* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
– من القول إلى الرؤيا:
ثمة خطاب سلبي تيئيسي محبط، وكلمات تُقال فتبدو في ظاهرها توصيفًا واقعيًا، لكنها في جوهرها استسلام ناعم للفشل وتوصيف لسطح المشكلة، كمن يضع يديه في جيبه أمام الخراب، ثم يتأمل المشهد كأنه قَدَرٌ لا يُردّ.
من هذا القبيل يأتي القول الشائع على لسان أحدهم: «إقليم طاطا إقليم نائي، وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها».
عبارة كهذه ليست مجرد رأي عابر، بل هي خطاب كامل البنية، يختزل خلفه تصوّرًا للعجز الإنساني، ويحوّل التخلّف إلى مصير، والتهميش إلى طبيعة جغرافيّة، لا إلى نتيجة سياسيّة واجتماعيّة يمكن مساءلتها أو تجاوزها.
– من جغرافيا المكان إلى جغرافيا الوعي:
إنّ النّائي الحقيقي ليس هو المكان، بل في الوعي الذي يسكن المكان.
فالمجتمعات لا تُهمّش بالخرائط، بل بالعقول التي ترسم حدود الممكن والمستحيل.
حين تتحول الجغرافيا إلى شمّاعة، يصبح التفكير في الإصلاح فعلاً عبثيًا، وتصبح إرادة التغيير مجرد ترف فكري. في المقابل، كل تجربة تنمويّة ناجحة في التاريخ كانت ثمرة قلبٍ مؤمن بقدرته على إعادة تعريف الهامش أو المحيط والمركز.
منطقة طاطا؛ كغيرها من الأقاليم البعيدة عن مركز القرار؛ لا تُعاني من بعدها عن العاصمة الرباط؛ بقدر ما تُعاني من بُعد بعض النخب عنها، ومن غياب خيال سياسي قادر على تحويل الصحراء إلى مشروع، والعزلة والفقر والتهميش إلى فرصة في برامج الجيل الجديد للتنمية المندمجة.
– نقد خطاب الاستقالة الجماعيّة من الفعل:
الخطير في مثل هذا الخطاب أنه يُنتج نوعًا من “الاستقالة الجماعيّة” من الفعل العام، حيث يتحول المواطن إلى مراقب ساخط، والمثقف إلى متفرج متعالٍ، والمسؤول إلى مُبرِّرٍ دائمٍ لعجزه.
إنه خطاب يزرع في اللاوعي الجمعي قناعة بأنّ الأقاليم البعيدة كُتِبَ عليها التخلّف الأبدي، وكأنّ التنمية قدر جغرافي لا مشروع إنساني.
وهكذا يُغلق باب الفعل، ويُفتح باب التبرير.
في العمق، هذه الرؤية ليست إلا وجهًا جديدًا للكسل الفكري والسياسي، إذ تُخفي عجزًا عن التحليل الحقيقي لمصادر الفجوة في العدالة الاجتماعية والمجالِيّة والتفاوت التنموي بين مناطق الجبال ومناطق الواحات، والحواضر، وتستبدل البحث العلمي بلغة التنبؤ القدري.
ومن ثَمّ، تتحول المشكلة من مجال السياسات العامة والعموميّة والقطاعيّة، إلى مجال الفلسفة القدريّة، وكأنّنا أمام لاهوتٍ جديد يعيد إنتاج التخلف.
– في إعادة تعريف مفهوم الهامش أو الأطراف:
ليست طاطا منطقة نائيّة إلا بقدر ما نأى عنها خيالنا التنموي. وهنا نستحضر قول الله سبحانه وتعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ.)
فالمكان، أيّ مكان، من المغرب يمكن أن يتحوّل إلى مركز حين يُعاد اكتشافه من زاوية جديدة.
الأقاليم المهمّشة ليست عبئًا على الدولة، بل مخزونها الاستراتيجي الصامت، شرط أن يُعاد بناء العلاقة بين الإنسان والمجال على أساس الإرادة والإبداع، لا على أساس منطق العجز والتكرار.
إنّ بناء الإقليم لا يبدأ بالمشاريع الكبرى فقط، بل بتغيير بنية التفكير المحلي والإقليمي والجهوي: كيف نرى ذواتنا؟ كيف نُعرّف طاطا في خطابنا؟ هل هي “نهاية الخريطة”، أم “بداية الإمكان”؟ في كيف ترافع عن قضاياها ومتطلباتها الاجتماعيّة؟
– نحو أفق جديد:
ما تحتاجه طاطا ليس شفقة رمزيّة، ولا بكائيّات على أطراف الجغرافيا؛ بل تحتاج مشروع وعي جديد يرى في كل حجر إمكانًا، وفي كل عزلة طاقة ممكنة ومتاحة.
فالإقلاع التنموي لا يبدأ من فوق، بل من تحت، من لحظة اقتناع الفرد بأنّ الهامش ليس قدَرًا بل موقفًا، والهامشي هو فقط ما أريد له أن يهمّش.
وعندما يتحوّل اليأس والإحباط إلى مادة فكريّة للمساءلة؛ يصبح الطريق نحو التغيير مفتوحًا، لأنّ المجتمعات لا تنهض حين تُعان، بل حين تُؤمن بذاتها.
– خلاصة تأمليّة:
من السهل بهزّة كتف، كما كما عبر أحدهم؛ أن نُعلن اليأس، ومن الصعب أن نحمله مسئوليّة فكريّة.
فالنخب والمثقف الحقيقيّ، ليس من يُسجّل انكسار الواقع، بل من يفكك لغته ويعيد صياغة إمكانه.
وطاطا اليوم ليست اختبارًا لجغرافيا الجنوب، بل اختبار لذكائنا الجماعي: هل نستطيع أن نرى في الأطراف والبعد فرصة، وفي الصمت نداء، وفي الفقر والتهميش إمكانًا للتجديد؟
ذلك هو السؤال الذي لا يطرحه من يؤمن بالقدر، بل من يؤمن بامكانية إطلاق ممكنات الإنسان.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





