بقلم: د. علي محمد الصلابي
إنّ السياق القرآني يبين أن الملك عرض على يوسف الوزارة، ويوسف u عين على الحقيبة الوزارية فقط، والذي أشرف عليه يوسف u ما يمكن أن يوازي اليوم هذه الوزارات: التخطيط، التموين، الزراعة، المالية، الاقتصاد، العمل، الثروة الحيوانية، وزارة القوى البشرية والتعليم، الإعلام؛ وهذا يستخرج من قوله: ﴿خزائن الأرض﴾ في قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]: (سورة يوسف، أحمد نوفل، ص451)
إن يوسف u أراد أن يقوم بعمل كبير مفيد، ويتحمل مسؤوليته، فرشّح نفسه لأخطر المناصب أعلاها وأكبرها عملاً وجهداً ودأباً وسهراً، وأكثرها نفعاً لعامة الناس وضعفائهم وفقرائهم، والتكفل بإطعام شعوب جائعة في أزمات اقتصادية خانقة تبعة كبيرة ومسؤولية جسيمة، يهرب منها الرجال؛ لأنها قد تكلفهم رؤوسهم. (في ظلال القرآن، (4/2005).
1- ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾:
أي: اجعل أمر إدارة خزائن المال والطعام في أرض مصر إليّ، فإني أمين عليها، خبير بتدبير شؤونها ووجوه مصالحها. طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء في الأزمة القادمة التي أوّل بها رؤيا الملك، خيراً مما ينهض بها أحد في البلاد، وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحاً من الموت وبلاداً من الخراب ومجتمعاً من الموقف الفتنة – فتنة الجوع – فكان قوياً في إدراكه لحاجة الموقف إلى معرفته بخبرته وكفايته وأمانته. (التفسير الموضوعي، (4/194))
2- ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾:
ذكر يوسف u مؤهلاته على خزائن الأرض وهي:
-الحفظ والعلم، وقد علمنا أن الحفظ يقابل الأمانة، والعلم يقابل القوة كما في قصة موسى u: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. والعلم قوة قطعاً والغربيون يقولون: إن المعرفة قوة. ونحن أحق بهذه الكلمة منهم، أما الحفظ أو الأمانة فصفة وهيبة نفسية وأخلاقية توفيقية وكسبية. (سورة يوسف، أحمد نوفل، مرجع سابق، ص451)
-﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ على وزن فعيل، مبالغة: من حفظ؛ أي: شديد الحفظ لما يرد من الأرزاق والأقوات والأموال، فكأنه يقول: ليست أمانتي قاصرة فكثير من الناس أمين في نفسه ولكنه سيء التدبير، فهو مع أمانته لا يطيق حفظ ما اؤتمن عليه، لا ضعفاً في الأمانة، ولكن عدم قدرة على الحفظ والصيانة.
– ﴿عَلِيمٌ﴾ على وزن فعيل مبالغة من: علم، والمعنى: عظيم العلم أعرف كيف تصرف الأموال في مصارفها وأعلم كيف تُنمّى وتُصان وتلك صفة تستحق صاحبها المكانة.
وهذه الكلمات تشعر بأن يوسف u استفاد من السنوات التي قضاها في بيت العزيز خبرة في أمور التدبير (آيات للسائلين، ص246)، فقد كان يوسف قد خبر شؤون البلاد ونُظمها وطرائف عيشها وأساليب أهلها فيها وذلك بحكم إقامته بها في خدمة العزيز مدبراً أمور بيته محتملاً ما يسند إليه من وظائف وأعباء وكان في أثناء ذلك، – وهو الغريب النازح – يدرس ما يجري أمام عينيه فاحصاً متأملاً مستقصياً أمور البلاد والعباد متعرفاً ما يتبعون من عادة، مستمعاً إلى ما يروون من عيون الأخبار، ومن تاريخهم، وتاريخ ملوكهم وحكامهم، وكانوا بالرواية والتاريخ شغوفين. (مصر في القرآن والسنة، د. أحمد يوسف، ص62-64)
إنّ عزيز مصر تبنا يوسف u، وصدقت فيه فراسته، فقد كان يؤمل فيه النفع؛ ولذلك اهتم بإعداده إعداداً مستقبلياً في صقل شخصيته، حتى يعينه على أمور الدولة ويساعده. وبهذا يعلم أن يوسف u أقدم على ما أقدم عليه لمعرفته بواجبات الوقت، ولعلك تلحظ في تعليل يوسف أحقيته بالمنصب أسباباً خصها دون غيرها، فلم يقل إني حسيب كريم، فليس الحسب والكرم الأصل مؤهلاً للولاية. ولم يقل إني مليح جميل، فليس ذلك معتبراً هنا. ولم يقل بما أنني صرت قريباً منك، أو في حاشيتك لذلك عليك أن توليني، فليس ذلك مؤهلاً من مؤهلات ولاية العامة. ولم يقل كذلك: ولِّني لفصاحتي ولباقتي ونحو ذلك مما حباه الله إياه وفاق فيه غيره، لأنّه لا يناسب الطلب، بل ذكر الحفظ والعلم، وهنا مربط الفرس، وقد يرد سؤال هنا: لِمَ اختار يوسف u خزائن الأرض تحديداً؟
فيقال أولاً: لأنها من أرفع الولايات، وقيل: هو المنصب الذي كان يتولاه العزيز، ويوسف من خلاله يستطيع أن يحكّم شيئاً من شريعة ربه. ثانياً: لأنها تتناسب مع خبراته السابقة المستفادة من نشأته في بيت العزيز السابق. ثالثاً: لارتباطها بمصالح الناس، وبذلك يكون قريباً منهن يمكنه أن ينفذ إلى قلوبهم ويرغبهم في توحيد الله والإيمان به وإفراد العبودية، ويعرفهم بالدين القيم. رابعاً: معرفته بواقع البلد وبالأزمة المقبلة عليها وبحاجتها للحفيظ العليم الأمين. فلعل هذه الأمور مجتمعة وربما غيرها اقتضت تعيين تلك الولاية على وجه الخصوص. (يوسف الصديق، د. علي الصلابي، ص352)
وقد استدل أهل العلم بخبر يوسف هذا على جواز طلب الولاية إذا علم الطالب أنه لن يقوم بها على وجهها غيره، أو غلب على ظنّه أو احتاج الناس له بعينه فيها، بل قال بعضهم بوجوب طلبها في هذه الحال، ونقل بعضهم الاتفاق على جواز طلبها، وأما حديث عبد الرحمن بن سمرة في الصحيحين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أُعنت عليها” [رواه البخاري، رقم 1622، مسلم، رقم1652] فلا يرد على هذا لأنّه لم يكن عبد الرحمن بن سمرة منفرداً بالفضل على سائر الصحابة فيما طلب. إن طلب الولاية إذا كان لحفظ النفس كتحصيل مكسب يراه حلالاً أو يشتمل على تقديم غير الكفء فلا يجوز، بل على الوالي إذا جاءه من يطلب الولاية وهو يعرف أن في البلد من هو مثله أو من هو أكثر كفاءة فلا يوليه لأن طلبه للولاية نقص، ومخالفة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وهديه. أما إن طلب إنسان الولاية لمصلحة الأمة، فلا حرج عليه، بل قد يجب عليه ذلك إذا لم يسد غيره مسده (آيات للسائلين، مرجع سابق، ص250)، ودل قول يوسف عليه السلام للملك: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، على جواز قبول العمل والوظيفة من الحاكم الكافر، وخاصة إذا كان في العمل مصلحة لبني آدم ورعاية لشؤون الإنسان بما يرجع بالنفع عليهم في دينهم ودنياهم ودلالتهم على الخير وهدى الأنبياء والمرسلين.
إن يوسف u كان حصيفاً في اختيار اللحظة التي يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعية الضخمة في أشد أوقات الأزمة، وليكون مسؤولاً عن إطعام شعب كامل. (في ظلال القرآن، مرجع سابق، (4/2005)) ويرى ابن تيمية – رحمه الله -: أن هذا المجتمع الكافر لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته ورعيته ولا تكون جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فإن القوم لم يستجيبوا له، لكنه فعل الممكن من العدل والإحسان ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته مالم يمكن أن يناله بدون ذلك وهذا كله داخل في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
ولقد اعترض المانعون على المجيزين في استدلالهم بقبول يوسف u للوزارة وقالوا: إن شرعنا لا يجيز تولي الوزارة في ظل حاكم غير مسلم، وأما تولي يوسف للوزارة فهو شرع لمن قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا إذا جاء في شرعنا ما ينقضه، ورد المجيزون على هذا الاعتراض بوجوه:
الوجه الأول: أن شرعنا وشرع يوسف، بل شرائع الأنبياء جميعاً متفقة في تقرير حاكمية الله تبارك وتعالى: فيوسف u يقرر مخاطبته للفتيين الذين دخلا معه السجن أن الحكم لله وحده ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: 40] إن الحكم لا يكون إلا لله، فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته، إذ الحاكمية من خصائص الألوهية، ومن ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه وتعالى أول خصائص الألوهية. (مجموع فتاوى شيخ الإسلام، (20/56-57)) ويوسف u الذي يعلم هذا الحكم المقرر في جميع الأديان هو الذي يتولى منصب عزيز مصر، ويقول للملك:﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، فيتولى هذا المنصب وهو يعلم أن للملك نظاماً وشريعة لا يستطيع أن يزجها بين عيشة وضحاها: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: 76]، إن هذا النص يحدد مدلول كلمة الدين في هذا الموضوع تحديداً دقيقاً، إنه يعني نظام الملك وشرعه، فإن نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته (في ظلال القرآن، مرجع سابق، (4/ 1990 – 2020) فإذا كان فقه يوسف u للحاكمية هو الفقه نفسه المقرر في شريعتنا ومع ذلك تولى الوزارة فإننا نجزم في هذا المقام بأمرين:
أ- أن توليه للوزارة لم يناقض عقيدته في كون الحاكمية لله وحده.
ب- وأنه لم يكن مخطئاً عندما تسلم الوزارة، لأنّه نبي معصوم.
الوجه الثاني: ومما يدل على نفي هذه الشبهة وإبطالها إخبار الحق تبارك وتعالى أن استلام يوسف u الوزارة كان رحمة ونعمة ولم يكن عذاباً ونقمة: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 55-56]:
فالله يقرر أن استلام يوسف للوزارة هو باب التمكين له في الأرض وأنه رحمة أصابه بها وإنه أجر دنيوي عاجل وما ينتظره من الله من الثواب الآجل أعظم وأكبر: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ٥٧﴾ [يوسف: 57]، ويوسف u يصرح بأن استلامه للحكم كان من نعم الله عليه ولم يكن نقمة: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين﴾ [يوسف: 101].
الوجه الثالث: والنصوص التي ذكرت تدل على أن هذا الحكم ليس خاصاً بنبي الله يوسف، دون سواه، ذلك أن النص صيغ صياغة عامة: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 56]، ثم من ادعى أن هذا الحكم خاص بيوسف u دون سواه عليه أن يأتي بالدليل، لأن الأصل في سير الأنبياء والمرسلين يراد به التآسي والاقتداء فكيف إذا جاءت النصوص القرآنية الخصوصية مشيرة إلى العموم. (حكم المشاركة في الوزارة، د. عمر الأشقر، ص29-32)
لقد تحدث المفسرون في هذه القضية:
– نقل القرطبي – رحمه الله-: عن بعض أهل العلم إباحة طلب الرجل الفاضل بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك، ونقل القرطبي عن قوم أن هذا كان ليوسف خاصة دون غيره، ولكنه رجح القول الأول. (تفسير القرطبي، (7/1512))
– استدل الألوسي – رحمه الله – بطلب يوسف الولاية على جواز ذلك لغيره إذا كان الطالب قادراً على إقامة العدل وإجراء أحكام الشريعة وإن كان من يد الجائر أو الكافر، بل ذهب الألوسي إلى أنه قد يجب الطلب إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلاً، وكان متعيناً لذلك.
– وقال الشوكاني -رحمه الله-: وقد استدل بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر، بل الكافر، لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق.
هذا وقد وجد الملك في يوسف u الأمانة والخبرة فوافق على طلبه وسلمه مسؤولية إدارة الشؤون الاقتصادية والزراعية والمالية في مملكته كلها وأصبح u الوزير الأول في مصر وعزيزها وصاحب الكلمة النافذة فيها بعد المك، وجمع الله له بهذا النبوة والحكم فقد كان نبياً وحاكماً وفي هذا ردٌّ على أولئك الذين يحصرون مهمة الأنبياء في بيان شؤون العقيدة، والعبادة فقط ويحاولون عزل الدين على الشؤون المتعلقة بالحكم والسياسة والاقتصاد وغير ذلك من الأمور العامة. (يوسف الصديق، د. علي الصلابي، مرجع سابق، ص352)
المراجع:
- النبي الوزير يوسف الصديق u، د. علي محمد محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، ط1، 1444هـ – 2023.
- سورة يوسف دراسة تحليلية، أحمد نوفل، دار الفرقان، عمان- الأردن.
- حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية، د. عمر الأشقر، دار النفائس، الطبعة الأولى، 1429ه، ص29-32.
- في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1972م.
- التفسير الموضوعي لسور القرآن، عبد الحميد محمود طهماز، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1435ه.
- آيات للسائلين تفسير تحليلي وموضوعي، د. ناصر العمر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1429ه- 2008م.
- مصر في القرآن والسنة، أحمد يوسف، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 1420ه.
- مجموع الفتاوى، ابن تيمية، مجمع الملك فهد للطباعة والنشر، السعودية، 1416ه/ 1995م.
- حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية، د. عمر الأشقر، دار النفائس، الطبعة الأولى، 1429ه.
- تفسير القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1964.





