أيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطني.. تظاهرة تُحوّل الأمن من سلطة إلى شريك مجتمعي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا

 

في مشهد غير مسبوق في تاريخ الفعاليات المؤسساتية بالمغرب، اختُتمت بمدينة الجديدة الدورة السادسة لأيام الأبواب المفتوحة التي نظمتها المديرية العامة للأمن الوطني، والتي امتدت من 17 إلى 21 ماي الجاري. الدورة التي وُصفت بكونها الأكثر حضورًا وتأثيرًا منذ انطلاق هذه المبادرة، استطاعت أن تحوّل فضاء “محمد السادس للمعارض” إلى ساحة تواصلية وإنسانية وثقافية حية، احتضنت أكثر من 2,4 مليون زائر خلال خمسة أيام فقط.

لكن خلف الأرقام الكبيرة والعروض الاستعراضية، تقف رؤية استراتيجية عميقة تعكس تحولًا جوهريًا في فلسفة الأمن بالمغرب، حيث لم يعد رجل الأمن حاملاً للسلاح فقط، بل ناقلاً للمعرفة، وشريكًا في التربية، وسفيرًا لقيم المواطنة.

أهم ما ميّز هذه الدورة لم يكن الحضور العددي فحسب، بل طبيعة الحضور: تلاميذ، طلبة، آباء، جمعيات، رجال فكر، علماء، إعلاميون، وسكان من مختلف الجهات، قدموا ليشاهدوا كيف تحوّلت الشرطة إلى مؤسسة مدنية بالمعنى الحقيقي، منفتحة، مفسّرة، حاضرة بلغة القرب والوضوح.

لقد أصبح واضحًا أن المديرية العامة للأمن الوطني، من خلال هذه المبادرة، تسعى لتجسيد نموذج “شرطة القرب”، عبر خلق تواصل مباشر بين مختلف فئات المجتمع ومكوناته الأمنية، وتجسيد شعار “الأمن في خدمة المواطن” على أرض الواقع، لا في البلاغات الرسمية فقط.

تميزت التظاهرة بعروض توزعت بين المعرفي والتقني والإنساني، حيث تم تقديم:

أحدث معدات الشرطة العلمية والتقنية.

وحدات التدخل السريع والدوريات الذكية المجهزة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

رواق خاص بالهُوية الرقمية والرقمنة الأمنية.

خلايا مكافحة العنف ضد النساء والأطفال.

ورشات توعوية ومجالات ترفيهية للأطفال باستعمال الواقع الافتراضي.

كما خُصص فضاء متميز لتاريخ الأمن الوطني، ضم مركبات وأزياء قديمة، ووثائق نادرة، ولوحات فنية من توقيع رجال الأمن أنفسهم، في مزج بين الأداء الوظيفي والإبداع الإنساني.

الحضور القوي لمواضيع الرقمنة، الذكاء الاصطناعي، والتحديات الأمنية الجديدة، لم يكن عارضًا. بل عبّر عن إدراك تام بأن التهديدات لم تعد فقط مادية، بل رقمية وفكرية أيضًا. من هنا جاءت أهمية تقديم منصة “إبلاغ”، التي تتيح للمواطن التبليغ عن محتويات رقمية ضارة وعنيفة، بما يعزز الوقاية بدل الاقتصار على الردع.

وبالموازاة، شجعت التظاهرة على التربية الرقمية، والتصدي للفكر المتطرف، من خلال ندوات علمية عالية المستوى، حضرها أكاديميون وخبراء من المغرب وخارجه، ناقشوا مستقبل الأمن في ظل التكنولوجيا، والرهانات المرتبطة باحتضان المغرب لكأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030.

استقبال تلاميذ من أكثر من 1900 مؤسسة تعليمية، وحضور ممثلي أزيد من 1500 جمعية مدنية، يثبت أن الأمن ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل قضية مجتمعية متكاملة. وهذا ما أرادت المديرية أن تكرسه عبر إشراك الأطفال، الشباب، والنساء، وتمكينهم من معرفة حقوقهم، وواجباتهم، وتوعيتهم بدور رجل الأمن، لا باعتباره سلطة، بل باعتباره حاميًا للحق، وضامنًا للكرامة.

ما يثير الإعجاب أيضًا هو الحضور الرقمي المكثف الذي رافق الدورة، حيث تجاوزت المتابعات على المنصات الاجتماعية 29 مليون مشاهدة، ما يُظهر تحولًا في استراتيجية التواصل الأمني، من خطاب مغلق إلى تفاعل عمومي مفتوح ومباشر.

إن الأرقام لا تعني شيئًا إن لم تتحول إلى رسائل استراتيجية. ونجاح “الأبواب المفتوحة” لا يُقاس فقط بعدد الزوار أو العروض، بل بما خلقته من ثقة جديدة، ومن فهم أعمق للدور الذي تلعبه المؤسسة الأمنية في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والدولية.

ما عُرض في هذه الدورة يؤكد أن الأمن لم يعد فقط حماية ضد الجريمة، بل أداة لبناء الإنسان، وصناعة المواطن المسؤول، ضمن رؤية ملكية سامية تجعل من الأمن شريكًا في التنمية، لا مجرد آلية للزجر أو الردع.

أثبتت “أيام الأبواب المفتوحة” أن الأمن، عندما ينفتح على محيطه، ويستثمر في الحوار، ويساند المعرفة، يتحول إلى قوة ناعمة ذات أثر عميق. لهذا، لا عجب أن تتحول هذه التظاهرة إلى موعد سنوي ينتظره المواطنون، ليس فقط لرؤية معدات الشرطة، بل ليتحاوروا مع حُماتها، ويكتشفوا إنسانيتهم، ويشاركوا في إنتاج الأمن الجماعي.

ولعل هذا هو جوهر الرهان الحقيقي: أن ننتقل من أمن يُفرض… إلى أمن يُبنى مع المجتمع ومن داخله.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...