أحمد سعداوي
كاتب وروائي عراقي
لا يبدو أنّ هناك هدنة أو فترة هدوء في الساحة العراقية، ولا سيّما في الأحداث السياسية، حيث شهد الأسبوع الماضي (الثلاثاء الخامس من آب/ أغسطس الجاري)، عراكاً بالأيدي تحت قبّة البرلمان، ولم تتّضح أسبابه، وانتقلت منه سريعاً صور ومقاطع فيديو إلى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن الكواليس تضع الجدل بشأن قانون الحشد الشعبي من هذه الأسباب، إن لم يكن سبباً رئيساً.
أثار القانون، الذي يمنح صلاحيات واسعة للهيئة وموارد كبيرة واستقلالية نسبية في القرار عن المؤسّسات الأمنية الأخرى مخاوف الولايات المتّحدة من أن يؤدّي إقراره إلى تمكين مجموعات مسلّحة تستظلّ بالحشد وموالية لإيران. وانفضّت جلسة البرلمان ولم يُقرأ قانون الحشد القراءة الثالثة التي يتبعها التصويت، ويبدو أن القانون لن يعود قريباً إلى مجلس النوّاب، تجنّباً للمواجهة مع الجانب الأميركي.
ثم جاء تصريح السفير البريطاني في العراق عرفان صدّيق، بعد أربعة أيام، ليلقي حجراً جديداً في البركة نفسها، موضّحاً عدم الحاجة إلى “الحشد” بعد انتهاء المعارك مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأنّ في هذه الهيئة فصائل تمثّل تهديداً لمصالح العراق وأمنه، وأنّ هذه المؤسسة بحاجة إلى إصلاحات جذرية أكثر من حاجتها إلى قانون جديد.
بعدها بيوم، وفي السياق نفسه الموجّه ضدّ المليشيات والفصائل، صدر بيان من مكتب القائد العام للقوّات المسلحة في العراق، وهو أحد مناصب رئيس الوزراء، يعلّق على نتائج التحقيق في حادثة الهجوم على دائرة الزراعة في منطقة السيدية ببغداد، محمّلاً المسؤولية عن الجرائم التي حدثت لفصيل مسلّح، حدّده بالاسم، وأحال إلى التحقيق شخصيات فصائلية لها علاقة بالحادثة. ويُعدّ ذلك تطوّراً غير مسبوق في إجراءات رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني.
ذكّر البيان وما تضمّنه من اتهامات صريحة بحادثتين جرتا في عهد رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي: الأولى عُرفت باسم “حادثة ألبو عيثة” في 26 يونيو/ حزيران 2020، حيث اعتقلت السلطات حينها أفراداً من مليشيا معروفة بتهمة إطلاق صواريخ على المنطقة الخضراء. والثانية اعتقال قاسم مصلح، القيادي في الحشد الشعبي، في 26 مايو/ أيار 2021، بتهمة اغتيال الناشطين المدنيين في كربلاء إيهاب الوزني وفاهم الطائي.
انتهت كلتا الحركتين الجريئتين من حكومة الكاظمي إلى ما يشبه الصدمة، حيث ردّت المليشيات بعنف وحرّرت معتقليها، ولم تفعل الحكومة حينها أيّ شيء، الأمر الذي ولّد حالة من الإحباط العام في الشارع العراقي، وبيّن عجز الحكومة عن فرض سلطتها على الخارجين على القانون.
مرّت الأيّام بعد بيان السوداني الاتهامي وغير المسبوق، ولم تحدث ردّة الفعل المعتادة من المليشيات، ربّما لأنّ السياق العام تغيّر، والضغط الأميركي أكبر من قبل، والتهديدات الاقتصادية كبيرة. غير أنّ هناك من يقول إنّ الأجهزة الأمنية العراقية الرسمية صارت أقوى، كما أنّ هناك ما يشبه الإجماع الشيعي بين الأحزاب، حتى التي تمتلك فصائل مسلّحة، على الانحناء للعاصفة، وأن تتمّ مواجهة المتمرّدين على هذا القرار بالطرق الممكنة، سياسياً وعبر الحوار والإغراءات المالية، أو التهديد باستخدام قوّة القانون والسلاح الشرعي للدولة. وهذا مقبول ومفهوم حتى لإيران، المتَّهمة بدعم الفصائل المتمرّدة.
الشعور بحراجة اللحظة وضرورة إجراء إصلاحات مؤلمة يتجلّى في الأنباء أنّه لم يبق أمام الحكومة العراقية سوى أقل من 20 يوماً لإجبار المصارف العراقية على الامتثال لورقة الإصلاح المصرفي التي أعدّتها شركة “أوليفر وايمان” الأميركية، ضمن سياق إصلاح القطاع المالي في العراق، والتي من أبرز نتائجها منع تهريب الأموال والسيطرة على تمويل الجماعات المسلّحة، واندماج العراق بشكل طبيعي ضمن المنظومة المصرفية العالمية.
يحاول السوداني، على ما يبدو، أن ينظّم الارتباك السياسي الشيعي، مستفيداً من دعم خفي من مرجعية النجف، وتأييد شعبي محتمل لأيّ إجراءات رادعة للمليشيات المتمرّدة على الدولة. والأمر، في نهاية المطاف، ليس ببعيد عن التحشيد السياسي للانتخابات المقبلة التي يعوّل السوداني فيها على تجديد رئاسته لولاية ثانية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





