عبد الله مشنون
كاب صحفي مقيم في ايطاليا
في كل عام، ومع حلول العاشر من غشت، يحتفي المغرب بـ”اليوم الوطني للمهاجر”، وهي مناسبة تتعدى الطابع الرمزي لتُعيد إلى الواجهة قضايا الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وعلى رأسها سؤال المشاركة السياسية والتمثيل المؤسساتي الذي ما زال مطروحًا بإلحاح، رغم مرور أكثر من عقد على إقرار دستور 2011.
ورغم أن الوثيقة الدستورية نصّت بوضوح على حق مغاربة العالم في التصويت والترشح في الانتخابات الوطنية، إلا أن هذا الحق ظل معلقًا بين الوعود والتأجيل، ما جعل أصواتًا سياسية، في مقدمتها حزب العدالة والتنمية، تعيد فتح الملف بمناسبة التحضير للاستحقاقات التشريعية المقبلة.
النداء هذه المرة جاء من الكتابة الجهوية لحزب العدالة والتنمية بالخارج، التي طالبت بضرورة أن تتضمن المشاورات السياسية الجارية حسمًا واضحًا ونهائيًا لهذا الحق، وتفعيله بما يليق بمكانة الجالية المغربية كجزء لا يتجزأ من نسيج الوطن.
بعيدًا عن لغة الشعارات، يرى مراقبون أن تجاهل هذا المطلب يُفرغ النصوص الدستورية من مضامينها، ويُبقي الآلاف من الكفاءات المغربية في الخارج خارج دائرة التأثير في القرار السياسي الوطني، رغم ما يملكونه من إمكانات فكرية ومهنية واقتصادية.
لا تتوقف مطالب الجالية عند حدود المشاركة في الانتخابات فقط، بل تتعداها إلى ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات الموجهة إليهم، وعلى رأسها “مجلس الجالية المغربية بالخارج” و”المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج”، وفق مقاربة ديمقراطية تضمن الكفاءة والتمثيلية الحقيقية، بدل التعيينات الموسمية والمبنية على موازنات سياسية أو اعتبارات ظرفية.
في هذا الإطار، أعاد حزب العدالة والتنمية التذكير بالتوجيهات الملكية الصادرة خلال خطاب المسيرة الخضراء في نوفمبر 2024، والتي دعت صراحة إلى إصلاح عميق لهذه المؤسسات، بما يعزز من دورها التأطيري والتنموي، ويمنح مغاربة العالم فضاءً مؤسساتيًا يعبر عن تطلعاتهم الحقيقية.
التحول في الخطاب المطلوب لا يكمن في الاعتراف بأهمية مغاربة المهجر فحسب، بل في الانتقال إلى رؤية جديدة للجالية كفاعل شريك في التنمية الوطنية، وليس مجرد رقم في معادلة تحويلات العملة الصعبة. من هنا، تبرز الحاجة إلى سياسات عمومية تواكب متطلبات هذه الفئة، سواء في ما يتعلق بالاستثمار، أو التعليم، أو الثقافة، أو حتى الخدمات القنصلية، التي ما زالت تعاني من عراقيل كثيرة.
التحدي الأكبر اليوم ليس فقط في تمثيل الجالية، بل في حماية الهوية الوطنية في أوساط الأجيال الجديدة من مغاربة الخارج. وهذه مسؤولية جماعية تتطلب برامج تثقيفية متجددة، وفضاءات لتبادل التجارب، ومبادرات تشجع على الانخراط الوطني الطوعي بعيدًا عن الخطابات الموسمية.
مغاربة العالم ليسوا ضيوفًا على الوطن، ولا مجرد امتداد جغرافي له خارج حدوده. إنهم جزء حي من نسيجه السياسي والاجتماعي والثقافي. تفعيل حقوقهم الدستورية، وعلى رأسها حقهم في التصويت والترشح، لم يعد مطلبًا نخبويًا، بل ضرورة وطنية لإعادة بناء الثقة، وتجسير الهوة بين الدولة وجالياتها.
الرهان اليوم هو على الجرأة السياسية في اتخاذ القرار، والانتقال من مرحلة التوصيات والبلاغات إلى مرحلة التنفيذ والإنصاف.





