عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
في لحظة إقليمية مضطربة وتحت ضغوط داخلية متصاعدة، اجتمع في دمشق ثلاثي غير معتاد — سوريا، الأردن، والولايات المتحدة — ليعلنوا عن خريطة طريق تهدف إلى إنهاء التوترات المتصاعدة في الجنوب السوري، لا سيما محافظة السويداء. اللقاء، الذي جمع وزير الخارجية السوري مع نظيره الأردني والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، يعكس تحولاً لافتاً في مقاربة الأزمة السورية، ويفتح الباب أمام احتمالات جديدة لمسار المصالحة وإعادة الاستقرار في المناطق الجنوبية من البلاد.
السويداء، ذات الغالبية الدرزية، كانت قد شهدت خلال الأشهر الماضية مواجهات دامية بين مجموعات محلية مختلفة، أدت إلى سقوط مئات القتلى وخلّفت توتراً اجتماعياً وأمنياً عميقاً. ورغم محاولات سابقة لاحتواء التوتر، فإن غياب خارطة سياسية واضحة للحل، إلى جانب تدخلات خارجية ومطالب محلية متباينة، جعل من الأزمة حالة معقدة وعصيّة على التهدئة.
اليوم، تُطرح “خريطة طريق” جديدة كإطار سياسي وأمني يتضمن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية والطبية، وتعويض المتضررين، إضافة إلى إطلاق مسار للمصالحة الداخلية بمشاركة مختلف مكونات المجتمع المحلي.
الموقف الأردني جاء ليؤكد مجدداً أن استقرار الجنوب السوري لم يعد مسألة محلية، بل هو امتداد مباشر لأمن المملكة الأردنية. عمان، التي لطالما نظرت بقلق إلى ما يجري عبر حدودها الشمالية، ترى في تهدئة السويداء فرصة لإعادة ضبط الإيقاع الأمني الإقليمي، ومنع أي فراغ قد تستغله جماعات متطرفة أو ميليشيات مسلحة.
الوزير الأردني شدد على رفض بلاده القاطع لأي مشاريع لتقسيم سوريا، وعلى أهمية وحدة البلاد كضمانة لاستقرار المنطقة ككل. كما كرر دعوة الأردن لوقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، معتبراً أن الحل في سوريا يجب أن يكون سورياً–عربياً في الأساس.
المفاجأة الأكبر في هذا التطور جاءت من الموقف الأميركي. فبعد سنوات من العقوبات والقطيعة الدبلوماسية، جاءت تصريحات المبعوث الأميركي لتُظهر استعداداً واضحاً للتعاون مع دمشق في إطار خطة استقرار محلية. اللافت أيضاً هو الحديث عن تخفيف العقوبات، وتوجيه رسائل دعم لإعادة الإعمار باستخدام الموارد الذاتية.
ربما تعكس هذه اللهجة الأميركية “الناعمة” تحوّلاً في المقاربة تجاه الأزمة السورية، مدفوعاً بعوامل عدة، منها الانشغال الأميركي بملفات دولية أكثر سخونة، والتقاطع مع مصالح حلفاء إقليميين مثل الأردن، فضلاً عن القلق المتزايد من تمدد النفوذ الإيراني والروسي في الجنوب السوري.
رغم ما تحمله من مؤشرات إيجابية، تبقى خريطة الطريق الجديدة مجرّد إطار سياسي لا يمكن الحكم على فاعليته دون تطبيق عملي على الأرض. تحديات عدة تقف في وجه نجاح هذه المبادرة، منها عمق الانقسام المحلي في السويداء، وتاريخ طويل من انعدام الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي، بالإضافة إلى تداخل ملفات أمنية وعشائرية يصعب فكّ تشابكها بسهولة.
كما أن غياب ضمانات دولية أو إشراف أممي واضح على تنفيذ المبادرة قد يُبقيها عرضة للتأجيل أو الفشل،مثل كثير من المبادرات التي انهارت بسبب غياب المتابعة، أو تقاطع الأجندات الإقليمية والدولية داخل الملف السوري. فما بين الدور الإيراني المتجذر، والنفوذ الروسي المتوسع، والتدخلات الإسرائيلية المتكررة، تبدو فرص المناورة أمام دمشق محدودة، ما لم تُرفق هذه المبادرة بخطة أوسع لاستعادة السيادة على القرار الوطني.
لكن مع ذلك، فإن طرح مثل هذه الخريطة، بدعم دولي وإقليمي، يبعث على بعض الأمل في أن يكون هناك إدراك متزايد بأن المعالجة الأمنية وحدها لم تعد كافية، وأن الإصغاء لصوت المجتمعات المحلية بات ضرورة وليس ترفاً.
ما يجري في الجنوب السوري قد لا يعيد تشكيل خريطة البلاد السياسية فوراً، لكنه يقدم نموذجاً لمقاربة قد تكون أكثر فاعلية في التعامل مع الأزمات المزمنة في سوريا. خريطة الطريق المعلنة ليست ضمانة، لكنها خطوة. وإذا ما توفرت لها الإرادة الحقيقية، والمتابعة الجدية، فقد تكون بداية لمسار جديد نحو التهدئة، وربما إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها في مرحلة ما بعد الحرب.
ويبقى السؤال الأهم: هل ما زال في سوريا من يملك رفاهية الانتظار أكثر؟





