مَعَ السَّفِير الرُّومَاني

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

وَضَّاح عَبد البَارِي طاَهِر

 

 

فِي بِداية سِنِّي الجامعة مِنْ تِسعِينيِّات القِرن المِاضي أصبتُ بصداعٍ شديد ألجأني إلى التوقف عن الجامعة لسنوات. كُنتُ إذا قَرأتُ كِتابًا فَكأنما ينغرس خابور في جمجمتي وأظل طيلة اليوم أتلوى من الألم.

كانت جدتي في المساء تمرخ رأسي بزيت السمسم وجبهتي بالفيكس، فتهدأ حالتي قليلاً وأنام.

دلني صديق لي على طبيب روماني، وقال لي إنه: عالج قاضيًا بتعز اعتدى عليه مسلحون، وهو يمارس عمله في قاعة المحكمة؛ حتى أدى ذلك إلى نزول فكه بسبب الخوف وَشِدَّة الصَدمة التي واجهها.

بدأت بالبحث عن هذا الطبيب الروماني، واصطحبت الأخ عبد الخبير -رحمه الله- السائق بصحيفة الثوري، وكان يعمل مع الوالد حينها، وبدأنا في عصر أحد الأيام نبحث عن السفارة الرومانية، ثُمَّ عرفنا أنها بعصر بالقرب من سَبَأ فُون.

أخيرًا بعد بحث طويل وجدنا المكان. ونزلت من السيارة، وشرعت بِدَقِّ الجرس الخاص بالفيلا. لَمْ أعتَم قَليلاً حَتى خَرج شَاب أزرق العينين، فقلت له: أنا أبحث عن طبيب روماني يعالج بالوخز أو الريفلكسيلوجي. فَقالَ لي: انتظر قليلاً.

دخل ولم يلبث طويلاً حتى خرج يقول لي: تفضل.

دخلت إلى غُرفة ووجدت السَّفِير الرُّومَاني عَلى مكتبه، وفي الكرسي المقابل تجلس امرأة أجنبيةً حَاسرةَ الرأس. وبدأت أقُصّ له ما أريد.

فَقالَ لي: ليسَ من تعنيه طَبيبًا، إنَّمَا هُوَ… (لم أعد أذكر مهنته بالضبط).

ثُمَّ أخذ وَرقةً وقلمًا، وَكَتبَ لِي العُنوان وَخَريطةً مُبَسَّطةً تَدلُّ عَلى المَكان، وَقَالَ لي: مسكنهُ بالصافية بجوار المالية، وكأنه تناول التلفون، واتصل بهذا الشخص ليعلمه بأنَّ شخصًا مَا سَيزوركَ طلبًا للعلاج فاستقبله.

أخذت الورقة وذهبت في اليوم الثاني أنا وأستاذي علي النور كونه كان يتقن الإنجليزية لمقابلة هذا الشخص.

ذهبنا وقت المغرب، وفتح لنا هذا الشخص الباب وأدخلنا بيته، وجلست أنا ومرافقي على أريكة، وطلب مني تمديد رجلي، وبدأ يتحسس نقاطًا معينة في باطن قدمي، ويقوم بالضغط عليها واستمر قرابة نصف ساعة أو تزيد قليلاً.

ثُمَّ في نِهاية الأمر أعطاني صُورة توضيحية للنقاط التي تتصل بِكُلّ عُضو من أعضاء الجسم وتواجدها في القدم، وناولني كيس فيه زهور وأعشاب طبية نصحني باستعمالها، وَلمَّا حان انصرافنا مددت يدي له بمبلغ من المال، فقال لي: إنه لا يأخذ مالاً لقاء ذلك، وحكى لنا أنَّ ابنته أصيبت بسرطان الدم، ولم يترك طبيبًا ولا مكانًا إلا وذهب إليه وقصده لعلاج ابنته داعيًا الله أن يشفيها، حَتَّى دُلَّ في نِهَاية الأمر عَلى طَبيب رُوسِي بِالاتِّحاد السوفيتي؛ فَسافرَ إليهِ وَكَتبَ الله علاجها على يديه فَشُفِيت، وَقَامَ هذا الطبيب بتعليم صاحبنا الروماني طريقة العلاج، فأصبح يعالج الناس دون مقابل.

وقبل أسبوع ذهبت لـ «كاك بنك»، وَمَعِي خِطَاب ثَاني من المحكمة إلى رئيس البنك بطلب كشف حساب تفصيلي فِيمَا يَخُصّ زوجتي ومورثتي مها ناجي صلاح، وتقدمت بشكوى لرئيس البنك بمدير الشئون القانونية صدام مجلي، وبمحمد صلاح الموظف بإدارة المخاطر؛ إذ أني كنت ألغيت التوكيل الذي فعلته لمحمد صلاح بطلب منه لاستخراج ما يخصه ويخصني من نصيب زوجتي وأخته، وثبتت خيانته للأمانة؛ فألغيت التوكيل من المحكمة الغربية بتاريخ 17/ 6/ 2025، وسلمته لمدير الشئون القانونية صدام أحمد مهيوب علي (مجلي) بنفس التاريخ، ولمَّا سُحِبَ لي كشف الحساب تَبيَّنَ لي أنَّ الأخ محمد صلاح سَحبَ في اليوم التالي من إلغاء توكيلي له مبلغ وقدره اثنين مليون ريال يمني.

فَطلبت مِنْ مدير مكتب رئيس البنك أحمد صالح المطري مقابلة رئيس البنك إبراهم أحمد الحوثي، فَحدَّدَ لي مَوعِدًا، وَجئت قُرابة الساعة الحادية عشرة، ومكثت منتظرًا لمدة من الوقت. ثُمَّ خَرجَ رَئِيس البنك يَزُف وَزيرَ الصِّحَة مَعَ القَطَيع إلى المصعد، ولم أرِمْ مَكاني.

ولبثَ طَويلاً. لَعلَّهُ كَانَ يُجرِي اتصالاته بالشِّركَة لإصلاح المصعد المعطل، ثَمَّ عَادَ يَلهث،كَمَا صَوَّرَ القُرآن الكريم في آياته (سِتَّة أدوار مُشْ قَلِيلْ)، لَكنَّهُ هذه المرة كَانَ َوحِيدًا، يَزفُّهُ القَطِيع (الأول).

وَمَكثتُ في الانتظار حتى قَبل نهاية الدوام بقليل، ثُمَّ طَلبَ مِنِّي مُدِير المكتب الدخول فَدخَلت، وإذا بِي أنتظر في صالة ثانية، لكنها والحق يقال أكثر فخامة من المكان الذي كنت فيه.

يَا لحسن الحَظَّ هَا أنا ذا أقترب الآن من مكتب رئيس البنك! وجلست بجوار شخصين يبدو أنهما مقربان من رئيس البنك إبراهيم الحوثي، إذ بدا لي ألا عمل يؤديانه سوى الثرثرة في شئونهما الخاصة، وربما أشياء أخرى لا يعلمها إلا الله، وبدأت دورة جديدة من الانتظار حتى انتهى الدوام، و«سبع البرمبه» لم يخرج إلا في الثانية الأخيرة من الوقت؛ لالتزامه الحَرفِي بالدوام.

– أهلاً.

– أهلاً وسهلاً. لن أطيل عليك. جئت للشكوى بمدير الشئون القانونية وبمحمد صلاح في…

– يبدو أنك تخمن!

طلبت من مدير مكتبه أن يأتي بالأوراق وفيها الشكوى وبيان ما قلته من كشف الحساب وإلغاء التوكيل؛ فما تحرك مدير مكتبه.

أعرف إبراهيم أحمد الحوثي مذ كُنَّا صِغَارًا. كان يأتي هو ووالدته وأخيه محمد لزيارة جارنا خالهم العم الفاضل إبراهيم الحوثي في عطلة نهاية الأسبوع (الجمعة)، وُكُنَّا نلعب الكُرَة سَويًّا

لا أذكر شيئًا من لعبنا سِوى أني كنت ألاحظ إبراهيم هذا يقوم بحركة غريبة أثناء لعبنا؛ كان يدور بشكل استعراضي مع الكرة، ويحجل كما يحجل طَائِر الحَجَل.

ثُمَّ إني بعد مضي سنوات طويلة رأيته في مناسبة لبيت إسحاق، فرآني ورأيته ومشى ومشيت.

أمَّا أخوه محمد، فقد كُنتُ كثيرًا ما ألقاه في طريقي، ونتبادل التحية ونتحدث قليلاً؛ ويعلم الله أني ما رأيت إنسانًا في مثل خلق محمد ولطفه وأدبه ودماثة أخلاقه، وأني حين كنت أراه وأنظر في عينيه أرى فيهما طيبة غير متناهية.

لنعد لطائر الحجل المَشْوِي عَلى عَجَل!

وَهَذهِ يَمِين لا مَثنويةَ فيها: إنْ لَمْ يُنزِلْ إبراهيم بِموظفيه العُقَوبة التي يَستحقَّانِهَا للمخالفة القانونية والإدارية التي ارتكباها؛ لألحقنه بـ«هولاي» اللعين على «يد آشور ناصر بال».

وإليك ما تحكيهِ الجدات الصَّالحَات للأطفال المُطِيعين حَتَّى يَنعَمُوا بِالنَّوم الأبدي..

– أنتَ مَليكِي. سَأعبُدكَ إلى آخر لحظة في حياتي، وأقدِّم القَرابين في مَعبَدِك. يَا مَولاي إني أطمع في رحمتك!!

– أيُّها الذَّلِيل؛ سَترى رَحمَتِي قبل أن تَذهب إلى عَالم النِّسيَان!! اسْلَخُوه حَيًّا، ثُمَّ عَلِّقُوا جِلدَهُ على سُور «كَاك بَنك»، وألقُوا بِمَا تَبَقَّى مِنهُ لِلنَّمل.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...