المغرب وفنزويلا: الجغرافيا البعيدة وصراع الرموز السياسيّة: قراءة تأصيليّة في توتر العلاقات وتحولات المعنى الجيوسياسي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

 

لا تُقاس العلاقات الدوليّة دائماً بمنطق القرب الجغرافي أو كثافة التبادل الاقتصادي التجاري والثقافي، بل كثيراً ما تُحدَّد بعمق التمثّلات الرمزيّة، وبالتموقع الأيديولوجي داخل خرائط الصراع الكوني.
في هذا السياق، تندرج العلاقة بين المغرب وفنزويلا ضمن نمط من العلاقات المتوترة التي لم تُنتجها المصالح المباشرة بقدر ما صاغتها الرهانات الرمزيّة لقضايا تقرير المصير، وصراعات الشرعيّة، وتوظيف الخطاب التحرّري في المجال الدولي.
* أولاً: الجذور التاريخيّة للتوتر: حين تتحوّل القضايا إلى مرايا آيديولوجيّة
منذ سبعينيات القرن الماضي، ارتبط الموقف الفنزويلي من قضية الصحراء المغربيّة بدعم صريح لجبهة البوليساريو، وهو دعم لم يكن معزولاً عن السياق الأيديولوجي العام الذي حكم السياسة الخارجيّة الفنزويليّة، خاصة في عهد “هوغو تشافيز”، ثم “نيكولاس مادورو”.
فقد جرى تأطير قضية الصحراء داخل خطاب “تحرّري أممي” يقارنها بالقضية الفلسطينيّة، ويعيد إنتاج ثنائيّة المركز والهامش، والاستعمار والتحرّر، في قراءة تبسيطيّة تتجاهل الرّوابط والتعقيدات التاريخيّة والقانونيّة لطبيعة النزاع.
هذا التموقع الإيديولوجي لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل تحوّل إلى عنصر صدام مباشر داخل المحافل الدوليّة، حيث شهدت أروقة الأمم المتحدة مواجهات كلاميّة وسياسيّة بين ممثلي البلدين، خصوصاً حول شرعيّة تمثيل البوليساريو ومنحها الكلمة.
ومع تصاعد ما اعتبره المغرب “عداءً متنامياً” من قبل السلطات الفنزويليّة، اتخذ قرار إغلاق السفارة المغربيّة في كراكاس سنة 2009، في خطوة تحمل دلالة رمزيّة بقدر ما تعكس قطيعة سياسيّة.
* ثانياً: من القطيعة إلى إعادة التموضع: التحليل الاستراتيجي للتحول المغربي
لم يتعامل المغرب مع هذا التوتر بوصفه قدراً دبلوماسياً ثابتاً، بل قرأه ضمن ديناميات أوسع لإعادة تشكّل النظام الدولي، وخاصة في الفضاء اللاتيني.
فدعم الرباط ل”خوان غوايدو” سنة 2019، باعتباره رئيساً مؤقتاً لفنزويلا، لم يكن مجرد اصطفاف ظرفي، بل تعبيراً عن مقاربة براغماتية تسعى إلى تفكيك شبكات الدعم التقليديّة للبوليساريو في أمريكا اللاتينية.
هنا، يبرز التحليل الاستراتيجي بوصفه انتقالاً من منطق ردّ الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي. فالمغرب لم يعد يكتفي بالدفاع عن أطروحته داخل الإطار القانوني الأممي، بل بات يشتغل على إعادة هندسة المجال التداولي للنزاع، عبر بناء تحالفات جديدة، واستثمار التحولات السياسية داخل الدول المؤثرة، وربط قضية الصحراء بمفاهيم الأمن والاستقرار والتنميّة والعمران، والحكم الذاتي كحل واقعي وعملي.
* ثالثاً: الأفق الاستشرافي: السياسة كأنثروبولوجيا للمعنى
في المستوى الأعمق، تكشف حالة العلاقات المغربية الفنزويلية عن بعد أنثروبولوجي للسياسة الدوليّة، حيث لا تتحرّك الدول فقط بدافع المصالح، بل أيضاً وفق سرديّات الهويّة، وتمثّلات الظلم التاريخي، ورمزيّة “القضايا العادلة”.
من هنا، فإن أي تحوّل محتمل في الموقف الفنزويلي من قضية الصحراء لن يكون نتيجة تغيير سياسي آني فحسب، بل ثمرة إعادة بناء للمعنى، وانتقال من خطاب أيديولوجي مغلق إلى قراءة واقعيّة للتوازنات الدولية.
اليوم، ومع تغيّر مواقف عدد متزايد من دول أمريكا اللاتينية تجاه مبادرة الحكم الذاتي المغربية، يلوح في الأفق احتمال إعادة تطبيع العلاقات مع فنزويلا، خاصة بعد اعتقال نيكولا مادورو، شريطة أن يتأسس هذا التطبيع على قطيعة معرفيّة مع منطق الإسقاط الإيديولوجي، وعلى اعتراف بتعقيد النزاع وخصوصيته وروابطه التاريخيّة.
* خلاصة: أسئلة الشرعيّة والتحالف في عالم متحوّل
تضعنا العلاقة بين المغرب وفنزويلا أمام إشكالات بنيويّة كبرى:
هل لا تزال الأيديولوجيا قادرة على توجيه السياسة الخارجيّة في عالم تحكمه البراغماتية؟
إلى أي حد يمكن لقضية رمزيّة أن تعيد تشكيل تحالفات جيوسياسيّة عابرة للقارات؟
وهل ينجح المغرب في تحويل معركته حول الصحراء من نزاع إقليمي إلى نموذج دولي لتدبير الاختلاف داخل الدولة الوطنيّة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكمن في الوقائع وحدها، بل في القدرة على قراءة السياسة كحقل للمعنى، حيث تتقاطع الجغرافيا بالتاريخ، وتتحوّل الدبلوماسيّة من إدارة وتدبير للمواقف إلى إنتاج للشرعيّة.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...