مستقبل العراق بين رؤية مارك سافايا ورؤية توم براك

 

 

 

 

أمير المفرجي
كاتب عراقي

 

 

مع تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني، وخطورة الأوضاع في إيران، وتزامنها مع تحذير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن الولايات المتحدة ستتوقف عن دعم العراق، إذا تمت إعادة تدوير رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى السلطة، ما قد يُفهم، بأنه يمثل إشارة لاستمرار دعم النفوذ الإيراني في العراق، وإعاقة واضحة لقرار إدارة الرئيس الأمريكي لتعيين مارك سافايا مبعوثا له في بغداد، في مهمة إصلاح الوضع السياسي، لإعادة مجد بلاد الرافدين، من خلال إعادة بناء أسس الدولة الوطنية، الذي ترجمته تدوينته الأخيرة على منصة إكس بقوله «تحت قيادة ترامب لنجعل العراق عظيماً من جديد»، لضمان عراق قوي وموحد بعيدا عن الصراعات الإقليمية.
فبالإضافة إلى تركيز المبعوث الأمريكي للعراق على مفردات السيادة، وضرورة نزع سلاح الفصائل المسلحة وإنهاء النفوذ الإيراني، ترجم الفيتو على ترشيح المالكي، حجم الجهود الأمريكية وحرصها على إدارة مباشرة لملفات الطاقة والأمن العراقية، وبالتزامن مع البدء في اختيار الحكومة الجديدة، التي جعلت من محاولة إعادة تدوير نوري المالكي، عائقاً لعودة هادئة للولايات المتحدة إلى قلب المشهد العراقي، وكسرا لنفوذها الاقتصادي والسياسي المباشر في العراق، بما فيها قدرة النظام السياسي في الموازنة بين الشراكة مع واشنطن واستمرار الارتباط المذهبي الإقليمي، الذي لم ينته بعد من تهديد وحدة العراق ويفشل في إعادته كبلد قوي وموحد.

وبانتهاء الانتخابات العراقية، بترتيب مُنظم وقريب من تمنيات السلطة الحاكمة ومحيطها الإقليمي على حد سواء، وبقدر ما أظهرت إعادة تدوير نوري المالكي، حجم وخطورة العلاقة، بين المشهد السياسي القادم، ومستقبل وحدة العراق، شكل فيتو الرئيس الأمريكي على تولي المالكي لفترة أخرى في حكم البلاد، محور الجدل الدائر والمساعي الجادة لإبعاده عن هذا المنصب، من جانب القوى الوطنية، تفاديا لانزلاق البلد نهائيا في حرب أهلية، سوف تؤدي لا محالة إلى تفتيته، بعد أن مهدت عملية احتلال العراق إلى تقسيم العراقيين شكليا إلى شيعة وسنة وكرد وأقليات. في المقابل، يبدو أن ارتباك المشهد السياسي العراقي وقلقه مما يحدث في إيران، ينذر بمتغيرات مقبلة، ويصعد من احتمالات اختلال استمرار المعادلة الطائفية التي قادتها إيران في بلاد الرافدين منذ 2003، ما قد يساعد في دخول البلاد في إشكالية جديدة ناتجة من رغبة بعض قادة التيارات والأحزاب، الاستمرار على تشجيع الثقافة الطائفية والقومية الانفصالية، والمسارعة بتجزئة العراق للحفاظ على مصالحهم الضيقة، من خلال القبول بمخطط خارجي مُتقن للتفكيك، هدفه تقسيم بلاد الرافدين على مقياس طائفي وقومي، تماشياً مع ما يُقال ويرسم للعراق وللشرق الأوسط في المستقبل، وتزامنا مع تصاعد صراع القوى العظمى في شتى بقاع العالم، نتيجة للصعوبات التي تواجه سياسة الرئيس ترامب في أوروبا وأمريكا الجنوبية، ناهيك من صراع المصالح الأمريكية الأوروبية الصينية في آسيا، الذي يدخل ضمنه العراق، ما قد ينذر بالقبول في النهاية بواقع جيوسياسي جديد، وإعادة رسم حدود سايكس بيكو، التي لم تعد صالحة في نظر المبعوث الأمريكي توم براك، الذي يرى في ثقافة نوري المالكي والأحزاب الطائفية والانفصالية سندا في طعن العراق، وشرعية مساحته الجغرافية التي تمثلها بلاد الرافدين، والتي هي الحاضنة التاريخية للأمة العراقية، والتي تدخل ضمن مهمة مارك سافايا، المُعلنة رسمياً لجعل العراق عظيماً من جديد.
لا شك أن تشكيك المبعوث الأمريكي توم براك، وعدم اعترافه بشرعية وتاريخ الشرق الأوسط، من خلال وصف دول وشعوب منطقة الشرق الأوسط ومن ضمنها العراق، على إنها ليست سوى مجموعة من القبائل والقرى التي جرى تقسيمها على أيدي القوى الأوروبية، قد يدفع في النهاية على تشجيع الثقافة الطائفية والقومية الانفصالية والمسارعة بتجزئة العراق، بعد أن تمكن قادة الأحزاب الفئوية، من تثبيت أسسهم وتوسيع قدرتهم في رسم الأهداف الفئوية الخاصة، عن طريق سرقة أموال العراقيين وتجيير المال العام خدمة لأهداف طائفية وقومية، بعد أن تغاضي المجتمع الدولي لأكثر من عقدين عن هذه المأساة وسمح باستمرار ودعم نظام المحاصصة ضاربا بعرض الحائط وحدة العراق والعراقيين.
وما بين رؤية مارك سافايا ورؤية توم براك لمستقبل العراق، أصبح من الواضح لكل ذي بصيرة وطنية، أن إعلان الإطار التنسيقي بترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، وما قابله من ترحَّيب من قبل الزعيم الكردي مسعود البارزاني، لمنصب رئيس الوزراء فور إعلان ترشيحه، وتأكيد دعمه له في معالجة القضايا والخلافات، وتجاوز العقبات، والترحيب الكردي اللافت بعودته، يتزامن مع رؤية التقسيم التي يحملها المبعوث الأمريكي لسوريا، ما قد يعيق من مهمة مبعوث ترامب في العراق، إذا أخذنا بعين الاعتبار الفرق الكبير والمساحة الواسعة التي تبعد أجندات المبعوثين، على الرغم من حقيقة تشابه سياسة الإدارة الأمريكية في تعاملها في منطقة الشرق الأوسط وهنا بيد القصيد.
من هنا، فإن نجاح إعادة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، من خلال دعم كردي واضح، لا ينطلق من منطق المصلحة الوطنية القادرة على إرجاع عظمة العراق، الذي حملته مهمة مارك سافايا، بل يدخل ضمن خفايا التصريحات التي حملها توم براك، التي تدخل ضمن سياق منطق تهميش العراق، والتأثير على استقلالية الدولة والنظام السياسي المراد بناؤه في المستقبل، تماشيا مع نظرية إعادة ترتيب أوراق المنطقة، التي جاءت بها مؤامرة تدمير بلاد الرافدين وإخراجها من الساحة الجغرافية السياسية المؤثرة، وانسجاما مع بنود خريطة الشرق الأوسط الجديد، التي يراد منها وأد اتفاقية سايكس – بيكو الموقعة عام 1916، وتوجيه أصابع الاتهام زوراً على شعوب المنطقة على أنها السبب الرئيسي لكل هذه لأزمات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...