ذ.السهلي بلقاسم
مدينة فاس أحد أعرق مدن المملكة المغربية ، وعلى غرار شقيقاتها في مدن الاسلامية بغداد العباسية وتونس والمهدية ومدينة الزهراء العامرية في قرطبة، اختلفت الراويات حول تأسيسها ، بين ما هو أسطوري * وما هو تاريخي ، تأسست 191 هجرية على يد الامام إدريس الثاني . واختلفت الراويات حول أصل اسم المدينة ، غير أن جميع هذه الراويات ترى بأنها منذ تأسيسها ، كانت ولازالت مدينة علم وعلماء ، حتى أن بعض المؤلفات تروي دعاء الامام ادريس الثاني ايدنا بانطلاق اشغال البناء إذ رفع يديه إلى السماء ودعا قائلا:
“اللهم إجعلها دارعلم وفقه،يتلى بها كتابك وتقام بها سنتك وحدودك، واجعل اهلها متمسكين بالسنة والجماعة ما أبقيتها ” ثم قال ” باسم الله الرحمن الرحيم، و الحمد لله، والأرض لله يورثها من
يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين”(1)
واعتبارا لجغرافيتها المتشكلة من مدينتين ،عدوة الاندلس وعدوة القرويين .لذلك كان أهم ما ميز هذه المدينة بالإضافة إلى كونها مدينة تاريخية عريقة وعاصمة علمية عامرة ، هندستها المعمارية المتمثلة بحزام ممتد من الأبواب التاريخية ، التي لعبت دورا اجتماعيا واقتصاديا وعسكريا مهما ، في تحصين المدينة من الهجمات والغزوات والحفاظ على السلم الاجتماعي داخل الاسوار. التي كانت تتعايش خلفها مجتمعات مختلفة الاعراق و الاديان و المشارب في حارات سميت بأسماء سكانها كحارة الفرس وأهل العراق وحارة اليهود وحارة القيروان (2)
أبواب المدينة:
لقد بنيت ابواب مدينة فاس في فترات زمنية مختلفة ، منها ما بني في عهد الأدارسة ومنها ما بني في عهد الدولة الموحدية ومنها ما بني في عهد الحماية الفرنسية، ومن الواضح أن نظام البناء في مدينة فاس عند تأسيسها ، قد أثر بشكل كبير في تخفيف العصبية العرقية و الدينية ، ومهد لسبيل حسن الجوار والتعايش السلمي ، والاندماج التدريجي مبدئيا بين كافة السكان ، ونشر ظروف التفاهم والتعاون ، بهدف نشر الطمأنينة و الأمن (3)
كما ساهمت هذه الاسوار والأبواب في لعب دورا اقتصاديا مهما ، في خلق جو من المنافسة والاجتهاد في كافة الانشطة الاقتصادية والاجتماعية ، ومهد لما غرفته هذه المدينة العالمة من المظاهر الحضارية المتميزة طيلة عهد تأسيسها (4)
ومنذ تأسيسها زينت مدينة فاس بسلسلة من الابواب والأسوار .فمن جهة القبلة فتح الامام المولى إدريس بابا اسماه باب القبلة ، ثم مر بين الموضع المعروف بالفوارة وموضع زيتون إبن عطية وفتح هنالك باب سماه باب الفوارة ، ثم مر بالسور على الموضع المعروف بالمخفية إلى الوادي الكبير،وفتح هنالك باب سماه باب المخفية، وهو الباب الذي يقابل باب الفرج من عدوة القرويين .ثم تلاه باب الشيبونه ، الذي كان يقابل باب الفيصل والذي يعرف الآن بباب النقبي ، تم مر الأمام المولى إدريس بالسور إلى راس حجر الفرج، وفتح هنالك باب سماه باب سفيان ، ومر بالسور على جرواة وفتح هنالك باب سماه باب الخوخة (5)
باب الشمس:
من الأبواب التي استمدت اسمها من الطبيعة باب الشمس. الذي يقع بالقرب من حديقة جنان السبيل التي تعبر متحفا طبيعيا للنباتات والأشجار، وهو باب ضخم يحد ساحة الجنود الذي كانت تحتضن في العهد المرابطي القصبة المرابطية وقصبة الوادي الموحدية ، التي لم يتبقى منها سوى مسجد أبو الجنود الذي يعتبر ثالث مساجد مدينة فاس التاريخية، إلى جانب مسجد الأندلس ومسجد القرويين . وتعتبر ساحة أبو الجنود وأسوارها الشمالية، التي تعود إلى العهد العلوي شأنها في ذلك شأن باب الشمس، تعتبر الساحة رابط بين المدينتين ، فاس القديم الذي بناه الأدارسة و فاس الجديد الذي بناه المرينيون .
باب جيزة :
وأصله باب عجيزة ، يقع الباب في الشمال الشرقي من المدينة العتيقة . وعجيزة إسم أحد الملوك الذين حكموا فاس بعد الادارسة في القرن العاشر ميلادي. واسمه الكامل هو “عجيزة بن دوناس الزناتي بنحمامة بن المعزبن عطية المغراوي” وجاء تشيد هذا الباب على سور الموحدين نتيجة للخلاف بين الملك عجيزة الزناتي، وبين أخيه فتوح بن دوناس الزناتي ولقد أكد ابن خلدون بأن كثرة الاستعمال حولت باب عجيزة إلى باب الجيزة بحذف العين للتخفيف وكثرة الاستعمال (6)
باب فتوح:
باب الفتوح و يعرف باللهجة المغربية بباب فتوح وهو من الأبواب الرئيسة لمدينة فاس ، يقع الباب بالسور الشرقي لعدوة الأندلس .وتذكر كتب التاريخ ، بأن باب أبو الفتوح بني في فترة زمنية حرجة من تاريخ المدينة ، نتيجة للحرب التي دارت بين الاخويين أبو الفتوح بن دوناس و العجيزة بن دوناس من قبيلة الزناتة ، حول من يحكم مدينة فاس . لذلك لعب باب فتوح دورا عسكريا واجتماعيا واقتصاديا مهما عبرتاريخ المدينة .ويعتبر الآن مركزا تجاريا مهما للمدينة وللجهة الشرقية من المملكة.
: باب المكينة
لا يمكن الحديث عن أبواب فاس العتيقة دون الحديث عن باب المكينة، الذي يوثق للفترة المرينية وبنيّ هذا الباب عام 1885 م بأمر من السلطان العلوي المولى الحسن الاول، ليكون مدخلا لمنشئات تصنيع الأسلحة ، لذلك نعت هذا الباب وسمي بباب المكينة ، نسبتا إلى مكينة صنع السلاح ، بعد أن كان يسمى باب السبع نتيجة لفخامة بنيته المعمارية، حسب موارد في بعض النصوص التاريخية المرينية. وبعد أن استوفى هذا الباب مهمته العسكرية، أصبح الآن من الأبواب التي تحتضن أهم الأنشطة الثقافية والمهرجانات الموسيقية العالمية.
باب أبو الجنود:
ابو الجنود، يسمى باللهجة المغربية باب بوجلود، لارتباط مدينة فاس العتيقة بالصناعات الجلدية. ويعتبر الباب واجهة سياحية لزوار مدينة فاس، ورمزا لمدينتها العتيقة ويعتبر من أحدث أبواب المدينة. وتذكر كتب التاريخ أن قوات الحماية الفرنسية هي من بنت هذا الباب سنة1913م (7) للتعبير عن حرص الفرنسيين واحترامهم وإعجابهم بالتراث المعماري القديم لمدينة فاس العتيقة. التي تتزن بسلسلة من الاسواروالأبواب المفتوحة دلالة على كرم الضيافة وحرارة الترحيب بالزوار والسياح الباحثين عن عبق التاريخ وإسراره المثيرة.
الهوامش:
* هنالك العديد من الاساطير حول أصل اسم مدينة فاس،منها ما هو مرتبط بالخرافة ومنها ما هو مرتبط بالبعد الديني ومنها ما هو مرتبط باللغة الامازيغية لغة سكان المغرب الاصليون .
(1) تاريخ مدينة فاس من التاسيس إلى اواخر القرن العشرين ، الثوابت و المتغيرات، مجموعة من الباحثين الاكاديميين، مطبعة سيباما، فاس، الطبعة الاولى ،2010، ص25
(2) المصدر نفسه ،ص47
(3) المصدر نفسه ،ص47
(4) المصدر نفسه ،ص47
(5) المصدر نفسه ،ص44
(6) حوار مع الدكتور منير إصبعي، اكاديمي متخصص في التاريخ والآثار الإسلامية.
(7) حوار مع الدكتور منير إصبعي، اكاديمي متخصص في التاريخ والآثار الإسلامية.





