أثار إعلان شركة آبل عن الجيل الجديد من منصة آبل إنتليجنس (Apple Intelligence) ومساعدها الذكي المطوَّر سيري إيه آي (Siri AI) اهتماما واسعا في قطاع التكنولوجيا، لكنه في الوقت نفسه كشف عن حقيقة صادمة لملايين المستخدمين حول العالم، إذ إن أكثر من 1.3 مليار هاتف آيفون لن يتمكن من الاستفادة من النسخة الأكثر تقدما من تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة.
وتكشف هذه الخطوة عن تحول جذري في فلسفة تطوير الهواتف الذكية، حيث لم تعد التحديثات البرمجية وحدها كافية للحصول على الميزات الجديدة، بل أصبح العتاد نفسه عاملا حاسما في تحديد مستقبل الجهاز.
لماذا لا تعمل مزايا الذكاء الاصطناعي على معظم أجهزة آيفون؟
بحسب مذكرة بحثية صادرة عن مؤسسة مورغان ستانلي (Morgan Stanley) ونقلتها وكالة رويترز، فإن أكثر من 850 مليون جهاز آيفون غير قادر على تشغيل استفسارات آبل إنتليجنس الأساسية، بينما يتجاوز عدد الأجهزة غير المؤهلة لاستخدام مزايا سيري المتقدمة 1.3 مليار جهاز. ويعود ذلك إلى متطلبات تقنية صارمة تتعلق بالمعالج والذاكرة العشوائية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محليا على الهاتف.
وتتطلب النسخة الأكثر تطورا من سيري ما لا يقل عن 12 غيغابايتا من الذاكرة الموحدة (Unified Memory)، إضافة إلى معمارية شرائح حديثة قادرة على تنفيذ عمليات الذكاء الاصطناعي المعقدة مباشرة على الجهاز دون الحاجة إلى إرسال البيانات بشكل مستمر إلى الخوادم السحابية.
الذكاء الاصطناعي المحلي.. جوهر إستراتيجية آبل
على عكس العديد من الشركات المنافسة التي تعتمد بشكل كبير على مراكز البيانات السحابية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، اختارت آبل نهجا مختلفا يقوم على تنفيذ جزء كبير من العمليات الحسابية داخل الجهاز نفسه.
هذا التوجه يمنح المستخدمين عدة مزايا تقنية مهمة، منها: حماية الخصوصية عبر إبقاء البيانات الحساسة داخل الهاتف، وتقليل زمن الاستجابة عند تنفيذ الأوامر، واستمرار عمل بعض الوظائف حتى عند ضعف الاتصال بالإنترنت، وتقليل الاعتماد على الخوادم الخارجية.
لكن هذه المزايا تأتي بثمن تقني مرتفع، إذ تتطلب معالجات أكثر قوة وذاكرة أكبر بكثير من تلك الموجودة في معظم أجهزة آيفون القديمة.
معركة الذاكرة.. السبب الحقيقي وراء الاستبعاد
وتشير التحليلات التقنية إلى أن الذاكرة العشوائية أصبحت أحد أهم العوامل المؤثرة في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة. فكلما زاد حجم النموذج اللغوي ازدادت الحاجة إلى مساحة تخزين مؤقتة لمعالجة البيانات وإدارة السياق وفهم الأوامر المعقدة.
ولهذا السبب تحتاج بعض مزايا سيري إيه آي الجديدة إلى 12 غيغابايتا من الذاكرة الموحدة، بينما تحتوي أغلبية أجهزة آيفون المنتشرة عالميا على سعات أقل بكثير.
وتعكس هذه المتطلبات حقيقة جديدة في صناعة الهواتف الذكية، حيث لم يعد الأداء يقاس فقط بسرعة المعالج أو جودة الكاميرا، بل أصبح مرتبطا بقدرة الجهاز على تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محليا.
دور المحركات العصبية في المعادلة
إلى جانب الذاكرة، تعتمد آبل إنتليجنس على ما يعرف بـ “المحرك العصبي” (Neural Engine)، وهو جزء متخصص داخل معالجات آبل مصمم لتنفيذ عمليات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي.
وتستطيع هذه الوحدات معالجة مليارات العمليات في الثانية، لكنها تختلف بشكل كبير بين الأجيال المختلفة من الشرائح، ولذلك فإن الأجهزة الأحدث المزودة بمعالجات متقدمة تمتلك قدرة أعلى على تشغيل النماذج الذكية مقارنة بالأجهزة الأقدم.
ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل الهواتف الذكية، أصبح تطوير هذه المحركات العصبية أحد أهم ميادين المنافسة بين شركات التكنولوجيا العالمية.
سيري الجديدة.. أكثر من مجرد مساعد صوتي
النسخة الجديدة من سيري تمثل أكبر تحديث للمساعد الرقمي منذ سنوات، فبدلا من تنفيذ أوامر بسيطة، أصبحت سيري قادرة على فهم السياق الشخصي للمستخدم والتعامل مع محتوى التطبيقات والشاشة بشكل أكثر ذكاء.
كما تستطيع المزايا الجديدة تحليل الرسائل والبريد الإلكتروني والملاحظات والتقويم لتقديم استجابات أكثر دقة، إضافة إلى التفاعل مع التطبيقات بطريقة أقرب إلى المساعد الشخصي الحقيقي.
وترى آبل أن هذه القدرات ضرورية لمنافسة حلول الذكاء الاصطناعي التي تقدمها شركات مثل أوبن إيه آي وغوغل و أنثروبيك، والتي رفعت توقعات المستخدمين بشأن مستوى التفاعل الذكي مع الأجهزة.
لماذا لا تعتمد آبل بالكامل على السحابة؟
قد يتساءل البعض، لماذا لا تنقل آبل جميع عمليات الذكاء الاصطناعي إلى السحابة حتى تتمكن الأجهزة القديمة من تشغيلها؟
الإجابة تكمن في فلسفة الشركة المتعلقة بالخصوصية والأمان. فقد أكدت آبل مرارا أن حماية بيانات المستخدمين تمثل أولوية إستراتيجية، ولهذا تعتمد على مفهوم “المعالجة على الجهاز” كلما أمكن ذلك.
وعندما تكون الحاجة إلى موارد إضافية، تستخدم الشركة نظاما خاصا يعرف باسم برايفيت كلاود كومبيوت (Private Cloud Compute)، وهو بنية سحابية صممتها آبل لتوفير قدرات معالجة إضافية مع الحفاظ على معايير الخصوصية الصارمة.
لكن حتى مع وجود هذا النظام، ما تزال بعض المزايا الأكثر تقدما تتطلب عتادا حديثا لا يتوافر إلا في أحدث الأجهزة.
هل تدفع آبل المستخدمين إلى الترقية؟
في ذات السياق، يرى محللون أن الذكاء الاصطناعي أصبح المحرك الجديد لدورة استبدال الهواتف الذكية عالميا. وبعد سنوات من التباطؤ في مبيعات الأجهزة بسبب محدودية الفروقات بين الأجيال الجديدة والقديمة، تراهن الشركات على الذكاء الاصطناعي لإقناع المستخدمين بشراء أجهزة أحدث.
لكن مورغان ستانلي حذرت من أن تسويق الأجهزة الجديدة اعتمادا على مزايا برمجية فقط قد يكون تحديا صعبا، خاصة عندما يشعر المستخدمون أن أجهزتهم الحالية ما تزال قادرة على أداء معظم المهام اليومية بكفاءة.
ومع ذلك، فإن استمرار توسع قدرات آبل إنتليجنس قد يؤدي تدريجيا إلى اتساع الفجوة بين الأجهزة المدعومة وغير المدعومة، ما قد يدفع ملايين المستخدمين إلى الترقية خلال السنوات المقبلة.
مستقبل الهواتف في عصر الذكاء الاصطناعي
وتكشف أزمة حرمان 1.3 مليار جهاز آيفون من مزايا الذكاء الاصطناعي المتقدمة عن تحول أعمق في صناعة التكنولوجيا. فالهواتف الذكية لم تعد مجرد أجهزة اتصال أو منصات لتشغيل التطبيقات، بل أصبحت منصات حوسبة تعتمد على نماذج ذكاء اصطناعي متطورة تحتاج إلى قدرات معالجة وذاكرة متزايدة باستمرار.
ومع تطور هذه النماذج، من المتوقع أن تصبح متطلبات العتاد أكثر صرامة، ما سيجعل دورة تحديث الأجهزة أسرع مما كانت عليه في السنوات الماضية. وفي هذا السياق، يبدو أن آبل تراهن على أن مستقبل الهواتف الذكية لن تحدده الكاميرات أو الشاشات فقط، بل قدرة الجهاز على تشغيل الذكاء الاصطناعي بكفاءة وأمان داخل جيب المستخدم.
المصدر: الجزيرة






