الصحافة ليست مجرد مهنة.. بل هي موقف أخلاقي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

طلحة جبريل

 

 

تعرضت الصحافية كاثرين لوسي لوصف مسيء من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أثناء رحلة جوية على الطائرة الرئاسية. انحنى ترامب نحوها، بعد أن طرحت أسئلة حادة، وأشار بإصبعه قائلاً لها: “اهدئي أيتها الخنزيرة”. دافع البيت الأبيض لاحقًا عن ترامب، معتبراً أن تصريحاته تعكس “صراحته” في مواجهة ما وصفه بالأخبار الكاذبة.

هذه الواقعة أعادت إلى ذاكرتي الصحافية الجسورة هيلين توماس، التي عملت عقودًا مراسلة صحافية من البيت الأبيض قبل رحيلها. كانت شخصية نادرة، لا يتكرر حضورها إلا على فترات متباعدة.

التقيت هيلين توماس في واشنطن عدة مرات وتعرفت عليها عن كسب. وعلى الرغم من أنها كانت المراسلة الأشهر في العالم، كان من الصعب أن تحصل منها على معلومات، رغم أنها مستودع أسرار.

ظلت لعقود تحتفظ بمقعدها في الصف الأمامي داخل قاعة المراسلين الذين يحضرون يوميًا اللقاءات الصحافية في البيت الأبيض، أو ما يسمى “الإيجاز اليومي” مع المتحدث باسم أهم “مكتب في العالم”، كما يقول الأميركيون.

رحلت هيلين توماس، الصحافية المشاغبة التي أزعجت بأسئلتها المحرجة تسعة رؤساء، بعد معاناة مع مرض الفشل الكلوي.

اضطرت للتقاعد من عملها بعد أن خاطبت رجل دين يهودي بقولها: “عليكم الرحيل من فلسطين نحو الجحيم، يجب أن تعودوا إلى بولندا وألمانيا وأميركا أو أي مكان آخر”.

ثمة واقعة أخرى جعلت مسؤولي البيت الأبيض في عهد جورج بوش يطلبون منها الانتقال من الصف الأول إلى الصف الأخير، ومنعت من طرح أي سؤال على بوش إلى أن تصالح معها في آخر سنوات حكمه.

إذ عقب عشاء أقامه بوش لمراسلي البيت الأبيض، سألها أحد المراسلين المغمورين: “لماذا أنت حزينة سيدة هيلين؟” فأجابت دون تردد: “لأنني أغطي فترة حكم أسوأ رئيس في التاريخ الأميركي”.

اشتهرت هيلين توماس، التي رحلت في صمت في منزلها بواشنطن بعد سنوات حافلة بالعمل مراسلة لوكالة “يونايتد برس إنترناشيونال”، بأسئلتها المحرجة والمستفزة للرؤساء الأميركيين.

لا أنسى مؤتمراً صحافياً للرئيس باراك أوباما، حاول خلاله ملاطفتها عندما عرف أنها ولدت مثله في الرابع من أغسطس. لكن ذلك لم يجعله يفلت من أسئلتها الحارقة. فعندما تحدث مطولًا عن البرنامج النووي الإيراني وقال إن حصول أي دولة في الشرق الأوسط على السلاح النووي يهدد أمن المنطقة.

 طرحت عليه مؤلفة كتاب “في الصف الأمامي داخل البيت الأبيض” سؤالاً أربكه عندما قالت:

“سيادة الرئيس، هل تعرف أن هناك دولة نووية أخرى في منطقة الشرق الأوسط غير إيران؟”.

كانت تقصد إسرائيل. يومها لاحظت كيف تلعثم أوباما وتبخرت فصاحته التي اشتهر بها.

رحيل هيلين توماس لم يكن مجرد غياب صحافية مشاغبة، بل نهاية مرحلة كاملة من الصحافة التي كانت تقف في مواجهة السلطة بلا خوف.

اليوم، حين يتعرض صحافيون مثل كاثرين لوسي لوصف مسيء من رئيس أميركي، ندرك أن العلاقة بين الصحافة والسلطة لم تتغير كثيراً؛ فما زال السؤال الجريء يزعج، وما زالت الحقيقة تُكلف أصحابها ثمناً باهظة.

يظل إرث هيلين توماس حاضراً: أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي موقف أخلاقي، وأن الكلمة حين تُقال بصدق يمكن أن تربك رئيساً، وتفتح نافذة للناس على ما يُراد إخفاؤه.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...