إدريس عدار
سيبقى اسمه أبو محمد الجولاني حتى لو ارتقى منصة الأمم المتحدة ليخاطب العالم. الاسم الذي تغيّر على مقربة من تمكين هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة، فرع تنظيم القاعدة بسوريا) من السلطة بدمشق لن يخفي تاريخا من القتل.
لقد اعترف الجولاني نفسه بالجرائم التي ارتكبها في حق السوريين واللبنانيين والعراقيين. لم يخفيها كما يحاول “الجولانيون” فعله اليوم. قال بنفسه إن ذلك من أعمال الشباب.
يطالبون اليوم بمحاسبة أركان “سوريا الأسد” لكن يريدون “تصفير” التاريخ الإجرامي للجولاني.
أصبحت مشاركته في الدورة الحالية للجمعية العمومية للأمم المتحدة قصة وانتصارا. نقرأ يوميا من يكتب: أول مرة منذ 1967 يشارك رئيس سوري في مثل هذا اللقاء. ليس مهما المشاركة ولكن المهم أن تقول كلمة تبقى خالدة. ماذا سيقول بعد أن قال إن إسرائيل أعلنت علينا الحرب لكن اقتربنا من إبرام اتفاقية أمنية معها؟
المشاركة في الأمم المتحدة بتأشيرة مستخرجة من قنصلية أمريكية من خارج سوريا لن يمحو سجل الجرائم الإرهابية. فكثير من القتلة والمجرمين يشاركون في هذه الملتقى وعلى رأسهم نتنياهو.
غير أن مشاركة الجولاني لها نكهة خاصة. في 22 شتنبر من السنة الماضية، أي قبل سنة بالتمام والكمال، لو دخل أمريكا لتم اعتقاله. حسب الظاهر طبعا لأن واشنطن كانت قد خصصت 10 آلاف دولار لمن يدلي بمعلومات عنه. والخارجية الأمريكية كانت تصنف هيئة تحرير الشام باعتبارها منظمة إرهابية.
هذا “الظاهر”، الذي انتقل من مقاتل في صفوف تنظيم القاعدة بالعراق، بقيادة الزرقاوي، مرورا ببيعة أبو بكر البغدادي، فتأسيس تنظيم مستقل، تم التمكين الدولي ليصبح رئيسا لسوريا لفترة انتقالية الأطول في التاريخ، يخفي تحته جوهرا تكشف عنه اعترافات كثير من صُنّاع الثورة السورية.
الإرهابي المطلوب أمريكيا هو نفسه المعتمد أمريكيا لتحقيق المشروع الذي تم التخطيط له منذ تسعينات القرن الماضي.
في كتابه مكان تحت الشمس، الصادر سنة 1993، يقول نتنياهو إنه لابد من تركيز الحدود الأمنية لإسرائيل، معترفا بأن اتفاقية كامب ديفيد مكنت من ذلك، لأنها منحت الكيان المؤقت من مائتي كيلومتر بعدا عن الجيش المصري وهي مساحة كافية لاتخاذ أية احتياطات في حالة قررت مصر هجوما على إسرائيل، وبالتالي لابد من حدود أمنية مع سوريا تضمن بقاء الجولان تحت سيطرة الكيان والقدرة على مراقبة الجيش السوري في حالة تحرك للهجوم، وهو ما تحقق اليوم مع وصول الجولاني إلى الحكم.
ما طرحه نتنياهو في كتابه هو ما جاء في وثيقة مجموعة من الخبراء الأمريكيين، التي تم إنجازها من قبل مفكرين وخبراء من المحافظين الجدد بطلب من نتنياهو، سنة 1996، والتي طالبت بتغيير النظام في سوريا، وهو ما تم التأكيد في وثيقة القرن الأمريكي سنة 2001، التي تركت الباب مواربا بين تغيير النظام وتغيير سلوكه، عبر قطع علاقته مع إيران والمقاومة. وهو ما سعى إليه كولن بأول، وبعد الفشل صدر قرار الكونغرس الأمريكي بمعاقبة سوريا.
وسنة 2012 أصدر العقل النظري الأمريكي زبيغينو بريجينسكي كتابه رؤية استراتيجية، وتحدث فيه عن سوريا، واعتبرها عنصرا معرقلا للمشروع الأمريكي.
ولهذا نعيد التأكيد على أن ما جرى هو مخطط بعيد عن أي معنى للثورة. واليوم التقى الجنرال باترسون بتلميذه الجولاني، الذي أصبح يحمل لقب رئيس دولة.
كانت هيلاري كلينتون قالت في مذكراتها إن أمريكا هي التي صنعت جبهة النصرة عن طريق الجنرال باتيرسون، وقال إدوارد سنودن في تسريباته إن الجولاني على علاقة كبيرة بالمخابرات الأمريكية منذ كان في العراق، جاء اليوم الدور على جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا، وهو من أشد أعداء محور المقاو/مة ومن أكبر مناصري إسرائيل، حيث قال في حوار مع قناة عربية “نعرف الشرع منذ أن كان اسمه الـجـولانـي وحميناه من الأسد”.
وأردف قائلا “علاقتنا مع الشرع قديمة. تعود إلى أيام كان يُعرف فيها باسم الـجـولانـي”.
وقال روبيرت فورد، السفير الأمريكي السابق في سوريا، خلال إلقاء محاضرة بدعوة من مجلس العلاقات الخارجية في بالتيمور بتاريخ 1 ماي 2025 :”كنتُ أحد الذين دربوا الجولاني لاستلام السلطة في دمشق بطلب من بريطانيا” موضحا أنه “تم اللقاء والتدريب في ادلب عام 2020 وعام 2023 “.
وأضاف “تم اختيار هيئة تحرير الشام لاستلام السلطة بقرار اممي ودولي بعد وصول المفاوضات مع نظام الأسد لطريق مسدود ، لأنها أكثر الجهات تنظيماً في سوريا ، وكانوا ينتظرون الوقت المناسب لنزع السلطة من الأسد ، وكانت فرق تدريب الجولاني متكونة من سفراء وخبراء استيراتيجين وضباط من المخابرات البريطانية والمخابرات الأمريكية”.
الجولاني، الذي انتقل بين الجماعات الإرهابية ذهابا وإيابا، والمتورط في مقاتل كثيرة باعترافه شخصيا، ناسبا ذلك إلى شقاوة الشباب لا إلى نزوعاته الإرهابية الدموية، لم يكن هو وتنظيمه منخرطا في الحراك السوري لا قبل تسليحه ولا بعد تسليحه، ولم يكن هدفه إسقاط النظام ولكن إقامة دولة الشريعة. عملت البروباغندا على صناعة وجه آخر وتقديمه للجمهور، الذي استهلكه بسهولة.
وللجولاني صولات وجولات في الذبح وشعاره بـ”الذبح جئناكم”. فبعد أن درس سنتين في كلية الطب بدمشق، وهي بالمناسبة من أفضل الكليات درس فيها كثير من الأطباء العرب، أراد تغيير مساره، لكن ليس مهنيا، حيث توجه إلى العراق سنة 2003 وانضم إلى فرع تنظيم القاعدة بقيادة الأردني أبي مصعب الزرقاوي، وبسرعة أصعب من أقرب المقربين لزعيم التنظيم، وبعد مقتل الزرقاوي انتقل إلى لبنان لدعم تنظيم “جند الشام”، عاد بعدها إلى العراق واعتقل من قبل القوات الأمريكية تم أفرج عنه لأسباب غير مفهومة، واستأنف نشاطه حيث انضم إلى تنظيم دولة العراق الإسلامية بزعامة أبي بكر البغدادي، الذي سيؤسس بعد الهجوم على سوريا دولة الإسلام في العراق والشام (داعش).
بعد اندلاع الحرب في سوريا انفصل عن البغدادي وعاد إلى تنظيم القاعدة، لكن هذه المرة مؤسسا لفرعها بسوريا تحت اسم جبهة النصرة. وفي 2015 شن هجوما عنيفا على القرى العلوية.
وفي إطار عملية التدوير أعلن سنة 2016 الانفصال عن القاعدة وتأسيس جماعة جبهة فتح الشام. التي سيتم حلها 2017 وتأسيس جبهة أوسع “هيئة تحرير الشام”.
وكان الجولاني حتى في الاجتماعات مع قادة الفصائل الأخرى لا يكشف عن وجهه.
كشف ضابط المخابرات الأميركية السابق إدوارد سنودن عن وثيقة خطيرة تعود إلى سنة 2004 تفيد أن المخابرات المركزية الأمريكية هي التي استولدت المنظمة الإرهابية الجديدة جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام فيما بعد سلطة دمشق حاليا)، بقيادة ابو محمد الجولاني، من رحم تنظيم “القاعدة” لتحلّ محلّها وتكون قادرة على جلب المتطرفين من جميع أنحاء العالم وتجميعهم في الشرق الأوسط في عملية سميت بعش الدبابير لزعزعة استقرار الدول العربية بعد أن وضعت الولايات المتحدة يدها على العراق سنة 2003
وجاء في تسريبات سنودن “اجتمع في لندن يوم 19 فبراير 2004 مدراء المخابرات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية في قصر أحد الأمراء العرب جنوب لندن لمدة ثلاثة أيام، وتقرّر أن يكون العمل ذا شقين: أولا، تأسيس التنظيم المتطرّف وثانيا، القضاء التام على حزب الله اللبناني وقد اختاروا أبا مصعب الزرقاوي الذي كان معتقلا في الأردن، الذي أطلق سراحه وخضع لفترة تدريب في أحد معسكرات المخابرات المركزية الأمريكية في إحدى الدول العربية ، ثم نقل إلى الأنبار العراقية ، ومن هناك انطلق في تأسيس التنظيم الجديد “الدولة الإسلامية في العراق والتي اضيف إليها بعد ذلك والشام ” تحت إشراف العقيد في المخابرات البريطانية مايكل أريسون الذي يجيد العربية بكل طلاقة، ويتحدّث بلهجة فلسطينية كأنه أحد أبناء فلسطين”.
وأضاف سنودن “وقد حُوّل للتنظيم في بداية الأمر 860 مليون دولار، وكانت الأموال تنقل إلى الزرقاوي بالشاحنات، ليقوم بإرسال المتدربين إلى معسكر مراد ناظملي في غازي عنتاب بتركيا كي يعمل على تدمير المقاومة المسلحة العراقية التي كانت قد بدأت ضد القوات الأميركية .”
وبعد أن اتسع نفوذ الزرقاوي في عدد من المناطق وخصوصا الموصل وتكريت والأنبار وديالي، بدأ يتمرّد على قائده العقيد مايكل أريسون، مما اضطره إلى التخلص منه وقتله في بعقوبة في 7 يونيو 2006.
وقام بتسليم التنظيم لإبراهيم البدري المكنى بأبي بكر البغدادي الذي كان في سجن بوكا في بغداد، وأوضحت برقيات سنودن المسربة أنه تم نقل البغدادي إلى إسرائيل بواسطة طائرة أمريكية، وهناك تعرض لتدريب مكثف عسكري واستخباراتي تم عاد للعراق فقام بتحريض أبناء العشائر السنية بحجة التهميش، تم قتال الأمريكان والروافض، وأنفق عليهم أموالا كثيرة، وتبين أن زعمه قتال الاحتلال والروافض لم يكن إلا دريعة لقتل الشيعة.
وبعد هزيمة إسرائيل في حرب حزيران 2006 في لبنان، خططت أمريكا وإسرائيل لتجفيف منابع الحزب، وفي هذا الصدد نقل سنودن أنه في 2007 تم استدعاء البغدادي إلى تركيا، وتم نقله إلى تل أبيب في طائرة خاصة، وكان الغرض هو أن يطلب منه تجنيد أبناء السنة من السعودية واليمن والمغرب الكبير وفرنسا وبريطانيا ودول أخرى، إذ تم فتح مركز في غازي عنتاب، وتم تكليف أشرف ريفي ووسام الحس21ن من الأمن الداخلي اللبناني بنقل الأسلحة إلى القرى السورية، التي توجد فيها حاضنة للإخوان المسلمين.
وما إن بدأت الانتفاضة في درعا حتى كان هناك 17 ألف مقاتل جاهزين مدربين في معسكرات تركيا وبعض الدول العربية، وتم تخصيص كل مقاتل بمبلغ مالي قدره 750 دولار شهريا.
وحسب تسريبات سنودن فقد كان الهدف هو أن تكون سورية محطة يجتمع فيها كافة المتطرفين الإسلاميين في العالم، إذ تم توريد الإرهابين من 78 دولة من العالم، وبلغ عدد المقاتلين حوالي 150 ألفا وهناك تقارير أخرى تقول 300 ألف مقاتل، وتم صرف 107 مليارات دولار من الدول العربية، وهذا قبل تسريبات سنودن، والأرقام أصبحت فلكية بعد ذلك.
هذا المسار يراد له أن يطوى بخطاب في الأمم المتحدة، حتى لو كان ثمن التأشيرة والوقوف بالمنصة هو اتفاقية أمنية يتم من خلالها التخلي عن الجولان، ولو تحت عناوين مموهة، ومنح إسرائيل “الحدود الآمنة” بتعبير نتنياهو.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





