الفتى الفيروزي وجداريات البكاء العقيم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الحسام محيي الدين

 

 

ناسنا في لبنان ، لم يتركوا كلاماً إلا ورَثوا به زياد الرحباني ، الفنان المُبدع المُبتكر ، الذي قارب واقعهم من رؤية فنية وجدتْ لها جمهورها الخاص ، ولا يمكن تجاوزها أو إغفالها في التاريخين الفني والمسرحي اللبناني ، لكن مراتب مراثيهم تخطت منطق المجاملات إلى المغالاة في المحاباة ، فأنستنا المناسبة وأخذتنا إلى أمداء أخرى ، هي في الواقع مفارقات غريبة من جمهور نعرفه ونتابعه أحيانا ، لم يرفع معظمهم منشوراً افتراضياً واحداً منذ سنين لأغنية ، أو لحن ، أو موقف ، أو مشهد مسرحي لزياد ! نحن أمام جداريات البكاء العقيمة ، تراجيديا الرثاء المزيفة ، وثرثرات الكلمات المكررة .
قليل من الاهتمام مسيء لزياد الرحباني ، وكذلك الكثير المُبالَغ فيه ! أصبحوا كلهم فلاسفة ! فواحدة ” تلعن الحياة ” لأنه مات ، وأخرى تلوم الله جل جلاله لأنه ” رحل في الوقت الغلط ” ، وثالثة ترى أن دورة الكون توقفت ، ثم هناك رابع يقول : ” كسرتلي ضهري ” وخامس قائل : ” يا ريتني متت أنا ولا سمعت هالخبر ، دخيلك يا الله ليش تحرمنا منو ” ، وقائل : ” لمن تركتنا يا زياد ؟”! ، ولا ننتهي عند إحداهن التي تقرر أن ” زياد هو الذي قرّر الرحيل ” ! أما المضحك المبكي فأن تطلب إحداهن منه أن يفتش على والديها المتوفيَين ويسلم عليهما في العالم الآخر ولو أتعبه التفتيش عنهما ، وهكذا إلى ما لا نهاية من سرديات ما يفعله اللبنانيون دائماً وهم ” يركبون الموجة ” متبارين في تدبيج الكلمات ، قبل أن يناموا قريري العين في ” الويك أند ” بعدما أدوا واجبهم ” الثقافي ” اجه زحمة الاجتماعي .
قد يقول قائل أن حملة الرثاء والتمجيد لزياد هي من حقوق كل أحد ، لكن ذلك لا يجب أن يتعدى إلى خطاب إشهاري يهمّش حرمة الموت وكينونة الابداع ، لا سيما أن بعض هؤلاء وربما معظمهم ، كانوا خارج حسابات الفقيد الفلسفية ، كفنان إنساني ، بل وخارج مزاجه ؛ فإذا كان كلُّ هذا الشعب راثياً باكياً لزياد ، فمن هم الذين بقوا منه لينتقدهم ” بخصوص الكرامة والشعب العنيد ” ؟! وأين هم الذين لطالما هاجمهم وهو يقول : ” في ناس بينهم وبين الفهم ، سوء فهم ” ، أو يقول : ” شعب بيشرب قهوة كتير ، لازم يكون أوعى من هيك “! ، أو يقول : ” الله خلقك إنسان ، ليش مصرّ عالحيونة ؟” ! أو يقول : ” في ناس مش بس بيمثلو علينا ، بيمثلو علينا وبيصدقو حالن ” ! ” ، أو غير ذلك من مقولات موجهة لبقايا هذا الشعب العنيد ؟! من دون إنكار أن البعض يرى في كلامه ” بُعد نظر ” ، وهذا طبعا حقهم الطبيعي ، تماما كما هو حقنا في رصده كخطاب مزدوج تحت سلطة المجاملة والسير مع التيار تطرفاً في المحاباة ، مع العلم الذي لا يجهله أحد ، أن جملة هؤلاء لم يتذكروا زياد إلا عند وفاته ، تماما كما فعل أفيخاي أدرعي ، اللعين ، الذي تذكره ورثاه بكلام جميل ! إلى ما رشح من دوافع بكائيات البعض كي يخبرنا أنه التقاه مرة ، أو يعلمنا بصداقته الحميمة ولو من خلال صورة يتيمة شاركه بها بالصدفة في مناسبة ما ، أو يقول لنا أنه رآه ذات يوم وسأله عن آخر أعماله ، إلى البعض الآخر الذي يؤكد دائماً أنه ” أم الصبي ” كرافعة للاعجاب والاهتمام بالتجربة الرحبانية على مستوى البلد ، وهؤلاء كُثُر . نعم كان زياد فنانا مناضلا ، غير متملق ، لكن علاقتنا به مهما كانت ضعيفة وبعيدة فهي لا تشترط منا أن نحبه ونقدسه ، فهناك أمور أخرى تغنينا عن كل ذلك ، كاحترام نتاجاته والثقة بها ، والإحساس المشترك بحاجتنا للوطن الصحيح الذي نريده . نحن نطمئن إلى حظنا الجيد بأنّ لدينا قامات إبداعية كزياد ، لكنه إنسان يصيب ويخطىء ، يضحك ويحزن ويغضب ، ويغدو ويروح كغيره من بني البشر ، وهو كان يأكل ويشرب ، ويمرض ويصح ، وهو أيضاً يقاطع والدته فيروز لعامين ثم يصالحها . يمكن مثلا فهمه كشخصية فنية أرادت التحرر من إرث عاصي وفيروز ، إلا أنه لم ينجح في ذلك بعدما وقع في فخّ العودة إلى التركة الإرث التي تدر مالا ، مانعا وشقيقته ريما أي أحد وتحديدا أبناء عمهما منصور وورثته من التصرف بأية أعمال فنية شارك بها الوالد عاصي من دون موافقتهما ، الأمر الذي كسر الصورة المثالية للرحابنة ، وكتاريخ فني ثقافي متاح للجميع ممارسته والتأثر به كمدرسة للمحبة والتسامح والوطنية والإخاء . زياد لم يكن فقيرا معدماً ، ولا جائعا ، ولا محروما ، ولا كان صاحب معاناة بالمباشر وغير المباشر مع السلطة الفاسدة ، وهو وإن كان تحدث عن واقع كل ذلك في مسرحه ، إلا أنّ كثيرين أيضاً حملوا نفس الرسالة بين مسرح وتلفزيون وآداب ونضالات ثقافية ، وأنا أسارع للقول أنني لا أقلّل هنا من شأن زياد ، فمسرحه ، بالمناسبة ، من النماذج التي اعتمدتها في أطروحتي للدكتوراه وأنا أستشكل علاقة المسرح بالحرب الأهلية اللبنانية المشؤومة . رحل زياد ، رحل الفتى الفيروزي وعوده الرنان يصدح حولنا ، لكن ، وفي كل حال وحين ، ومهما قلنا وكتبنا ، فإنّ كل أمانينا سخيفة حتماً في مواجهة الموت .

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...