وَضَّاح عَبد البَاري طَاهِر
مُهْدَى للأخوين والصديقين العزيزين: محمد محمد عتيق، ومحمد إبراهيم الصغيري..
الفنان علي ذَهْبَان مِنْ أبناء تهامة اليمنيين الذين عادوا من المملكة السعودية بعد أزمة الخليج.
علي ذهبان موهبة كبيرة، وعازف متمكن من العود، لَهُ صَوت شَجِي، وأداء آسِر، خاصة في التراث اليمني الحميني والتراث الصوفي الذي يؤديه الوشاحون بتهامة.
كان الأخ والخال العزيز صديق الطفولة محمد محمد عتيق كَثيرَ الثناء عليه، جَمَّ الإعجاب به حين يعرض ذكره.
اسمع علي ذهبان وهو يغني: «عيني لغير جمالكم»؛ وهي من كلمات الشيخ العارف الصوفي عبد الغني النابلسي والتي لحنها الأستاذ الفنان القدير محمد جمعة خان؛ وهي من عيون الأغاني اليمنية التي يعشق استماعها اليمنيون.
واسمعه وهو يغني «السعيدْ الذي ما عرفْ كيف الهوى».
أو «غَنَّى على نَيِّف البَوَاسِق».
أو «لي في رُبَا حَاجِر غُزيِّل اغيَدْ».
وته واغرق في بحار المحبة والهيمان، وأنت تسمعه، وهو يغني قصيدة الشيخ العارف القطب الكبير أبي مدين المغربي التلمساني؛ أحد أقطاب العلم والتصوف والمعرفة في العالم العربي والإسلامي.
إنَّكَ لنْ تَملكَ دَمعَك مِنْ أنْ يَسيحَ جَارِيًا على خَدَّيك لِرِقَّة هذه الكلمات الشجية التي تفيض مَحبَّةً وَصِدقًا وعِرفَانًا إلهِيًّا.
ظَلَّ عَلي ذَهبان يُلاحق لُقمةَ العَيش في حَفْلات الأعراس، حتَّى مَاتَ شَابًا في نهاية التسعينات في حادث سير، وهو يركب موتر في طريقه لحضور حفلة عرس كانَ مِنْ المفترض أن يحييها؛ لأنه لَمْ يَحظَ بوظيفة تَسدَّ رَمَقه في وزارة الثقافة، في ظِلّ نظام قَامرَ -وَمَا زالَ يُقامِر- بحياة ملايين اليمنيين دُون أيِّ اكثراث.
والشيخ أبو مدين ترجمت له كثير مِنْ كُتُب التاريخ والتصوف. وَكنتُ وقفت قَدِيمًا على كلام للعلامة الكبير ابن تيمية -رحمه الله- يَصِفُهُ بأنَّهُ مِنْ أذكياء العَالم.
لأبِي مَدين تَلامِذة كُثُر؛ مِنْ أشهَرهِم: الشيخ العارف القطب أبو الحسن الشاذلي صاحب الطريقة الشاذلية المشهورة والمنتشرة في عموم العالم الإسلامي.
وأبو مدين هو الذي نشر التصوف في حضرموت عن طريق رسوله الذي أرسله إليها؛ فأخذ عنه الطريقة الشيخان القطبان الجليلان: الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي-جَدّ السادة العلويين، والشيخ سعيد العمودي جد المشايخ آل العمودي بوادي دوعن.
وَهَذهِ أبيات القصيدة للشيخ العارف القطب أبي مدين التلمساني..
تمَلَكتُمُو عَقلِي
أبو مدين التلمساني
تمَلَكتُمُو عَقلِي وَطَرفِي وَمَسمَعِي
وَرُوحِي وأحشائي وكُلِّي بِأجْمَعِي
وتيّهتُموني في بَدِيعِ جَمَالِكُمْ
وَلَمْ أدرِ في مَجَرى الهَوى أينَ مَوضِعي؟!
وأوصَيتُموني لا أبُوحُ بِسِّركُمْ
فَبَاحَ بِمَا أخْفِي تَفيُّضُ أدْمُعِـــــــــــــي
وَلَمَّا فَنِى صَبرِي وَقلَّ تَجَلُّدي
وَفارَقَني نَومِي وَحُرِّمَتُ مَضْجَعِي
أتَيتُ لِقَاضِي الحُبِّ قُلتُ: أحبِّتي
جَفَونِي، وقالوا: أنتَ في الحُبِّ مُدَّعِـي!
وَعِندِي شُهُودٌ لِلصَبابةِ والأسَا
يُزكُّونَ دَعْوايَ إذا جِئتُ أدَّعِي
وَمِنْ عَجَبٍ أني أحِنُّ إليهِمُ
وَأسْألُ شَوقًا عَنهُمُ وَهُمُ مَعِي!
وَتَبكِيهُمُ عَينِي وَهُمْ في سَوَادِهَا
وَيَشكُو النَّوَى قَلبِي وَهُمْ بَينَ أضْلُعِي!
فَإنْ طَلبُونِي في حُقُوقِ هَوَاهُمُ
فَإنِّي فَقيرٌ لا عليَّ وَلا مَعِي!
وإنْ سَجَنوني في سُجِونِ جَفَاهُمُ
دَخَلتُ عَليهِمْ بالشَّفيعِ المُشَفَّعِ





