محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع
أظن أنّ أغلب أبناء جيلنا في السبعينيات والثمانينيات لا يزالون يذكرون مسلسل الأطفال “اسألوا لبيبة”. تذكّرته وأنا أتناقش مع تطبيق الذكاء الاصطناعي ChatGPT في بعض الأسئلة المعرفية؛ فهل كان صُنّاع ذلك المسلسل في الثمانينيات يدركون أنهم يزرعون بذور خيالٍ سيصبح واقعاً مع ظهور الذكاء الاصطناعي؟.. لبيبة، الطفلة الإلكترونية، التي تخرج من شاشة الكمبيوتر وتحاور برامجه وتفكّ ألغاز التقنية، لم تكن مجرد شخصية مسلية، بل كانت أقرب إلى “نبوءة فنية” مبكّرة عن عالم صارت فيه العلاقة بين الإنسان والآلة جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
تربّى جيلنا على برامج تربوية وثقافية كانت تجمع بين المتعة والفن والمعرفة والقيم الإنسانية. من “افتح يا سمسم” الذي بنى وعياً لغوياً واجتماعياً، إلى “المناهل” كإنتاج أردني مميز، و”مدينة القواعد” التي حوّلت قواعد اللغة العربية إلى مغامرة مسلية، وصولاً إلى “اسألوا لبيبة” التي جمعت الخيال العلمي بالبعد التربوي، فقد كانت هذه الأعمال تصنع طفلاً واعياً، قادراً على التمييز بين الخير والشر، وحاملاً مثلاً أعلى للأبطال. في تلك الفترة، كان النموذج البصري والأخلاقي في المسلسلات الكرتونية واضحاً، حتى التي ابتعدت عن الجانب العلمي المباشر، كانت إما تروي قصصاً عالمية أو روايات شهيرة أو مضامين جميلة: شخصيات الخير كانت تتّسم بالحكمة والشجاعة، والشر بالدهاء والغرور، وكل مغامرة كانت تحمل درساً تربوياً وعاطفياً.
اليوم، شهد واقع الإعلام الغربي والرقمي تحوّلاً جذرياً، فالمسلسلات والبرامج التي تصنعها المنصّات الكبرى غالباً ما تركّز على السرعة والتكرار والألوان الصاخبة، على حساب القيم الإنسانية والخيال المبدع. وفي أحيانٍ كثيرة، أُصاب بالدهشة عندما أطّلع إلى بعض برامج الأطفال الجديدة؛ أبطال بلا وجوه، فراغ في مسألة القيم والأخلاق، لا مضامين ولا معاني حقيقية. حتى الإنتاج العربي للأطفال يكاد يختفي هو الآخر تماماً، فلا تجد أي بصمة أو برنامج نوعي له، بعدما كان يتميّز خلال تلك العقود ببرامج رائعة؛ ويترجم ما هو مفيد من برامج، وينمّي خيالاً خصباً بالقيم والجمال والخير لدى جيل الأطفال.
صار الفضاء الثقافي الغربي الذي يهيمن، كالعادة، على الإنتاج العالمي، محكوماً، إلى حد بعيد، بمنطق السوق: الجاذبية اللحظية، وصناعة محتوى يستجيب لاستهلاك قصير المدى، والمنصّات الرقمية (يوتيوب ونتفليكس للأطفال وتيك توك) صمّمت خوارزمياتها لإبقاء الطفل مشدوداً إلى الشاشة، لا لبناء خياله أو شخصيته. ليست هذه مسألة إعلامية فحسب، بل هي تحوّل فلسفي عميق، من النظر إلى الطفل باعتباره مستقبلاً ينبغي تكوينه إلى النظر إليه كـ”مستهلك صغير” يستثمر في انتباهه، ويُتلَاعب بعواطفه لتحقيق أكبر قدر من الأرباح المالية، ما أدّى إلى انهيار كامل في الأبعاد التربوية والأخلاقية والإنسانية لصالح التجارة والربح، في عالمٍ يعجّ بالأزمات الأخلاقية والقيمية والهوياتية.
قد يكون عالم الاجتماع الكندي، آلان دونو، في كتابه “نظام التفاهة”، أفضل من يصف هذا التحوّل بأنه سيطرة للتفاهة على كل مجالات الحياة، بما في ذلك الإعلام والفن؛ إذ يرى دونو أنّ التفاهة أصبحت معياراً يُكافأ عليه، بينما يُهمّش الجهد الفكري والعمق الثقافي، وقد أشار إلى أن الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، التي كانت تُعدّ مراكز للإبداع والتفكير النقدي، أصبحت تُنتج “أشباه خبراء” يفتقرون إلى العمق الفكري، ما يعكس تحولاً في مفهوم العمل من الحرفة التي تتطلب شغفاً وإبداعاً إلى وظيفة تُؤدى من دون روح أو إبداع.
في هذا السياق، يصبح السؤال الأساسي: كيف يمكن أن نحمي ثقافة الجيل الجديد ونطوّرها في زمن الذكاء الاصطناعي؟ الجواب يكمن في إعادة الاعتبار للفن والثقافة كـ “مصانع الجيل”، التي تصنع الوعي والهويات والقيم، لا مجرّد استهلاك الصور والأصوات. علينا أن نستثمر التقنيات الحديثة لتوسيع خيال الطفل، وأن نصنع محتوى عربياً أو عالمياً يدمج المتعة بالمعرفة والقيم الإنسانية، بحيث يكون الطفل شريكاً في البناء، لا مجرّد متلقٍّ سلبي.
“اسألوا لبيبة” كان نموذجاً رائعاً لقدرة الفن على أن يفتح بوابة الخيال والمعرفة، ويزرع في الطفل إحساساً بالمسؤولية الأخلاقية تجاه العالم. واليوم، في ظل التراجع الكبير في الإنتاج التربوي العربي والغربي الموجّه إلى الأطفال، تصبح الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى، إلى مشروع ثقافي – إعلامي جديد، يعيد الاعتبار للإعلام التربوي، ويمنح الأطفال أدوات الخيال، والتمييز بين الخير والشر، والحس القيمي، حتى لا تصبح طفولتهم مجرّد مساحة للاستهلاك والتفاهة، بل بداية لبناء إنسان قادر على مواجهة المستقبل بوعي وقيم وهوية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





