“حرب على الربّ” وحلّ الدولتَين؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

غازي العريضي
وزير ونائب لبناني سابق.

 

 

لا أحد يقدر على وقف المذبحة وعمليات الإبادة الجماعية والإعدام بوسائل مختلفة، جوعاً وقصفاً وتدمير خيام بقذائف الدبابات، وإطلاق نار على الراكضين وراء المساعدات الإنسانية، وترك المرضى يموتون في المستشفيات من دون دواء، أو تحت أنقاضها بعد تدميرها، أو في الطرقات بإجبارهم على السير على الأقدام كيلومترات. لا أحد يقدر على وقف هذه الحرب ضدّ الإنسانية إلا الإدارة الأميركية، لكنّها تفعل عكس ذلك. كلّ ما يروّجه المسؤولون الأميركيون أن “الرئيس ترامب كلّف نتنياهو… بإنهاء المهمّة في غزّة”. وكرّر ترامب أكثر من مرّة قوله: “أترك لهم القرار بخصوص مستقبل غزّة”. الإسرائيليون لا يستهدفون مستقبل غزّة فقط، إنهم يهدّدون مستقبل فلسطين كلّها وشعبها، وحقّه في إقامة دولته في أرضه. يريدون السيطرة على كلّ الأرض واقتلاع الفلسطينيين منها وتهجيرهم إلى الخارج. وبذلك هم يُهدّدون مستقبل المنطقة.
ها هو رئيس مجلس النواب الأميركي، مايك جونسون، يزور مستوطنة أرئيل، ويقول: “وجودي هنا يمثّل أهمية رمزية كبيرة، يهودا والسامرة يمثّلان مهد الإيمان اليهودي، وهما موعودتان للشعب اليهودي وفق ما ورد في الكتاب المقدّس. إن هذه الأرض حقّ لليهود، حتى لو عارض العالم ذلك، فإن الولايات المتحدة تتمسّك به”… هل ثمّة أوضح من ذلك؟ إنه تفويض أميركي. إطلاق يد إسرائيل من دون حدود، للسيطرة على الأرض كلّها لأنها حقّ لهم، ولو عارض العالم كلّه، فأين ستقوم الدولة الفلسطينية؟ وكيف سيتحقّق حلّ الدولتَين الذي دُفن منذ سنوات بمشاركة عربية متنوّعة الأدوار والأهداف والمصالح الآنية والوهمية، عندما حصل الانقلاب على المبادرة العربية التي أُقِّرت في بيروت عام 2002، مع انطلاق اندفاعة نتنياهو التي لا تتوقّف؟

إذا انتقدتَ إسرائيل ودعوْتها إلى احترام الشرعية الأخلاقية والإنسانية والدولية، فأنت تعلن “الحرب على الربّ”

رغم كلّ المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال، أعلنت الإدارة الأميركية أنها ستفرض عقوباتٍ على المستوطنين الذين يقومون “بأعمال عنف”، ولم تفعل شيئاً، بل غطّت عنفهم وارتكاباتهم في المسجد الأقصى، بقيادة إيتمار بن غفير، وعناصر من الشرطة والجيش الإسرائيلي، وتوسّع الاستيطان في القدس والضفة الغربية استناداً إلى “الحقّ الإلهي” بالأرض كلّها. ها هو وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، يعود إلى مستوطنة أخليت عام 2005 في الضفة، ويقف تحت شعارات: “شعب إسرائيل يعود إلى (مستوطنة) سانور… الموت للعرب”. هذا ما ينتظر العرب الذين يتحدّثون عن حلّ الدولتَين الوهمي، الورقي، النظري، هذا إذا أُقرّ. وها هو الحاخام رونين شالوف يعلن: “كلّ غزّة، وكلّ طفل فيها يجب أن يموت جوعاً. أنا لا أشفق على الإرهابيين المستقبليّين، رغم أنهم اليوم لا يزالون صغاراً، فإنني أرجو أن يظلّوا جائعين ويموتون”. ماذا لو قال عربي أو مسلم “الموت لإسرائيل” بعد كلّ جرائمها التي ينتقدها العالم؟ ماذا لو قال أحدهم: “ليمت أطفال إسرائيل بكلّ الطرق، انتقاماً لما فعله أهلهم بنا؟ أبسط جواب واقعي: حملة عالمية ضدّ “أعداء السامية” و”الكراهية” و”الحقد” و”التحريض على الإرهاب”، وبالتالي إطلاق يد إسرائيل وتبرير جرائمها. فأي عدالة إلهية أو قانونية هنا؟ أي إنسانية ورسالة أخلاقية توجّه إلى العالم، وتحديداً إلى الشعب الفلسطيني؟ ما قيمة اتفاقات ومعاهدات “الأخوة والإنسانية”، و”الإبراهيميات” الموقّعة مع إسرائيل؟
ها هو وزير خارجية أميركا ماركو روبيو يعلن: “إقامة دولة فلسطينية ليست مسألة حقيقية، فلا يمكن تحديد الحدود أو من سيديرها، ولا يمكن أن تكون هناك دولة أو منطقة تتمتّع بحكم ذاتي إذا لم يُحدَّد من سيديرها”. إنها عملية إلغاء لوجود الشعب الفلسطيني وممثّليه. إنكار لوجوده في الأساس. من أسقط الحدود كلّها؟ الاتفاقات كلّها؟ من دعا (ويدعو) إلى استخدام القنبلة النووية ضدّ الشعب الفلسطيني؟ أليس عدد من المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين؟ من يدعو إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم ونقلهم إلى دول أخرى بعيدة مسافات ضوئية عن هذه الأرض؟ أليس أصحاب مشروع “ريفييرا” في غزّة، وتكريس احتلال الضفة لأنها “حقّ إلهي للإسرائيليين” كما زعم جونسون؟ من قتل إسحاق رابين الذي وقّع سلاماً مع الفلسطينيين؟ ثمّ من قتل شريكه ياسر عرفات؟ من حاصر (ويحاصر) الفلسطينيين اليوم؟ من اتهم عرفات ومحمود عبّاس بأنهما ليسا “شريكين في صنع السلام”، بل “يدعمان الإرهاب”؟ من حاصر مؤسّسات السلطة الفلسطينية، وأقفل مكتب منظمة التحرير في واشنطن؟ من صادر أموالها؟ من رفض (ويرفض) أي دور لها في إدارة شؤون الفلسطينيين؟ أليست إسرائيل وأميركا، وتتساءلان الآن عن الحدود والجهات التي ستدير مناطق حكم ذاتي؟ في الأساس، هل سلّمت إسرائيل بحكم ذاتي أو بحقّ فلسطيني أو بإدارة فلسطينية أو بكيان فلسطيني، وقبلت بشيء من القرارات والنداءات الدولية لوقف مسلسل القتل والتهجير والإبادة؟
ها هو نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، يقول: “لا خطط لدينا للاعتراف بدولة فلسطينية. لا نعرف ما معنى الاعتراف بدولة فلسطينية بالنظر إلى عدم وجود حكومة هناك”. أمّا الأخطر من ذلك كلّه فهو ما صرّح به الحاخام ديفيد دانيال كوهين: “ماكرون بموافقته على الاعتراف بدولة فلسطينية يكشف عن معاداته للسامية، ويطلق إعلان حرب على الربّ، من مصلحته أن يجهّز نعشه”. الدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية احتراماً للقوانين الدولية والشرعية الدولية، ولحقّ الشعب الفلسطيني في أرضه، “دعوة ضدّ السامية” و”حرب على الربّ”.

لا يستهدف الإسرائيليون مستقبل غزّة فقط، إنهم يهدّدون مستقبل فلسطين كلّها وشعبها

إذا انتقدتَ إسرائيل ودعوْتها إلى احترام الشرعية الأخلاقية والإنسانية والدولية، فأنت تعلن “الحرب على الربّ”. إسرائيل هي “الرب”، وعليك أن تجهّز نعشك. هذا تهديدٌ مباشرٌ لرئيس الدولة الفرنسية. فهل سيسلم أحد من العرب في هذه الحال؟ وكيف سيصل هؤلاء إلى حلّ الدولتَين الفعلي أمام هذه الوقائع؟ واهم أي عربي في أي دولة كانت إذا اعتقد أنه قادر على الاستمرار وحماية حكمه وضمان أمنه واستقراره وازدهار بلاده واستمراره أمام هذا التفلّت الإسرائيلي، والدعم الأميركي المفتوح له. فكلّ ما تقوم به إسرائيل “إلهام ربّاني”، ولا بدّ من ترجمته، لأن قادة دولة الاحتلال والإرهاب والتوسّع لا يخونون “عهودهم” و”مبادئهم” و”إيمانهم” و”التزاماتهم الدينية” و”التعاليم الربّانية”، أمّا التزامات الواهمين العرب فهي تجاه أميركا من دون تردّد، واتفاقات مع الإسرائيليين الفالتين. كان ينقصنا في هذه الآخرة أن يخرج العبقري يئير، ابن العبقري نتنياهو، ليقول: “قطر القوة الرئيسة خلف موجة معاداة السامية العالمية. إنها ألمانيا النازية المعاصرة”. رغم كلّ ما قامت به قطر، وما تلعبه من أدوار ووساطات، تصنّف في هذه الخانة، من المُتّهَمين داخل إسرائيل (وخارجها) بارتكابهم محرقة ضدّ الفلسطينيين.
ها هو موقع ديكلاسيفايد، ينقل عن تقرير للجيش البريطاني: “إسرائيل تقصف المستشفيات في غزّة بطرق لم تفعلها ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. وأن هجماتها تشبه هجمات روسيا في أوكرانيا. وقلق الجيش من سلوك إسرائيل يناقض دفاع الحكومة عن تصدير أسلحة لها واعتبارها لا ترتكب جرائم بغزّة”. وها هي ألمانيا نفسها، رغم دعمها اللامحدود لإسرائيل في كلّ المجالات الأمنية والسياسية والعسكرية والدبلوماسية والإعلامية والمالية، تعلن “تعليق تصدير الأسلحة إلى إسرائيل”، لأنها لم تعد تحتمل الضغوط الشعبية الرافضة لما ترتكبه بحقّ الفلسطينيين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...