغم ذلك، يخرج بعض الحاضرين ليقولوا: “لكنهم كانوا سعداء بالعمل!”. وهل العبودية الحديثة لا ترتدي قناع السعادة أحيانا؟
وما حال العائلة؟ والده، منير نصرواي، لا يكاد يظهر إلا وهو يرفع يديه صارخا “فييسكا البرصا!” وكأنه هو من وقع العقد، لا ابنه. أما الأم، شيلا، فقد أصبحت نجمة فيديوهات في تيك توك، بينما يحاول شقيق لامين أن يجد موطئ قدم وسط هذا الضجيج. يقال إن الأب “يتصرف وكأن الحظ ابتسم له فجأة”، وهو كذلك. بل الأصح أنه يتصرف وكأن ابنه هو الجائزة الكبرى في ورقة اليانصيب.
هل ترون أحدا في هذا المشهد يتحدث عن التوازن النفسي؟ عن التأطير؟ عن الهوية؟ عن التربية؟ لا شيء من ذلك. فالمدير الرياضي يريد أداء، والوكيل يريد أرقاما، والعائلة تريد لقطات. أما لامين؟ فهو طفل كبير، وضعوه في قفص من ذهب، وطلبوا منه أن يطير.
يقول البعض: “لا تحكموا عليه مبكرا، إنه مجرد فتى صغير”. صحيح. لكن حين يحمل الرقم 10 في برشلونة – رقم ميسي – ويوقع على عقود بـ20 مليون يورو سنويا، ويتبعه 35 مليون معجب على إنستغرام، فليس من حقه أن يتصرف كمجهول. المشاهير، شئنا أم أبينا، يصبحون قدوة. والقدوة حين تتعثر، لا تسقط وحدها، بل تسحب معها جيلا كاملا يظن أن العصا المرصعة ألماساً أهم من حمل كتاب، وأن الشهرة تعني شراء الناس بأجسادهم وابتساماتهم.
في نهاية المطاف، لا نلوم الموهبة، بل الذين لم يحسنوا رعايتها. فالذين سقطوا من المجد لم يكونوا يفتقرون للمهارة… بل للضمير.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...