أشرف لعروصي يقدم مراجعة في كتاب التيجاني بولعوالي: “صناعة التطرف في الغرب: تبصرات في الراديكاليات الدينية والسياسة والفردية” 1/3
مقدمة
في عالم تتزايد فيه التحديات المرتبطة بفهم الدين والتطرف، أُلفت كتب كثيرة تتناول موضوعات مرتبطة بتحليل العوامل التي تسهم في ظهور الراديكاليات في المجتمعات الغربية وتأثيرها على الأفراد والسياسات العامة. هذا الكتاب الذي نروم مراجعته هنا هو الإصدار الأحدث للدكتور التجاني بولعوالي، والذي عنونه بــــــــ: “صناعة التطرف في الغرب؛ تبصرات في الراديكاليات الدينية والسياسة والفردية”، صدر عن دار ركاز للنشر والتوزيع عام 1445هـ/2024م بإربد في الأردن، في نحو 128 صفحة، ولي الشرف في أن أكون أول من يقدم مراجعة لهذا الكتاب، إذ يعدّ مرجعا مهما لكل من يسعى لفهم التطرف في سياق التحديات العالمية الراهنة.
والكاتب أستاذ الدراسات العربية والإسلامية، ومنسق ماستر الأديان الكونية واللاهوت الإسلامي بكلية اللاهوت والدراسات الدينية في جامعة لوفان ببلجيكا؛ سيرته الذاتية حافلة بالكثير من العلوم والإصدارات الفكرية والدينية واللغوية، وبما أنه يتقن مجموعة من اللغات الأجنبية (العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والهولندية) فهو متابع ومواكب لما ينشر بتلك اللغات من أفكار وإصدارات مستجدة من الداخل الغربي في موضوع التطرف خاصة وغيره من المواضيع الفكرية التي تشغل بال المسلمين في الغرب.
والدكتور بولعوالي باحث ومفكر مغربي مقيم في أوروبا، متخصص في قضايا الإسلام والغرب والدراسات العربية والإسلامية وترجمة القرآن الكريم، يشغل منصب أستاذ وباحث في كلية اللاهوت والدراسات الدينية بجامعة لوفان في بلجيكا، بالإضافة إلى كونه رئيس مركز اجتهاد للدراسات والتكوين في بلجيكا. وقد صدرت له العديد من المؤلفات التي تساهم في إثراء النقاش الأكاديمي، مثل “وظيفة الإمام في السياق الأوروبي وضرورة التجديد” (2023)، و”الخوف المتبادل بين الإسلام والغرب” (2021)، و”صورة الإسلام في المقاربة الأكاديمية الهولندية” (2013)، وغيرها من العناوين التي تعكس عمق تفكيره واهتمامه بالقضايا الفكرية المعاصرة خاصة التي تتعلق بالمسلمين في أوروبا. ويقدم المؤلف، الذي يمتلك خبرة ربع قرن في دراسة قضايا الإسلام والغرب، رؤى معمقة تخص موضوعا بالغ الأهمية في السياق المعاصر.
تسعى هذه المراجعة إلى تحليل الأهداف المنهجية والأساليب الحجاجية التي وظفها الكاتب في معالجة ظاهرة التطرف والإرهاب، مع التركيز على الجوانب التي تميز الكتاب. تهدف المراجعة أيضا إلى إبراز نقاط القوة والابتكار في منهجية الكاتب، إلى جانب تقييم مدى توازنه في تقديم رؤية معمقة وشاملة حول هذه الظاهرة المعقدة، مع الإشارة إلى النقاط التي كان من الممكن أن تحظى بمزيد من التركيز لتقديم تحليل أكثر تكاملا.
في المجمل، تهدف هذه المراجعة إلى تقديم قراءة نقدية تسلط الضوء على منهجية الكاتب المتوازنة وأسلوبه الحجاجي في معالجة ظاهرة التطرف والإرهاب. تستعرض المراجعة كيف استطاع الكاتب المزج بين التأريخ الاستدلالي والنماذج التحليلية لفهم الظاهرة من زوايا متعددة، مع التركيز على دور الإعلام والسياسة والثقافة في صناعتها. كما تناقش نقاط القوة في الكتاب، مثل العمق الواقعي والتحليل المنهجي، إلى جانب بعض الجوانب التي كان يمكن تعزيزها. تهدف المراجعة إلى إبراز الإسهامات النوعية لهذا الكتاب في مجال الدراسات الفكرية حول التطرف، مع تقييم مدى شموليته وجرأة تصوره في كشف العلاقة المعقدة بين الإعلام وصناعة التطرف.
ثلاث راديكاليات
ينقسم عنوان الكتاب إلى أصلي: “صناعة التطرف في الغرب”، وفرعي: “تبصرات في الراديكاليات الدينية والسياسة والفردية”، فاختار للعنوان الأصلي لفظة: “صناعة” لأنه يقدر أن التطرف لا يولد من رحم المجتمع ذاتيا وإنما يصنع من جهات خارجية، حيث إن هناك أطرافا سعت لتبرز هذه الظاهرة بتوفير عوامل وأسباب ظهورها في المجتمعات، بفعل قوى إقليمية. أما العنوان الفرعي فقد قسمه إلى جذرانيات أو راديكاليات ثلاث، ويقصد بها: واجهات التطرف التي عنها يصدر فعل التطرف غالبا؛ الأولى هي الدينية، ويقصد بها الراديكالية ذات الطابع الإسلامي؛ كالقاعدة وداعش وبوكو حرام وغيرها، والثانية هي السياسية، ويقصد بها ذات الجذور اليمينية المتطرفة أو الشعبوية، أما الثالثة فهي الفردية، ويقصد بها من لا ينتمون إلى تنظيم ديني أو أيديولوجي معين، ممن يسمون في الإعلام الغربي مرضى نفسانيين.
تتمحور الفكرة الرئيسة للكتاب حول تحليل ظاهرة التطرف من حيث كونها صناعة ممنهجة ناجمة عن عدة عوامل ثقافية وسياسية وإعلامية، وظروف اقتصادية واجتماعية تجعل منها صناعة تضاهي صناعة المنتوجات الاستهلاكية بمنظور “العرض والطلب”. إذ يرى الكاتب أن التطرف ليس ظاهرة تلقائية، بل هو منتج يتم تشكيله بتضافر القوى الإقليمية لاسيما العامل الإعلامي الذي يعزز هذه الظاهرة بشكل أعمق. ويعتمد الكاتب في تحليله على منظور مقارن يناقش فيه التطرف بأشكاله المختلفة: الديني، السياسي، والفردي، منتقدا ازدواجية معايير الغرب في معالجة التطرف الإسلامي مقارنة بالتطرف المحلي اليميني والشعبوي.
وفي تحليله للظاهرة، ركز الكاتب على مجموعة من المسائل التي وظفها في إيضاح مقاربته. ينتقد الكاتب ما يسميه “ازدواجية المعايير” التي يتناول بها الإعلام الغربي ظاهرة التطرف، فهو يرى أن الغرب يلصق التطرف بالمسلمين خاصة دون سواهم، ويقوم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بصناعة صورة نمطية للتطرف يعدها سلوكا يصدر عن شرائح من المسلمين حصرا؛ والغرب إذ يقوم بهذا الإسقاط يجافي الحقيقة والواقع، فالكاتب يؤكد عبر مختلف فصول الكتاب أن التطرف لا هوية له، وهو منتشر في كل المجموعات الحضارية والتكتلات البشرية وفي مختلف الحقب والأزمنة، وهو بذلك ظاهرة عابرة للحضارات والأمم، وإلصاقها بالمسلمين فقط هو ضرب من البروباغاندا الإعلامية الموجهة.
يناقش الكاتب التطرف من ثلاثة أبعاد يسميها “الراديكاليات الدينية والسياسية والفردية”، ويقصد بها واجهات التطرف التي يصدر عنها فعل التطرف في المجمل، فالدينية يعني بها الإسلامية مثل داعش وتنظيم القاعدة، والسياسية يعني بها الحركات ذات الجذور اليمينية أو الشعبوية، أما الفردية فيعني بها أولئك الذين يطلق عليهم الإعلام الغربي تسمية المرضى النفسانيين وهم من ينفذون أعمالا إرهابية مستقلة عن التنظيمات.
ويركز الكاتب على معركة المصطلحات بين الإسلام والغرب، مشيرا إلى كيفية استخدام الإعلام الغربي لبعض المصطلحات كالأصولية والتطرف والإرهاب في سياقات معينة لتشويه صورة الإسلام، بينما يتم تقزيم التطرف اليميني والشعبوي واعتباره مجرد سلوكيات نفسية واجتماعية عابرة.
ثم يسهب الكاتب في التنقيب عن الدوافع والأسباب النفسية والاجتماعية التي تؤدي بالأفراد إلى التطرف والنزعات الراديكالية فيعزو ذلك إلى الجهل والعزلة والأوضاع الاقتصادية.

أشرف لعروصي





