السيادة الرمزيّة وكرم التنظيم: قراءة في الصخب والضجيج المصاحب لتنظيم المغرب لكأس أمم إفريقيا
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار
يتطرق هذا المقال إلى موقفٍ تحليلي مفاده أن الجدل المثار حول تنظيم المغرب لكأس أمم إفريقيا، خاصة ما يتصل بسؤال “الكلفة” ومظاهر الكرم، يعكس اختزالًا مخلًا لطبيعة التظاهرات الكبرى بوصفها أفعالًا سياديّة مركبة، لا مجرد قرارات مالية قابلة للمحاسبة الأخلاقيّة المباشرة.
ويُجادل المقال بأن التنظيم يدخل ضمن منطق القوة الناعمة واقتصاد السمعة، وأن الضجيج المصاحب له لا ينتج نقدًا إصلاحيًا بقدر ما يُعيد تدوير وإنتاج تصورات تبسيطيّة تفصل الحدث عن سياقه الاستراتيجي والدولي.
– أولًا: سياق عام: حين يتجاوز الحدث الرياضي حدوده التقنيّة
لم تعد التظاهرات الرياضيّة القاريّة والدوليّة مجرد مناسبات تنافسيّة أو استعراضيّة، بل تحولت إلى فضاءات كثيفة الدلالة، تختبر فيها الدول مدى قدرتها على إدارة وتدبير الصورة، وضبط الخطاب، وتكريس موقعها داخل منظومات إقليميّة ودوليّة جد معقدة.
في هذا السياق، جاء تنظيم المغرب لكأس أمم إفريقيا بوصفه امتدادًا لمسار مؤسساتي طويل في استثمار الرياضة كرافعة رمزيّة، وليس حدثًا معزولًا عن إستراتيجيّة الدولة.
غير أن الجدل المصاحب للتنظيم كشف عن مفارقة لافتة: فبدل أن ينصب النقاش على جودة التنظيم، أو أثره البنيوي، أو موقعه ضمن رؤية تنمويّة أشمل، جرى اختزاله في سؤال جزئي حول “الكلفة”، غالبًا دون ربطه بالسياق، العام أو بالعائد الرمزي، أو بطبيعة القرار السيادي ذاته.
– ثانيًا: التنظيم كفعل سيادي مركب
تنطلق هذه الورقة من فرضيّة أساسيّة مفادها أن تنظيم التظاهرات الكبرى هو فعل سيادي متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصاديّة مع الرهانات السياسيّة والرمزيّة والثقافيّة.
فالدولة، حين تستضيف، لا تؤدي “خدمة” قابلة للتقييم الاستهلاكي، بل تمارس حقًا سياديًا في تمثيل ذاتها، وصياغة صورتها، وتثبيت موقعها داخل فضاء تنافسي دولي.
من هذا المنظور، يصبح سؤال “الكلفة” حين يُطرح بمعزل عن هذا التعقيد سؤالًا ناقصًا، لأنه يفترض ضمنيًا أن الإنفاق العمومي لا يكتسب مشروعيته إلا من خلال عائد مالي مباشر، متجاهلًا أن كثيرًا من مكاسب الدولة تُقاس بالثقة، والأمن والاستقرار الرمزي، وتراكم السمعة، وهي عناصر لا تُختزل في مؤشرات محاسبيّة قصيرة المدى.
– ثالثًا: الجواب السيادي وإدارة وتدبير الإحراج الرمزي
يُضيء هذا النقاش استحضار نموذج تاريخي دال من الذاكرة السياسيّة المغربيّة، حين واجه الملك الحسن الثاني رحمه الله سؤالًا صحافيًا حول كلفة الاحتفالات الوطنيّة بعيد الشباب في ظل الفقر، فأجاب: «وهل طُلِب منك أن تؤدي فاتورة ما تناولته من طعام حتى تسأل عن التكلفة؟»
تكمن أهمية هذا الجواب لا في طرافته، بل في دلالته العميقة: فهو لا ينكر وجود إشكالات اجتماعيّة، لكنه يرفض تحويلها إلى أداة مساءلة انتقائيّة تُستعمل فقط عند ممارسة الدولة لحقها في التمثيل الرمزي.
إنه جواب يُعيد ضبط العلاقة بين الضيف والمضيف، وبين السؤال وحدوده، ويُجسد فهمًا متقدمًا للسيادة بوصفها قدرة على التحكم في إطار النقاش، لا الانسحاب منه.
– رابعًا: الكرم والقوة الناعمة: من الأخلاق إلى الاستراتيجية
تتبنى هذه الورقة موقفًا واضحًا مفاده أن الكرم في التظاهرات الدولية ليس مجرد قيمة ثقافيّة أو سلوك أخلاقي، بل عنصر بنيوي في القوّة الناعمة.
فالدول التي تستضيف لا تراهن فقط على نجاح تقني، بل على بناء انطباع طويل الأمد، وتعزيز الثقة، وترسيخ صورة الاستقرار والكفاءة.
وعليه، فإن مساءلة الكرم بمنطق “الهدر” أو أ لتدبير فقط، دون إدماجه في تحليل أوسع لاقتصاد السمعة، تُعدّ قراءة قاصرة، لأنها تفصل الفعل عن مقصده الاستراتيجي.
فهل يُطلب من الدول أن تُخفي قدرتها التنظيميّة حتى لا تُتهم بالإسراف والتبذير؟ أم أن المشكلة تكمن في عجز بعض الخطابات عن الاعتراف بأن السيادة تُمارس أيضًا عبر الرموز؟
– خامسًا: الضجيج وحدود النقد
تميّز هذه الورقة بين النقد بوصفه ممارسة معرفيّة تهدف إلى التقويم، وبين الضجيج بوصفه آلية رمزيّة لتفريغ الحدث من معناه. فالنقد الجاد ينطلق من تحليل السياق، وتحديد المعايير، وربط الإنفاق بالعائد، أما الضجيج فيكتفي بإثارة الأسئلة دون تحمل تبعاتها المنهجيّة.
وفي كثير من حالات الجدل المصاحب للتنظيم، بدا أن السؤال لم يكن موجّهًا لتحسين الأداء أو تعميق النقاش، بل لإعادة إنتاج وتدوير سرديّات جاهزة حول “الأولويّة” و“الاستحقاق”، دون مساءلة افتراضاتها أو انتقائيّتها.
– سادسًا: مغرب التنظيم الهادئ واستمراريّة منطق وُجود الدولة
يكتسب تنظيم كأس أمم إفريقيا معناه الأعمق حين يُقرأ ضمن استمراريّة الدولة المغربيّة ووجودها في إدارة وتدبير الوقائع والأحداث الكبرى بهدوء مؤسسي، بعيدًا عن الانفعال أو الخطاب التبريري.
فكما كانت إدارة وتدبير الخطاب سياديّة في زمن الحسن الثاني، تتجسد اليوم في ممارسة تنظيميّة واثقة في عهد جلالة الملك محمد السادس، حيث يُترك الفعل لنتائجه، لا للضجيج المرافق له.
وهنا يتبدّى سؤال ضمني حاسم: هل ما يربك بعض الأصوات هو كلفة التنظيم، أم كلفة الاعتراف بأن هناك نموذجًا قادرًا على الجمع بين الكرم والكفاءة دون طلب تصفيق أو إذن؟
نستنتج من خلال هذا كله، المواقف التالية:
1. تنظيم المغرب لكأس أمم إفريقيا فعل سيادي مشروع، لا يُقاس فقط بمعايير الإنفاق المباشر.
2. سؤال الكلفة يفقد قيمته التحليليّة حين يُفصل عن العائد الرمزي والاستراتيجي.
3. الكرم جزء من القوة الناعمة، وليس نقيضًا للتنمية أو العدالة الاجتماعية.
4. الضجيج المصاحب للتنظيم لا يُنتج نقدًا إصلاحيًا بقدر ما يعكس أزمة قراءة للفعل السيادي.
وبالتالي، تخلص هذه الورقة إلى أن السؤال الجوهري ليس: كم كلف التنظيم؟ بل: ما الذي يكلفه اختزال السيادة في منطق محاسبي ضيق؟
فبين دولة تُتقن التنظيم وتتحمل تكلفته ضمن رؤية استراتيجية، وخطابٍ يُصرّ على تفريغ الحدث من معناه، يتحدد الفارق بين من يُنتج الفعل العام، ومن يكتفي بإدارة وتدبير وإنتاج وتدوير الضجيج والصّخب حوله.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





