تأملات تفسيرية في قوله تعالى: { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

إنّ الأدعية القرآنية الواردة على ألسنة الأنبياء من أعظم ما يُستضاء به في فهم معاني العبودية والتوحيد، لما تحمله من دلالات إيمانية وتربوية عميقة. ومن هذه الأدعية المباركة دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:128]، الذي يجمع بين الخضوع لله، وطلب الثبات على الدين، والحرص على صلاح الذرية، والتضرع بالتوبة والرحمة.
1. قوله تعالى: {رَبَّنَا}:
نلمح هذا الاستعطاف الظاهر في تكرار لفظ {رَبَّنَا}، وما فيه من تذلل وخضوع ورغبة في الاستجابة والقبول، وكذلك في تكرار جملة {وَاجْعَلْنَا} وما فيها من سلاسة وعذوبة في موضعها (رزق، ص 218).
نلاحظ بأن أهمية الدعاء الذي في الحقيقة عبادة عظيمة، وهو من أجلّ العبادات وأعظم القربات، بل هي العبادة كما أسماها الله في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ]غافر:60[، وقد صرح بذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله: الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي} (الترمذي، رقم: 2969) فالدعاء سبب عظيم من أسباب حصول المطلوب، واندفاع المرهوب، وخير معين على تحقيق الإخلاص لله تعالى (الوهيبي، ص 153).
2. قوله تعالى: {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}:
أيّ: خاضعين لك، منقادين لحكمك، مخلصين أوجهنا بالتوحيد والعبادة لك، لا لغيرك، ولا نشرك معك في الطاعة أحداً سواك (سندي، ص 220).
وفائدة تكرار النداء بقوله: {رَبَّنَا} إظهار الضراعة إلى الله تعالى، وإظهار أن كل دعوى من هذه الدعوات مقصودة بالذات (ابن عاشور، 1/700).
والنبيّان الكريمان على قدر ما وهبهما الله تعالى من نعمة الإسلام والتمسك به، يطالبان ذلك تأكيداً وزيادة في الخير، يريدان طاعة مطلقة وانقياداً؛ ليكون الطلب دليلاً على الرغبة فيه، وليكون الغرض لزاماً لهما وتكليفاً، ويؤكد هذا بالجار والمجرور {لَكَ}، فطلب الانقياد والطاعة مقيد له عزّ وجل دون سواه (رزق، ص 218). ولم يكتف إبراهيم عليه السلام بالثبات على الإسلام له ولولده، وإنما دعا لذريتهما أيضاً (المرسومي، ص 227).
3. قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}:
والذرية هم الأبناء وأبناء الأبناء أي الأجيال القادمة، فهي نظرة مستقبلية وحرص على أن يبقى التوحيد قائماً ببقاء الموحدين على الأرض عبر التاريخ، وفي الدعاء طلب من الله بأن يعجل ذريتهم أمة مستسلمة لأمره سبحانه وتعالى خاضعة لطاعته وشرعه وسلطانه وأحكامه منقادة لأوامره وهذا هو دين الأنبياء من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم (المرسومي، ص 228).
إنّ هذا الدعاء فيه الرجاء على العون من ربهما في الهداية إلى الإسلام والشعور بأن قلبيهما بين أصبعين من أصابع الرّحمن، وأن الهدى هداه وأنه لا حول لهما ولا قوة إلا بالله، فهما يتجهان ويرغبان، والله المستعان إليه سبحانه،كما بيّن الدعاء طابع الأمة المسلمة، وهو تضامن الأجيال في العقيدة{وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}.
وهي دعوة تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن، إن أمر التوحيد والاستسلام لله وأحكامه هو شغله الشاغل، وهو همه الأول وشعور إبراهيم وإسماعيل – عليهما السّلام – بقيمة النعمة التي أصبغها الله عليهما، نعمة الإيمان، تدفعهما إلى الحرص عليهما في عقبهما، وإلى دعاء الله ربهما ألا يحرم ذريتهما هذا الإنعام الذي لا يكافئه إنعام.
لقد دعوا الله تعالى ربهما أن يرزق ذريتهما من الثمرات ولم ينسيا أن يدعواه ليرزقهم من الإيمان، وأن يريهم جميعاً مناسكهم، ويبين لهم عبادتهم، وأن يتوب عليهم إنما هو التواب الرحيم (سيد قطب، 1/115).
لقد كان دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن يجعل الله لهما من ذريتهما وأولادهما جماعة مسلمة لله عزّ وجل منقادة لأمره خاضعة لعظمته سبحانه وتعالى، و{وَمِنْ} هنا تبعيضية، ولم يعمّمها – عليهما السلام – وذلك أدباً مع الله الذي سبق وقال لإبراهيم {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، وهذا أيضاً من تعليم الله لهما وبتنويره قلوبهما أن من ذريتهما المسلم المحسن والكافر الظالم لنفسه، لذا دعوا هنا بالتبعيض (سندي، ص 220).
وفي قوله {أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} أي: كل على عقيدة التوحيد وإفراد العبادة لك وحدك، وأما وصف الأمة فهو الإسلام والانقياد لله وحده لا شريك له (رزق، ص 220).
4. قوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}
أيّ: علمنا مواضع نُسكنا وعبادتنا وبصّرنا بأفعال الحج ومواقيته ومواضع العبادة فيه و”المنسك” مكان العبادة، ويؤخذ من هذا أن العبادات توفيقية لا تصحّ إلا بما شرعه الله وتتوقّف على الدليل الشرعي (رزق، ص 220).
وقال السعدي رحمه الله: أي: علمناها على وجه الإرادة والمشاهد ليكون أبلغ، ويحتمل أن يكون المراد بالمناسك أعمال الحج كلها كما يدلُّ عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد هو أعمُّ من ذلك وهو الدين كله والعبادات كلها كما يدل عليه عموم اللفظ؛ لأنّ النسك التعبد، ولكن غلب على متعبدات الحج تغليباً عرفياً، فيكون حاصل دعائهما يرجع إلى التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح (السعدي، ص 93).
وقال تاج القرآن الكرماني: إن كان المراد “بالمناسك” أعمال الحج، كالطواف والسعي والوقوف بعرفة والصلاة، فتكون “المناسك” جمع “مَنسك” بفتح السين، وهو مصدر، وجاز جمع المصدر هنا؛ لاختلاف الأعمال في الحجِّ، وإن كان أراد “بالمناسك” المواقف والمواضع التي يُقام فيها شرائع الحج، كمِنى وعرفة والمزدلفة، فتكون المناسك جمع “منسِك” بكسر السين، وهو اسم مكان، وهو موضع العبادة (سندي، ص 221).
وقال الراغب الأصفهاني: النسك: العبادة، و”الناسك” هو العابد، واختصَّ بأعمال الحج، و”المناسك”: مواقف النسك وأعمالها، و”النسيكة” مختصة بالذبيحة، قال تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ]البقرة:196[، و{نُسُكٍ}: ذبيحة يذبحها أو أقلها شاة. وقال تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} ]الحج:67[، منسكاً أي: شريعة ومتعبداً ومنهاجاً. وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ]الأنعام:162[ {نُسُكِي} أي: ذبحي وقيل: عبادتي (الأصفهاني، ص 253).
هذا وروي عن علي رضي الله عنه: أن إبراهيم – عليه السّلام – لما فرغ من بناء البيت ودعا بهذه الدعوة، بعث الله إليه جبريل – عليه السّلام – فحجّ به، وانطلق إلى الصفا والمروة ومِنى والمشعر الحرام وعرفات، وقال له: أعرفت ما أريتك؟ قال: نعم (سندي، ص 22)، ولما كان العبد مهما كان لا بدّ أن يعتريه التقصير ويحتاج إلى توبة (السعدي، ص 222).
5. قوله تعالى: {وَتُبْ عَلَيْنَا}
أي: سامح لنا تقصيرنا في طاعتك وتجاوز عنّا؛ وذلك لأن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه، فإنه لا ينفك عن التقصير من بعض الوجوه، إما على سبيل السهو أو على سبيل ترك الأولى، فالدعاء منهما، عليهما السلام، لأجل ذلك {وَتُبْ عَلَيْنَا} فهما معصومان على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، وقيل: تُب على ظلمة أولادنا حتى يرجعوا إلى طاعتك، وقيل: إنهما أرادا أن يسُنا للناس ويعرّفاهم أن بيت الله وما يتبعه من المناسك والمواقف، هي أمكنة التخلص من الذنوب وطلب التوبة من علّام الغيوب (سندي، ص 224).
لقد جاء في موضع التوبة، أنّها تختلف مقامات التائبين، فتوبة سائر المسلمين الندم على الذنب الماضي والعزم على تركه تركاً نهائياً ورد المظالم، أما توبة الخواص منهم فهي رجوع عن المكروهات من خواطر السوء في الأعمال أو التقصير في العبادات وعدم أدائها على وجه الكمال، وتوبة ثالثة هي توبة خواص الخواص، وهؤلاء تكون توبتهم لرفع درجاتهم وللترقي في مقاماتهم، فإن كان النبيان عليهما السلام طلبا التوبة لأنفسهما خاصة فالمراد بها هو توبة هذا القسم الثالث (رزق، ص 221).
والمقصود بطلب التوبة في حق إبراهيم وإسماعيل – عليهما السّلام – هو الرغبة منهما في رفع درجاتهما، وارتقائهما المقامات، وهذا هو شأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهي من وجه آخر تربية خلقية وتأديب واضح توجهت إليه آيات القرآن الكريم؛ ليكون سلوكاً قويماً، يجب أن يسلكه كل مسلم حريص على الخير لنفسه وذريته (روق، ص 221).
وإن التوبة ركن أساس من أركان السلوك، ولها أنواع، نذكر منها:
– توبة الإنابة: وهي أن تخاف من الله من أجل قدرته عليك.
– وتوبة الاستجابة: أن تستحي من الله لقربه منك.
– والتوبة الصحيحة: هي إذا اقترف العبد ذنباً تاب عنه بصدق الحال.
– والتوبة الفاسدة: هي التوبة باللسان مع بقاء لذة المعصية في الخاطر.
– والتوبة النصوح: هي تنزيه القلب عن الذنوب وعلاماتها: أن يكره العبد المعصية ويستقبحها، فلا تخطر على بال ولا ترد في خاطره أصلاً (التهانوي، 1/231).
وقال الإمام النووي – رحمه الله – التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت بين العبد وبين الله تعالى، فلها شروط ثلاثة:
 أن يقلع عن المعصية.
 أن يندم على فعلها.
 أن يعزم على ألا يعود إليها أبداً.
فإن كان الذنب يتعلق بحق آدمي، فعليه أن يتبرأ من حق صاحبه، وذلك برَدّه إليه، أو طلب عفوه أو أن يستحلّه منه، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم (الإمام النووي، ص 11).
وإبراهيم وإسماعيل – عليهما السّلام – يعلّمان أتباع ملة إبراهيم – عليه السّلام – كيف يكون التأدب في العلماء مختتماً بما يدعو إلى إجابته، وتقبله إذ جاء في ختام هذه الآية.
6. قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}:
فالجملة تحتوي على كل ما يؤكد معناها، فهذا حرف التوكيد “إن” مقروناً بكاف الخطاب، ثم يليها الضمير {أَنْتَ}، ثم الصفتان المبالغ فيهما {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، فالتوّاب صيغة مبالغة من تاب، فهي على وزن فعّال، ويقال لله عزّ وجل توّاب لكثرة قبوله التوبة من عباده حالاً بعد حال، والرحيم هو كثير الرّحمة أيضاً، صيغة مبالغة على وزن فعيل وهي صفة يمكن أن تكون لله عزّ وجل أو للبشر، جاء في وصف الرسول صلّى الله عليه وسلّم {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ]التوبة:128[، وقد قيل إن الله تعالى رحمان بالدنيا ورحيم الآخرة؛ وذلك لأنَّ إحسانه في الدنيا يعم المؤمنين والكافرين وفي الآخرة يختص بالمؤمنين (رزق، ص 221).
وقد قدّمت صفة {التَّوَّابُ} على صفة {الرَّحِيمُ} في السياق القرآني؛ لأن {التَّوَّابُ} مناسبة لقوله: {وَتُبْ عَلَيْنَا}، مناسبة للفاصلة السابقة لها واللاحقة بها في السورة الكريمة (رزق، ص 221).وكذلك تأخير صفة الرّحمة مناسب لعمومها فالتوبة من الرّحمة والرّحمة أعمّ منها (سندي، ص 224).

المصادر والمراجع:
1. سيد قطب. في ظلال القرآن، دار الشروق للطباعة، القاهرة، ط 32، 2003 م.
2. ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير “تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد”، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.
3. رزق، سميرة عدلي محمد. وجوه البيان في دعاء سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية، العدد (10).
4. التهانوي، محمد علي. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تحقيق: رفيق العجم، علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ط1، 1996م.
5. الإمام النووي. رياض الصالحين من حديث سيد المرسلين، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط3، 1422ه، 2001م، ص11، بتصرف.
6. الراغب الأصفهاني. المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط1، 1412ه، 1992م.
7. الوهيبي، حمد. الإخلاص في القرآن الكريم، رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود، 1433ه.
8. سندي، محمد فؤاد. من لطائف التعبير القرآني حول سير الأنبياء والمرسلين (آدم ونوح وإبراهيم)، مكتبة الملك فهد الوطنية، السعودية، ط1، 2002م.
9. المرسومي، عبد الستار كريم. ملة أبيكم إبراهيم، دار المعراج للنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 2021م.
10. الشعدي، عبد الرحمن بن ناصر. تفسير السعدي “تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان”، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية، ط4، 1435ه.
11. الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله، دار ابن كثير.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...