إصدار جديد للمنتدى الأوربي للوسطية-بلجيكا/كتاب: الإلحاد والغيب ..دراسة نقدية في الفكر العربي المعاصر،طبعة جديدة منقحة ومزيدة
تأليف: د.عبد الرحمن أبو المجد/رئيس قسم الدراسات الإسلامية، في الجامعة الإسلامية بمنيسوتا-أمريكا،
تقديم: أ.د نزيهة امعاريج/جامعة محمد الأول -وجدة-رئيسة لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمي)
تصدير: د.علال الزهواني/(المنتدى الأوربي للوسطية-بلجيكا،
باحث في العلوم الشرعية وقضايا الاجتهاد والتجديد-مختبر الحوار الحضاري والتكامل المعرفي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية -جامعة محمد الأول -وجدة)
دار النشر: الدار المغربية للنشر والتوزيع- المغرب بتعاون مع دار الكلمة -مصر
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
فاطمة الزهرة السباعي/مسؤولة الإنتاج العلمي بالمنتدى الأوربي للوسطية-بلجيكا
———————————————-
مقدمة الطبعة الثانية لكتاب الإلحاد والغيب… (أ.د نزيهة امعاريج، جامعة محمد الأول -وجدة-رئيسة لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمي))
من أهم القضايا الحضارية في التاريخ الإنساني الطويل، جدلية الحاجة إلى الدين من عدمها، لمَّا أن أحوال الأفراد وواقع المجتمعات يؤكد أن الدين حقيقة ثابتة لا يمكن إنكارها ، وأن :” فكرة التدين فكرة مشاعة لم تخل منها أمة من الأمم في القديم والحديث …وأن التدين نزعة أصلية مشتركة بين الناس” ، وهذا الوا قع هو الذي عبر عنه الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون بقوله :” لقد وُجِدت وتُوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكنه لم توجد قط جماعات بغير ديانة “، ومع الجزم بهذه الحقائق فقد وجد من يشكك في وجود الدين و أهميته في حياة الإنسان و مسار المجتمع.
وبسبب حضور الدين بتجلياته المختلفة في التجمعات الإنسانية من جهة – معابد ، كنائس ، مساجد -، و الميل الجبلي لدى الإنسان إلى التدين من جهة أخرى، حتى قيل إن الإنسان :” متدين بفطرته”، صار التدين، أمر مقرر ومسلم به.
و مع الاعتراف الحاصل بمحورية الدين في سلك النظام الاجتماعي للأمم والشعوب، و التسليم بقوة سلطته على النفوس، فإن من تنبؤات بعض علماء الاجتماع في الغرب منذ الفكر الاجتماعي مع ايمانويل كونت وإيميل دوركايم وكارل ماركس، زوال الدين، وإلغاء تأثيره في المجتمعات، وتراجعه لصالح العلوم، مما أصبح يشكل تحديا كبيرا و اشكالا حقيقيا يحتاج إلى بيان وتفسير .
فإذا كان الواقع يشهد على استمرار الدين وبقائه حيا في النفوس والمجتمعات مع عدم غياب وظيفته، فإننا في مقابل ذلك نلاحظ التنامي الملحوظ لظاهر الإلحاد التي تُعْلن رفض الدين و تتدعي الاستغناء عن دوره.
فكيف يمكن الجمع بين هذه المتضادات ؟ الميل الفطري للإنسان إلى التدين و أهمية الدين في بناء المجتمعات، وبين الادعاءات القائلة بالاستغناء عنه ؟
فهل ما يعرفه تدين الأفراد من تراجع وخُفوت هي علامات وأمارات على نهاية الدين و إيذان بصعود ظاهرة الإلحاد ؟
وهل ما تعرفه الإنسانية من تحولات في المواقف من الدين يؤكد نظرية انقراض الدين، باعتباره قد ارتبط بمجتمعات تقليدية أصبحت متجاوزة؟
بماذا يفسر إعادة فتح النقاش في موضوع جدلية الدين والإلحاد في هذه الظرفية من تاريخ الإنسانية ؟
وهل وجود الإلحاد حقيقة ثابتة أم هي مسألة مفتعلة لها أبعادها السياسية و الاجتماعية كما سطرها صناع الحضارة الحديثة ؟
هل النزوع إلى الإلحاد – في حالة التسليم بوجوده – هو نزوع فردي ذاتي تلقائي، أم هو عامل جديد يراهن عليه في مخططات نظام عالمي جديد تُستهدف به الشعوب الضعيفة لتدمير رأس مالها البشري بعد الاستنزاف البشع لرأس مالها المادي خلال القرنين الأخيرين ؟
ما طبيعة العلاقة بين الإلحاد التقليدي والإلحاد الجديد؟
هل الإلحاد الجديد هو استمرار لمفهوم الإلحاد الكلاسيكي الذي يعني في أبسط معانيه عدم الإيمان بوجود الإله الحق؟ أم أنه نسخة مركبة من اختيارات مذهبية موَجَّهة بأنساق فلسفية معينة في إطار مشروع كبير تتقاطع فيه مجموعة من المخططات، غايتها الإعلان عن موت الإنسان و الأديان بعد أن تم الإعلان عن موت الإله؟
بماذا يفسر تزامن صعود موجة الإلحاد مع دعوات الثورة على مؤسسة الأسرة و المطالبة بالتمكين للشواذ واغتيال الفطرة الإنسانية السليمة في المجتمعات الإنسانية ؟
و أخيرا وليس آخرا هل الحالة التي يُعبر عنها بالإلحاد هي حالة عداء حقيقي لجوهر الدين ؟ أم هي حالات نفسية وهمية ومواقف اجتماعية من تنزيل الدين ؟
وأمام موجة الإلحاد التي يعرفها العالم يأتي كتاب :” الإلحاد والغيب دراسة نقدية في الفكر العربي المعاصر ” لكاتبه الدكتور عبد الرحمن أبو المجد حفظه الله، للكشف عن حقائق علمية وتاريخية ترتبط بهذا المسألة الخطيرة، وبعد تصدير مُقَدَّر عن قيمة الحوار في التصورات الفكرية و الأنساق الفلسفية وأثرها على الواقع الاجتماعي والتربوي، والتمييز بين أنواع الحوار، تم وضع حد للألحاد وعرض معانيه، و بيان علاقة الإلحاد بالتمذهب، ثم ذكر أصناف الملحدين، فالعلاقة بين الإلحاد المحلي والعالمي، مع رصد للدراسات السابقة عن الإلحاد.
ولأن الإلحاد مداره على التشكيك في الغيب و التنكر لقضاياه بخاصة، فقد عرج الكتاب في الفصل الأول على حقيقة الغيب في الفكر الإسلامي والفروق بينها وبين السمعيات، ثم معنى الغيب في الأصول الإسلامية : كتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم ، ليعود الكتاب بعد ذلك في الفصل الثاني لمناقشة موضوع الإلحاد بين الفكر العربي المعاصر والفكر الوافد والمناهج المعتمدة في ذلك، ويختتم الكتاب في فصله الثالث بعملية رصد تكشف عن التناقض الحاصل بين مظاهر الإلحاد مع نقض هذه المسألة من خلال مناهج مختلفة .
والكتاب الذي تقدمه به فضيلة الدكتور عبد الرحمن أبو المجد عمدة في بابه، وهو واجب الوقت الذي ينبغي أن تكثف من أجل البحوث بمقاربات علمية مختلفة، ومداخل بحثية متنوعة، يسهم من خلالها الباحثون في تقديم إجابات علمية، وبلورة رؤى فلسفية جادة، لتفكيك شفرات أخطبوط جديد يخطط من خلاله إفساد الفطرة الإنسانية و تدمير سنن التجمع البشري القائمة على الشرائع والأديان.
ولأجل ذلك كله نثمن المجهود القيم الذي قام به فضيلة الدكتور عبد الرحمن أبو المجد ونسأل الله له التوفيق والسداد في أعمال علمية قادمة تفيد الإنسانية وتنير طرقها وترشدها في تيهها الجديد.
والله ولي التوفيق.
الدكتورة نزيهة امعاريج
——————————————–
مقدمة الطبعة الأولى لكتاب الإلحاد والغيب (أ.د خالد التوزاني/أستاذ التعليم العالي ،رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي ــــ مساق)
أعلنت العديد من الظواهر السلبية في المجتمعات العربية والإسلامية، وعلى رأسها تيار الإلحاد، عن وجودها علانية، بعدما ظلت لقروٍن من المحظورات، إذ لم يكن مسموحًا الحديث عنها، ولا حتى التحذير من انتشارها خصوصًا بين أوساط الشباب والمراهقين، لأنَّ المجتمع برمته ينكر وجود تلك الظواهر، ولأنها كانت تُمارس في السّر والخفاء، وكأن أصحابها كانوا على قدر من الحياء، والشعور بأن ما يقومون به مُنكر وعيبٍ لا ينبغي أن يجهروا به، أو يعلنوه أمام الملأ. حتى صار المجتمع في وقتنا الحالي يفخر بارتكاب أبشع الجرائم وأسوأ الانحرافات، ويتباهى بالخداع والاحتيال والغش، ويراه ذكاءً وتفنّناً في جلب المنافع والإفلات من العقاب، ولو كان على حساب الإضرار بالآخر أو الإساءة إلى ثوابت الأمة التي ينتمي إليها، وهذا يعني أننا أمام تحولات جذرية يشهدها العالم العربي والإسلامي، تشمل أساسًا طرق التفكير والعقليات، وكيف انهزمت بعض القيم التقليدية، أمام زحف القيم المستوردة من الثقافات المعاصرة، وخاصة تلك القيم القادمة من الغرب الذي تحرّر من سلطة الدين وعزله في أماكن العبادة وجرّده عن التأثير في الحياة العامة وتوجيه سلوك الأفراد.
لقد جاهر كثير من المفكرين والأدباء بإلحادهم، ومنهم الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي، وفي مصر الأربعينيات من القرن العشرين، نشر الدكتور إسماعيل أدهم، كتابه “لماذا أنا ملحد؟”.. وغير هؤلاء كثير، ثم تبعهم جيل من الشباب وصار الإلحاد ظاهرة عامة تنتشر في أوساط مختلفة من الطبقات الاجتماعية على اختلاف مستوياتها الاقتصادية وخاصة بعد الربيع العربي ووصول بعض التيارات الدينية إلى السلطة، تلك التيارات التي لم تنجح في تحقيق النهضة المأمولة فكانت حصيلة عملها مخيّبة للآمال، الشيء الذي جعل كثيرا من الشباب يفقدون الثقة في المشروع السياسي الإسلامي، ومنهم مَن اختار الإلحاد ليس عن قناعة راسخة ولكن تمرّداً وانتقاماً من سلطة دينية عاجزة عن التأثير في المجتمع.
وتعباً للتطورات التي عرفتها المجتمعات العربية والإسلامية في العقود الأخيرة، لا يحتاج المرء إلى عناء كبير، لكي ينتبه إلى ما تحفل به العديد من وسائل الإعلام في العالم العربي والإسلامي، من مفاهيم جديدة لها صلة بقاموس الإلحاد، مثل المبالغة في تمجيد العِلم على حساب الإيمان، وتبخيس أثر العبادات في سلوك المتدينين، بل وحصر الدين في مظاهر شكلية تعزله عن سياق التأثير في الواقع وفي بؤرة الحياة الإنسانية، وحتى بعض المواسم الدينية التي كانت تنتعش فيها الأجواء الروحية وتشهد إقبال الناس عليها مثل موسم الحج وعيد الأضحى وشهر رمضان، صارت أكثر فتوراً، وأقل حضوراً في الوجدان، بسبب التركيز على الجانب المادي وتحويل تلك المواسم إلى فرصة للتسلية والترفيه والرحلات السياحية.. الشيء الذي أسهم في عزل الشعور الديني عن التأثير في الشخصية الإنسانية وفوّت عليها فرصة الارتقاء والسمو بما قد تحقّقه من انتصارات على النفس ونجاح في كبح جماح الشهوات.
ويبدو أن نزع القيم الإيجابية من نفس الملحد، قد أصبحت هدفاً وغايةً في الآن نفسه، نلمسها بوضوح في خطاب الإلحاد، داخل العالم الإسلامي، حيث محاولات إقصاء الضمير ومراقبة الخالق، والتلاعب بالقانون، في سبيل تحقيق الطموحات المادية؛ من نجاح في امتحان، أو بلوغ منصب، أو أداء مهمة معينة، بأيسر الطرق ولو كانت غير مشروعة، إذ لا صوت يعلو على صوت المصلحة الشخصية، وإشباع حاجات الذات والنفس، مما ينذر بكارثة أخلاقية قد تأتي على الأخضر واليابس، ولا تترك طيباً إلا أهلكته، ولا خيراً إلا أحرقته، وهنا نستحضر الحديث الشريف: “عن زينب بنت جحش رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل عليها فزعاً يقول: لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث” .
وهكذا، يتجاوز خطر الإلحاد، الإضرار بصاحبه، إلى تهديد مجتمع برمّته، ويقتضي من باب الوقاية، ودرء الفتنة النائمة، التصدي لهذه الظاهرة بما يلزم من دراسات علمية مستفيضة، وبحوث ميدانية دقيقة، تقف على معالم خطاب العدم، أي الإلحاد، في مختلف صوره وأشكاله وتخومه، وتحوّلاته، وخاصة في منطقةٍ من التواصل الاجتماعي، تتسم بالحركية الدائمة، وبالتفاعل الواسع، ويتعلق الأمر بكثير من مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات المؤثرين ومواقع التيارات اللادينية التي تعمل بالليل والنهار من أجل هدم العقيدة ومحو الإيمان من القلوب.
من هنا، تأتي أهمية كتاب “الإلحاد والغيب: دراسة نقدية في الفكر العربي المعاصر” لمؤلفه الدكتور عبد الرحمن أبو المجد، رئيس قسم الدراسات الإسلامية، الجامعة الإسلامية بمنيسوتا-أمريكا، والذي رصد علاقة الإلحاد بقضايا فكرية معاصرة، تتبع جذورها في التاريخ الإسلامي، وخاصة في القرآن الكريم والسنة النبوية وعند مفكري الإسلام، قبل استحضار تجليات الإلحاد في الفكر العربي المعاصر مركّزاً على قضايا الغيبيات، من حيث الرؤية والمنهج والاستدلال، ليخلص إلى آليات نقض مظاهر الإلحاد وتقويمه، وذلك بمنهج عقلي ومنطقي، وآخر نقلي متواتر، وثالث علمي يُبطل مزاعم الملحدين الجدد، كما اعتمد المؤلف في هذا الكتاب أبعادا حجاجية تروم الرد على جملة من المبررات التي تقف وراء شيوع ظاهرة الإلحاد.
ومما زاد من أهمية الكتاب الذي بين أيدينا، كونه يضم بعض الحوارات العميقة حول الإلحاد، وكيفية جدال الملحدين والرد عليهم وكشف الشبهات، ولذلك يمكن اعتبار هذا الكتاب القيم، بمثابة دليل عملي للباحثين والدارسين والمختصين في التربية والإعلام والتواصل، يفيد في وقاية الطلاب والناشئة من الوقوع في براثن الإلحاد، كما يفيد في علاج الظاهرة بالحوار العقلاني السليم والهادئ وبالأدلة المتنوعة التي تُخاطب العقل والقلب وتأخذ بعين الاعتبار اختلاف مدارك القراء وتفاوت ملكات الفهم والاستنباط ومهارة الحُكم والاختيار، فالإلحاد أحياناً تكون له دوافع مختلفة، لا يرتبط بغياب الأدلة بقدر ما يكون رد فعل انتقامي تجاه بعض الأوضاع أو المواقف من الدين والحياة والأشخاص، وسرعان ما تختفي ظاهرة الإلحاد عندما يحقّق المرء إشباعاً عاطفياً وتقديراً اجتماعياً ووعياً ثقافياً يؤهله للتصالح مع النفس أولاً وقبل كل شيء، لأن الفطرة السليمة ترى الحق حقاً ولا تنكر الدليل على وجود الله، بل قد يتعب الإنسان في البحث عن أدلة الإنكار ولكن الإثبات لا يحتاج لأكثر من الإنصات لصوت الروح في أعماق النفس، والإحساس بنسمات الهواء وهو يدخل صدر الإنسان ثم يخرج مع الزفير ليدل على عظمة الخالق الذي يستحق الحمد والشكر على نعمة الصحة والعافية قبل نعمة الهدى والرشاد وباقي النعم الظاهرة والباطنة.
وختاماً، أتوجه بعبارات الشكر والتقدير والامتنان لمؤلف هذا الكتاب فضيلة الدكتور عبد الرحمن أبو المجد، رئيس قسم الدراسات الإسلامية، في الجامعة الإسلامية بمنيسوتا-أمريكا، على نبل مقاصده في الدفاع عن العقيدة الإسلامية وعلى رأسها الإيمان بالغيب، من خلال التصدي لظاهرة الإلحاد التي تُصادم العقل والنقل وتُعطل النهضة الإسلامية المأمولة، في وقت يحتاج إلى تكاثف جهود كل مكونات المجتمع الإسلامي، من أجل اللحاق بركب التقدم العلمي، الذي لا يعني التخلي عن العقائد بقدر ما يقتضي التسلّح بعقيدة صلبة وإيمانٍ راسخ بالله؛ ذلك الإيمان الذي ينسجم مع الفطرة الإنسانية في بعدها الروحي فيؤهل صاحبه للعمل والإنتاج بهمة ونشاط، ويقين بأنّ الجهد لا يضيع، وأن نفعه يبلغ مدىً يتجاوز الحياة الدنيا إلى ما بعد الموت، فالإيمان بالغيبيات طاقة هائلة وقوة جبارة في مواصلة العمل مهما كانت الظروف والتحديات، الشيء الذي سينعكس إيجاباً على الفرد والمجتمع والأمة.
ولا يفوتني أن أتوجه بعميق الشكر والامتنان أيضاً إلى المنتدى الأوروبي للوسطية – بلجيكا، في شخص رئيسه الأستاذ الدكتور علال الزهواني على رعايته للأعمال العلمية التي تحمل رسائل إنسانية سامية وتدعم القيم الكونية المشتركة، جازاه الله خيرا، وعسى أن يجد القارئ في هذا الكتاب بغيته ومناه، وأن يستفيد منه موضوعاً ومنهجاً، والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم وأن يجعله من العلم الذي يُنتفع به. والحمدُ لله أولاً وأخيراً.
———————————————-
تصدير كتاب الإلحاد والغيب …د.علال الزهواني/ المنتدى الأوربي للوسطية-بلجيكا
باحث في العلوم الشرعية وقضايا الاجتهاد والتجديد-مختبر الحوار الحضاري والتكامل المعرفي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية -جامعة محمد الأول -وجدة
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
تشهد المجتمعات الإسلامية في القرن الواحد والعشرين موجة من الشبهات الفكرية والعقائدية التي تحاك في مواجهة الدين الإسلامي عقيدة وفكرا وسلوكا ، فكان ذلك نتيجة منطقية للثقافة المضادة لرسالة الإسلام، حيث كانت بيئة خصبة لظهور العديد من الفلسفات الملحدة والإيديولوجيات الوضعية التي أثرت في الميدان التربوي والثقافي والفكري بشكل واضح، وأفرزت بذلك جملة من التحديات والظواهر..ومن أبرزها التحديات العقدية التي أنتجت ظواهر فكرية مخالفة للفكر الإسلامي ، كتحدي الإلحاد الجديد حيث برز كظاهرة حقيقية أخذت شيوعها الكمي والكيفي على مستوى العالم العربي والإسلامي بشكل عام والغربي بشكل خاص، فبرزت لهذه الظاهرة أساليب ووسائل تعليمية خاصة في توصيل الفكر الإلحادي للمراحل العمرية كافة .
وقد استخدم مصطلح الإلحاد الجديد أول مرة في مجلة شبكة المعلومات سنة 2006 ، فلاقت الكتب التي تناولت مفهوم هذا المصطلح رواجا كبيرا في العالم الغربي والعربي، حيث وجد فيها الإعلام مادة ثرية، بالرغم من تواضع ما طرح من الحجج ، فهاجمت هذه الكتابات جميع الديانات السماوية والوضعية باختلاف الأماكن والأزمان خاصة الدين الإسلامي . وتعد ظاهرة الإلحاد من الظواهر التي كانت تقترن بشكل كبير بالحالة الشيوعية، ففي الوقت الذي تمددت فيه الشيوعية تمددت الظاهرة الإلحادية، إلا أنه في القرن الواحد والعشرين لم تعد المسألة كذلك، فقد أصبح لها استقلاليتها الوجودية وسماتها وشخصياتها، ومؤلفاتها وأساليبها التعليمية والتربوية ووسائلها الداعية لها ، وبالتالي لا تمثل الحالة الاستثنائية في المشهد العقدي، فقد أصبح للملاحدة الجدد وجود كمي وكيفي على الخارطة العقدية البشرية سواء في المجتمعات العربية أو الغربية .
وقد أخذ الإلحاد الجديد صورا وآليات مختلفة في العرض والاقناع والكيفية، واستخدام العملية التعليمية والتربوية ووسائل التواصل الاجتماعي في الترويج له، حيث يعمل على مستويات عدة أهمها المستوى العلمي النظري والأخلاقي والسياسي والتعليمي ، فهذه ظاهرة لم تعد مسألة فردية تخص الأفراد ، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية لها أفكار وسلوكيات تدل على الخصوصية .
يأتي كتاب ” الإلحاد والغيب..دراسة نقدية في الفكر العربي المعاصر” للدكتور عبد الرحمن أبو المجد ضمن كتب المشروع العلمي البحثي للمنتدى الأوربي للوسطية-بلجيكا “الدين والتدين والإلحاد الجديد في المجتمعات الغربية والعربية ” والذي تقوم فكرته العامة في مجملها على التحصين ضد الإلحاد، وذلك من خلال تفعيل نظم المناعة الفكرية والثقافية والمنهاجية عن طريق الدراسة والبحث والمقاربة لأهم الأفكار والمقولات الإلحادية، فالمشروع رسالة لمن يحمل الأفكار الإلحادية في إطار قذف الباطل بالحق ودفع الرأي الفاسد بالحجة، كما يحاول المشروع بناء الحصانة العقدية والفكرية لعامة الناس والشباب بالخصوص الذين يقفون بين مطرقة الإلحاد الجديد المعاصر وبين سندان الإيمان التقليدي الموروث، كما يحاول المشروع الرد على مختلف الشبهات المتخفية التي يطرح الإلحاد وراء مقولات علمية في ظل الثورة المعلوماتية المعاصرة.
وتأتي أهمية كتاب “الإلحاد والغيب: دراسة نقدية في الفكر العربي المعاصر” في رصد مؤلفه الدكتور عبد الرحمن أبو المجد علاقة الإلحاد بالقضايا الفكرية المعاصرة وذلك بتتبع الجذور والأصول في التراث العربي والإسلامي مركزا على قضايا الغيبيات .





