الصحراء المغربية… من يعترف أولاً، يحصد الغد

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

في زمن تتغير فيه خرائط المصالح، ويتحول الموقف السياسي إلى مفتاح لبوابات الاستثمار والنفوذ، لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد خلاف إقليمي عالق في دهاليز الأمم المتحدة، بل صارت بوابة لفرز جديد: بين من يستشرف المستقبل، ومن يظل سجين حسابات الماضي.
من يعترف بسيادة المغرب على صحرائه اليوم، لا يمنح المغرب هدية، بل يوقع عقد شراكة استراتيجية مع قوة صاعدة، تعرف أين تتجه، وكيف تعيد رسم دورها في إفريقيا والعالم.
المغرب لا ينسى.. ليس من قبيل المجاملة أن المغرب يتعامل مع الدول بحسب مواقفها من قضيته الأولى. إنه درس قديم في السياسة المغربية: “الوضوح يقابل بالوضوح، والدعم يرد بالدعم”. لذلك، لا عجب أن نرى الدول التي بادرت مبكرا بفتح قنصليات في العيون والداخلة، أو دعمت مقترح الحكم الذاتي، تحظى اليوم بمكانة مميزة في مشاريع الرباط، سواء في الطاقات النظيفة، أو التجارة، أو الأمن.
من الإمارات إلى البحرين، ومن الأردن إلى السنغال، لم تكن المبادرة بلا مقابل. المغرب، بثقة المنتصر، يمد اليد لمن وقف معه، لكنه لا ينسى أيضا من راوغ أو تأخر.
على ضفاف المحيط الأطلسي، في أقصى الجنوب المغربي، تنبت اليوم مدينة للمستقبل: الداخلة،مدينة المستقبل . ليست مدينة تقليدية تنمو بهدوء، بل منصة لوجستية استراتيجية يراد لها أن تكون صلة الوصل بين أوروبا وإفريقيا، بين الشمال الصناعي والجنوب الصاعد.
مشروع ميناء الداخلة الأطلسي الذي يتجاوز مليار دولار ليس مجرد ورقة هندسية، بل إعلان سياسي بليغ: المغرب هنا ليبقى، ليقود، وليفتح الطريق لحلفائه. والميناء، وفق الدراسات الرسمية، سيوفر آلاف فرص الشغل، وسيشكل رئة اقتصادية جديدة تضخ التنمية في جهات الجنوب وتربطها بالعالم.

فمن يساند المغرب الآن، سيكون له نصيب من هذه الكعكة الاستراتيجية. أما من يظل في موقع المتفرج، فقد لا يجد له مقعدا حين تكتمل الطاولة.
لعلّ أكبر خطأ يقع فيه من يُقلل من أهمية الصحراء هو ظنه أن القضية محصورة في الرمال أو الحدود. لا. الصحراء اليوم هي رهان جيوسياسي.إفريقيا اليوم تعاد صياغتها والمغرب في القلب لم يعد يطالب فقط باسترجاع أرض، بل يعيد تشكيل دوره الإقليمي والدولي انطلاقا منها.
المغرب اليوم هو ثاني أكبر مستثمر إفريقي في القارة بعد جنوب إفريقيا، بحسب تقارير البنك الإفريقي للتنمية. وهو أيضا قوة ناعمة في الأمن والتكوين والدبلوماسية الدينية. ومن نواكشوط إلى أبيدجان، ومن دكار إلى كينشاسا، بات يُنظر إلى المغرب كقوة عقلانية، وموثوقة، ومستقرة.
تسأل دول كثيرة: كيف نحجز موقعا في القطار المغربي؟
الجواب بسيط: احترموا قضاياه السيادية، وشاركوا في رؤيته لإفريقيا الغد.
الاعتراف ليس تضامنًا… بل استثمار ذكي

حين اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه في 2020، لم تفعل ذلك من فراغ و ليس ذلك الاعتراف تضامنا. بل هو استثمار ذكي، كانت تراهن على شريك استراتيجي في شمال إفريقيا، قادر على تثبيت الأمن، وحماية الممرات التجارية، ومواجهة التهديدات القادمة من الساحل.
وحين دعمت إسبانيا مقترح الحكم الذاتي المغربي سنة 2022، لم تكن فقط تتدارك خطأ دبلوماسيا، بل كانت تحمي مصالحها الاقتصادية، وتحصّن تعاونها مع الرباط في قضايا الهجرة والطاقة.
أما الدول التي لا تزال تتردد، فستخسر ما هو أكثر من موقف رمزي. ستخسر فرص الشراكة، والدخول المبكر إلى أسواق الجنوب المغربي، التي ستتحول في السنوات القادمة إلى مركز جذب إفريقي.
بكل بساطة: من يتأخر… يدفع الثمن
في السياسة، كما في التجارة، التوقيت هو كل شيء. الاعتراف المتأخر، حتى وإن جاء، لن يكون له نفس الوقع ولا نفس الامتيازات. تماما كما لا يُعامل الزبون الأخير في المزاد كالأول. المغرب اليوم لا يطلب، بل يختار. لا يلح، بل يراقب.

لهذا، لم يعد سؤال الاعتراف مرتبطا فقط بالشرعية أو القانون الدولي، بل بالذكاء الاستراتيجي: هل تريد أن تكون حليفا للمغرب في لحظة صعوده؟ أم تفضل الانتظار حتى تُغلق الأبواب؟
الصحراء المغربية، اليوم، ليست ملفا مؤجلا. إنها مفتاح المستقبل. ومن يظن أنه يستطيع الجلوس على الحياد، أو اللعب على الحبلين، فليتأمل جيدا ما يحدث في الميدان: العالم يتحرك… والمغرب يتقدم… ومن لا يتقدّم، يتلاشى.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...