د.علال الزهواني/باحث في العلوم الشرعية وقضايا الاجتهاد والتجديد
مختبر الحوار الحضاري والتكامل المعرفي
كلية الآداب والعلوم الإنسانية -جامعة محمد الأول -وجدة
الحمد لله رب العالمين، الواحد الأحد، الفرد الصمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه، وكما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
إن عملية تجديد التراث العربي والإسلامي في المجالات العلمية والمعرفية ستساهم لا محالة في النهضة واليقظة والانعتاق وإعادة بناء الفكر والثقافة وتنمية المجتمعات، مما سيجعله يساهم بفعالية في بناء الحضارة العالمية، وفي هذا السياق بالذات فإن حركة تجديد التراث التربوي وتوظيفه وتأصيل المناهج والنماذج والممارسات البيداغوجية بمنهجية موضوعية وبروح نقدية ومنفتحة، لابد لها أن تتجه اتجاها إيجابيا تقدميا وسليما في قراءة التراث واستلهامه. هذا الاتجاه يرتبط ارتباطا عضويا بالخصوصيات والحاجيات الحقيقية للمجتمعات العربية والإسلامية، ويستلهم التراث الأصيل بعد تخليصه من الشوائب ويستصفي حصيلته الغنية. فهذا الاتجاه بمقدار ما يسعى إلى التأصيل بمقدار ما يعمل على التجديد والانفتاح على نتائج البحث العلمي وكشوفات التكنولوجيا الحديثة، بل يعمل بالأساس على المساهمة الفعلية في الإنتاج والتنظير والإبداع العلمي والتكنولوجي[1].
نتوقف في التراث التربوي الإسلامي عند نظرية الملكات لابن خلدون المؤرخ الكبير (ت1406)، وقد انطلق في إطار التأسيس لهذه النظرية من مبدأين اثنين:
1- إن الإنسان يتميز عن الحيوان بإدراك الكليات، ويلتقي معه في إدراك المحسوسات،
2- إن انتقال التعلمات إلى الإنسان تتم بواسطة مسلكين اثنين:
أ- انتقال الأشكال والصور والوقائع إلى الذهن عبر إدراك العالم الخارجي،
ب- ما يقع في الذهن من مدركات بفعل القوة النظرية التي يمارسها الدماغ عن طريق آلية النفي والاثبات.
يرى ابن خلدون “أن الملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكرره مرة بعد أخرى، حتى ترسخ صورته، وعلى نسبة الأصل تكون الملكة، ونقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم، فالملكة الحاصلة عن الخبر على قدر جودة التعليم وملكة المتعلم في الصناعة، وحصول ملكته ..الملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال لأنّ الفعل يقعُ أولاً وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حالًا، ومعنى الحال أنّها صفة غير راسخة، ثم يزيد التكرار فتكون مَلكة أيّ صفة راسخة.. وإن الحذق في العلم والتّفنّن فيه والاستيلاء عليه إنّما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفنّ المتناول حاصلا “[2].
وقد دعا ثلة من الخبراء التربويين إلى اعتماد نظرية الملكات في المنظومات التعليمية والتربوية في جوانبها النظرية والتطبيقية، إذ حددوا مجموعة من الأسس والأهداف لهذه النظرية تتمثل في النقاط التالية[3]:
1- المساهمة في الإصلاح البيداغوجي لنظام التعليم، وجعله قادرا على مواجهة مختلف الصعوبات والتحديات خاصة على المستوى المنهاجي – الديداكتيكي.
2- تعميم تعليم مندمج وأصيل عالي الجودة، وتبني مبادئ ومفاهيم تربوية تراثية.
3- توظيف مفاهيم وأدوات تدريسية متجددة مما يشجع في المنظومة التربوية، التفاعل بين الموروث الثقافي والتطورات والكشوف التربوية المعاصرة، وذلك بالعمل على :
– دراسة الممارسات والتجارب التربوية في تراثنا وإغنائها وتوظيفها.
– دراسة التجارب التربوية العالمية وتقويمها والاستفادة منها.
– مد الجسور التربوية-التعليمية بين هويتنا الثقافية والمنجزات العالمية المعاصرة .
– ترسيخ لدى المتعلم الهوية التراثية-الأصيلة التي ترفض الاغتراب والاستلاب والتبعية بجميع أشكالها، وخلق الانسجام والتوازن بينها وبين الهوية المنفتحة التي تتميز بالحوار وبالتواصل المعرفي والانخراط في مسيرة الحضارة الكونية.
– المساهمة في الانعتاق من النقل والتقليد، وتفعيل شخصيتنا الأصيلة والمبدعة، سواء كأفراد أو جماعات والمساهمة بفعالية في تقويتها بالتربية البدنية والتربية الفكرية وبترسيخ الاتجاهات الإيجابية المقبولة والقيم الأخلاقية وقيم المواطنة.
– الدعوة في سبيل الرقي بشخصيتنا وقدراتنا المبدعة، من خلال هذا النموذج وغيره، إلى انتفاضة علمية وإلى ربيع تربوي، لفرض إصلاح شامل وعميق لوضعية البحث التربوي والعلمي، حيث تنشأ مبدئيا النماذج وتتبلور الحلول وتنضج النظريات.
– رد الاعتبار للباحثين المحليين ولمخابر البحث الوطنية في الجامعات ومؤسسات التكوين العليا في القطاعين العام والخاص ودعمها بالأموال والوسائل والأطر وبرامج التكوين، حتى نكون في مستوى وضع النماذج واكتشاف النظريات العلمية وابتكار الحلول الملائمة للمشاكل، ليس فقط في قطاع التربية والتعليم بل في جميع القطاعات الحيوية الأخرى من صناعة وفلاحة وصحة وتغذية وثقافة وتكنولوجيا ونقل وإعلام وتشييد البنيات التحتية إلخ.
– الدعوة إلى تأصيل الأنشطة التربوية وغيرها وتحريرها من مختلف أشكال التبعية والتقليد والاتكالية واستيراد النظريات الجاهزة، إلى إعادة النظر في أساليب عقد اتفاقيات الشراكة وتفويت الصفقات مع مكاتب الدراسات وخاصة المكاتب الأجنبية وتقنين ومراقبة نشاط المنظمات الدولية ووكالات التعاون وكل الجهات الداعمة التي يكون لها بالغ الأثر في اختيار هذا النموذج أو ذاك وبالتالي في وضع/فرض استراتيجيات الإصلاح، وفحص وتقويم نشاطها بما يخدم المصلحة الوطنية قبل كل شيء ويستجيب للحاجيات الحقيقية للأفراد والجماعات ومتطلبات الجهات والقطاعات المستفيدة من الدعم، في جميع مجالات التنمية.
إن النظريات التراثية التربوية الأصيلة كثيرة تحتاج الى وقفات نظر دقيق وتأملات عميقة قصد تجديدها.
ويبقى السؤال المشروع للطرح والمناقشة بعد فشل كل النظريات التربوية التعليمية المستوردة من الخارج، هل إنقاذ منظوماتنا التربوية التعليمية من الفشل رهين باستلهام النظريات التربوية التراثية الأصيلة التي تتأسس على الهوية والقيم؟ وكيف يمكن تمثلها تطبيقيا اليوم بعدما دعا إلى الأخذ بها الكثير من الخبراء[4] ؟
لا يسعنا في الأخير إلا الدعوة إلى تطبيق هذا النموذج الأصيل وفق رؤية معاصرة، الذي لا محالة سيعطي نفسا جديدا للمناهج التعليمية وهو التدريس بالملكات أو بيداغوجية الملكات.
[1] – ينظر: التدريس بالملكات : نحوتأسيس نموذج تربوي أصيل في التعليم، مجلة علوم كلية التربية، العدد 5، السلسلة الجديدة، 2013، بتصرف، ص 43-44
[2]– ينظر: مقدمة ابن خلدون، تحقيق محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة، القاهرة،2005، ص 480-517-710
[3] – التدريس بالملكات : نحو تأسيس نموذج تربوي أصيل في التعليم، مجلة علوم كلية التربية، العدد 5، السلسلة الجديدة، 2013، ص 44
[4] – يعتبر الدكتور محمد الدريج من أبرز الخبراء الذين تبنوا بيداغوجية التدريس بالملكات، لأسباب عديدة ذاتية وموضوعية أدت إلى فشل تطبيق النظريات التربوية الغربية بالمدارس العربية، ويدعوإلى التدريس بالملكات ضمن تجديد التراث للمساهمة في الإصلاح البيداغوجي المنشور، ويعرف الخبير التربوي محمد الدريج الملكة: “تركيبة مندمجة من قدرات ومهارات واتجاهات، تكتسب بالمشاهدة والمعاينة، وترسخ بالممارسة وتكرار الأفعال، في إطار حل مشكلات، ومواجهة مواقف، والملكة قابلة للتطوير والتراكم المتدرج، ويكون لها تجليات سلوكية خارجية “.
ينظر: محمد الدريج: (التدريس بالملكات: نحو تأسيس نموذج تربوي أصيل في التعليم)، جريدة الأخبار، المغرب، العدد:62، 2013، ص:8.





