فشل قوى اليسار المغربي في بناء قواعد تنظيمية وشعبية داخل العالم القروي: تحليل نقدي
الحيداوي عبد الفتاح باحث
الملخص
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الأسباب العميقة والمتعددة التي أدت إلى فشل قوى اليسار المغربي في ترسيخ قواعد تنظيمية وشعبية داخل العالم القروي منذ نشأتها في ستينيات القرن الماضي. على الرغم من تبني خطاب نظري يدعم قضايا الفلاحين والكادحين، إلا أن اليسار ظل ظاهرة نخبوية وحضرية إلى حد كبير. يكشف هذا البحث عن تفاعل معقد بين عوامل بنيوية داخلية، وخصوصيات الخطاب اليساري، وهيمنة الثقافة التقليدية والدين، بالإضافة إلى استراتيجيات الدولة التي ساهمت في تهميش اليسار وعزله عن الفضاء القروي.
المقدمة
شكلت قضية العالم القروي والفلاحين محورا أساسيا في الخطاب النظري لقوى اليسار المغربي منذ عقود. ففي سياق ما بعد الاستقلال، حيث كانت الأغلبية الساحقة من السكان تعيش في الأرياف، كان من المنطقي أن تسعى هذه القوى إلى بناء قاعدة جماهيرية في هذا الوسط. ومع ذلك، تشير الملاحظات التاريخية والسياسية إلى أن اليسار المغربي واجه صعوبات جمة في اختراق العالم القروي، وتأسيس وجود تنظيمي وشعبي مستدام فيه. هذا الفشل لم يكن مجرد عثرة عارضة، بل نتيجة لتفاعل مجموعة من العوامل المتشابكة التي تستدعي تحليلا نقديا معمقا. يتناول هذا البحث هذه العوامل من خلال محاور رئيسية، بدءا من البنية المعقدة للعالم القروي، مرورا بخصوصيات الخطاب اليساري، وصولا إلى دور الثقافة التقليدية والدين، واستراتيجيات الدولة في إضعاف اليسار.
المحور الأول: العالم القروي: بنية مغلقة أمام التغيير
على الرغم من أن العالم القروي المغربي ظل، إلى حدود متأخرة من القرن العشرين، يشكل الكتلة السكانية الأكبر، فإنه بقي فضاء عصيا على الاختراق بالنسبة لمشاريع التغيير الاجتماعي والسياسي، خاصة تلك التي حملتها القوى اليسارية بمختلف تلاوينها. هذا المعطى لا يمكن اختزاله في عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين بنيات تاريخية وسوسيو-اقتصادية وثقافية، أسهمت مجتمعة في إنتاج نوع من المناعة القروية تجاه الخطاب السياسي الحديث.
فمن الناحية السوسيو-اقتصادية، كان العالم القروي المغربي قائما أساسا على اقتصاد الكفاف، المعتمد على الزراعة البعلية وتربية الماشية، في ظل تبعية شبه كاملة للعوامل الطبيعية، وعلى رأسها الأمطار. هذه الهشاشة البنيوية جعلت الفلاح منشغلا بتدبير اليومي وضمان البقاء، أكثر من انخراطه في نقاشات إيديولوجية كبرى حول الاشتراكية أو الصراع الطبقي أو التحرر الوطني. فخطاب اليسار، الذي صيغ في الغالب بلغة نظرية متأثرة بالتجارب العالمية وبالمرجعيات الماركسية، لم يستطع أن يترجم نفسه إلى إجابات عملية ومباشرة عن الأسئلة الملحة التي يطرحها الفلاح: كيف يواجه الجفاف؟ كيف يؤمن قوته اليومي؟ كيف يحمي أرضه وقطيعه؟ يضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية في القرى، من طرق وكهرباء ومرافق صحية وتعليمية، ما عمق العزلة بين العالم القروي والمدينة، وحال دون انتقال الأفكار والتنظيمات السياسية بسهولة. كما أن الانتشار الواسع للأمية حرم اليسار من أدواته التقليدية في التعبئة، مثل الصحف والمنشورات والبيانات، وجعل خطابه نخبويا محصورا في الفضاءات الحضرية والجامعية.
أما من الناحية الديموغرافية والجغرافية، فقد كان الثقل العددي للعالم القروي يقابله تشتت مجالي كبير. فالساكنة القروية كانت موزعة على آلاف الدواوير والقرى المعزولة، ما جعل أي محاولة لبناء تنظيم سياسي قار تتطلب إمكانيات لوجستية وبشرية ضخمة، لم تكن متوفرة لليسار، خاصة في ظل القمع السياسي وضعف الموارد. كما أن غياب نخبة قروية متعلمة، قادرة على لعب دور الوسيط الثقافي والسياسي بين الخطاب اليساري وساكنة القرى، ساهم في تعميق الفجوة بين الطرفين. فمعظم الأطر اليسارية كانت منحدرة من المدن أو متمركزة فيها، وتحمل تصورات ومفاهيم لا تنسجم دائما مع أنماط التفكير والعيش في البادية.
إلى جانب ذلك، لعبت بنية الضبط المخزني دورا حاسما في إغلاق المجال القروي أمام العمل السياسي المعارض. فالمخزن لم يكن حاضرا في القرية فقط عبر الإدارة الرسمية، بل من خلال شبكة معقدة من القواد والشيوخ والمقدمين والأعيان، تقوم على علاقات الولاء والزبونية والرقابة المتبادلة. هذه البنية التقليدية-السياسية كانت تراقب أي محاولة للتنظيم أو التعبئة، وتواجهها بأساليب متعددة، تتراوح بين الترهيب الأمني والعزل الاجتماعي وقطع المنافع. في فضاء تحكمه علاقات شخصية وروابط قرابية قوية، كان مجرد الاشتباه في الانخراط السياسي كفيلا بإقصاء الفرد من محيطه، وهو ما جعل كلفة الالتزام السياسي مرتفعة للغاية بالنسبة للفلاح.
ولا يمكن إغفال البعد الثقافي والقيمي، الذي شكل بدوره حاجزا أمام اختراق الخطاب اليساري. فقد ظلت الثقافة التقليدية، القائمة على المرجعية الدينية والقبلية، مهيمنة في العالم القروي. وكان الفلاح يميل إلى الثقة في الفقيه أو الشيخ أو الزاوية باعتبارهم مصادر للشرعية والمعنى، أكثر من ثقته في الأحزاب والتنظيمات الحديثة. كما أن التصور القدري للحياة، الذي يرى في الفقر والجفاف والحرمان امتحانا إلهيا أو قدرا مكتوبا، قلل من قابلية تبني خطاب سياسي يقوم على فكرة الصراع والتغيير الجذري. فالدعوة إلى الثورة أو المواجهة مع السلطة بدت، في هذا السياق، غريبة عن منظومة القيم السائدة، بل ومهددة للتوازن الاجتماعي القائم.
في مقابل عجز اليسار عن التكيف مع خصوصيات العالم القروي، استطاعت السلطة أن تطور استراتيجيات بديلة لإعادة إنتاج الولاء، خاصة في العقود اللاحقة. فقد لجأ المخزن إلى سياسات وبرامج ذات طابع اجتماعي-براغماتي، مثل الإنعاش الوطني ثم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ركزت على تلبية الحاجات المباشرة للسكان: الماء الصالح للشرب، فك العزلة، دعم المواد الأساسية، خلق فرص شغل مؤقتة. هذه المقاربة، رغم محدوديتها، كانت أكثر قربا من انتظارات الفلاح، وأكثر قدرة على ترسيخ صورة الدولة كفاعل حاضر ومُعيل، في مقابل خطاب يساري ظل، في نظر الكثيرين، مجرد وعود بعيدة أو شعارات لا تلامس الواقع اليومي.
وهكذا، فإن صعوبة اختراق العالم القروي المغربي لمشاريع التغيير اليسارية لم تكن نتيجة محافظة الفلاح فحسب، بل حصيلة تفاعل بنيوي بين الفقر والهشاشة، والعزلة الجغرافية، والضبط المخزني، والثقافة التقليدية، إضافة إلى إخفاق اليسار نفسه في تطوير خطاب وممارسة تنطلق من الواقع القروي وتستوعب خصوصياته. وهو ما يفسر، إلى حد كبير، لماذا ظل المجال القروي، رغم ثقله الديموغرافي، خارج معادلات الصراع السياسي الحديث، ومجالا مفضلا لإعادة إنتاج السلطة أكثر من كونه قاعدة للتغيير.
المحور الثاني: خطاب اليسار الفلاحي: بين النظرية المستوردة والواقع المحلي
. عانى خطاب اليسار المغربي حول القضية الفلاحية من فجوة بنيوية عميقة بين طموحاته النظرية وقدرته الفعلية على ملامسة الواقع القروي، وهي فجوة لم تكن عرضية بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لطبيعة المرجعيات التي استند إليها هذا الخطاب، وللبيئة الاجتماعية التي صيغ داخلها. فقد تبنّى اليسار، خصوصًا في صيغته الماركسية-اللينينية، تصورا للفلاح مستمدا إلى حد بعيد من التجارب الثورية العالمية في الصين وكوبا وفيتنام، حيث شكل الفلاحون قوة اجتماعية منظمة داخل سياقات اتسمت بوجود إقطاعيات واسعة وصراعات حادة حول الأرض، وبتحول الفلاح إلى فاعل مركزي في مشروع الثورة. غير أن إسقاط هذه النماذج على الحالة المغربية تم بشكل شبه ميكانيكي، دون مراعاة الخصوصيات التاريخية والاجتماعية التي حكمت تشكل المجال القروي بالمغرب، حيث لم تكن ملكية الأرض ولا البنية الاجتماعية ولا أنماط السلطة مشابهة لتلك السياقات. فالفلاح المغربي كان يتحرك داخل شبكة معقدة من العلاقات التقليدية، تتداخل فيها سلطة المخزن مع النفوذ القبلي والولاءات المحلية والأعراف الجماعية، ما جعل مفاهيم مثل (الفلاحين الكادحين) و(الثورة الزراعية) تبدو مجرد شعارات عامة، غير قادرة على اختراق الواقع أو تحويل نفسها إلى برامج عملية قابلة للتنزيل.
إلى جانب ذلك، اتسم خطاب اليسار حول الفلاحة بطابع نخبوي واضح، إذ تشكل أساسا داخل الفضاءات الحضرية، خصوصا الجامعات والأوساط الثقافية، وظل موجها إلى دائرة ضيقة من المثقفين والطلبة، أكثر مما كان موجها إلى الفلاحين أنفسهم. فبدل الانغراس في القرى والحقول، ومراكمة معرفة ميدانية دقيقة بتجربة الفلاح اليومية، ظل النقاش حول القضايا الزراعية والفلاحية حبيس النصوص الأيديولوجية واللغة النظرية الثقيلة. وقد أدى هذا إلى قطيعة معرفية وثقافية بين الخطاب اليساري والعالم القروي، حيث كان الفلاح يتحدث بلغة الأرض والمطر والسقي والقبيلة، بينما كان اليساري يخاطبه بلغة الصراع الطبقي والثورة البروليتارية والتحليل البنيوي، دون جهد كاف للترجمة أو التبسيط أو الإصغاء. وبدل أن يتحول الخطاب إلى أداة تواصل وتعبئة، أصبح عامل نفور وعزلة، يعمق المسافة بين الطرفين.
وقد انعكس هذا الخلل النظري والنخبوي على مستوى الممارسة، حيث ظل حضور اليسار في المجال القروي محدودا وضعيفا. فندرت المبادرات الزراعية المستقلة التي كان يمكن أن تشكل مختبرا عمليا للأفكار، وضعفت محاولات التنظيم النقابي للفلاحين، كما غاب الانفتاح الجدي على الأشكال التقليدية للتضامن القروي، مثل أنماط السقي الجماعي، أو مؤسسة “الجماعة”، أو الأعراف المحلية التي كانت تؤطر الحياة الفلاحية. وبدل الاشتغال من داخل هذه البنيات وإعادة توظيفها في اتجاه تحديثي تدريجي، فضّل الخطاب اليساري غالبا القطيعة معها بوصفها بقايا تقليدية أو ما قبل-رأسمالية، دون إدراك لدورها الوظيفي والاجتماعي. وهكذا، لم يستطع اليسار تحويل خطابه حول الفلاحة إلى قوة تعبئة اجتماعية حقيقية داخل القرى، وبقي يدور في فضاء ضيق من النقاشات الفكرية، بعيدًا عن هموم الفلاح البسيط وتحدياته اليومية. ونتيجة لذلك، ظل هذا الخطاب عن الفلاحين أكثر مما كان مع الفلاحين، أي رؤية من فوق تحاكم الواقع بمنظور نظري جاهز، دون بناء جسور فعلية مع الأرض ومن يفلحها.
المحور الثالث: هيمنة الدين والثقافة التقليدية كحصن رمزي
شكل الدين والثقافة التقليدية منظومة رمزية تحمي المجتمع القروي من أي اختراق خارجي لا ينسجم مع مرجعياته. لم ير الفلاح المغربي في نفسه مجرد كائن اقتصادي، بل ابن بيئة مشبعة بالقيم الدينية والعادات الموروثة. هذه المنظومة لم تكن مجرد خلفية ثقافية، بل شكلت سورا نفسيا ورمزيا، جعل الخطاب اليساري، خاصة في نسخته الماركسية ذات النزعة المادية، غريبا عن أفقه الثقافي والروحي، وعلمانيا.
1 دور البنى التقليدية
لم تكن الزوايا والمساجد والأضرحة مجرد مؤسسات دينية تؤطر التدين الفردي، بل كانت مراكز تنظيم اجتماعي متكاملة. لعبت الزوايا أدوارا سياسية وتعبوية عبر التاريخ، سواء في مقاومة الاستعمار أو في ضمان الولاءات للمخزن. كانت المساجد فضاء يوميا لتشكيل الوعي الجماعي للفلاحين، حيث يتداخل الديني بالسياسي والاجتماعي. أما الأضرحة، فبما لها من حمولة رمزية وروحية، مثلت صلة بالذاكرة الجماعية والقداسة المحلية. رسخت هذه البنى قيم الطاعة والاحترام والارتباط بالشرعية الدينية للسلطان. وهكذا، وجد اليسار نفسه أمام مؤسسات راسخة وقادرة على إفراغ خطابه من أي قوة اختراق، لأنها تقدم للفلاح إطارًا دينيًا واجتماعيًا متماسكًا يصعب تجاوزه.
2 فشل اليسار في تقديم بديل ثقافي
على عكس الإسلاميين الذين وجدوا في هذه البنى التقليدية جسرا للتغلغل عبر الخدمات الاجتماعية والدعوية (دروس الوعظ، حملات التضامن، التعليم الديني، الأعمال الخيرية)، ظل اليسار عاجزا عن بناء قنوات رمزية مع الفلاح. بل إن خطابه:
حمل أحيانا نزعة استعلائية تجاه الدين، فهم منها أنه يسعى إلى علمنة مجتمع متدين.
مال إلى لغة نخبة حضرية بعيدة عن المرجعية الروحية للريف والبادية.
تجاهل أن الفلاح لا ينظر إلى الدين كقضية إيمانية فردية فحسب، بل كإطار يضمن الاستقرار الاجتماعي والشرعية السياسية.
وهكذا، بدا اليسار كجسم دخيل على الثقافة المحلية، في حين استطاع الإسلاميون إعادة إنتاج نفس القيم التقليدية بلغة معاصرة، مما منحهم موقعا أقوى داخل القرى.
يمكن القول إن إخفاق اليسار في فهم البعد الثقافي والديني جعل مشروعه السياسي يبدو مستوردا ومنفصلا عن الهوية القروية. في المقابل، نجحت الحركات الإسلامية في إعادة تفعيل الرموز الاجتماعية والدينية التقليدية لصالحها، مقدمة نفسها كامتداد طبيعي للبنى المحلية، وليس كقوة دخيلة. وبذلك خسر اليسار رهانا جوهريا كان من الممكن أن يفتح له بابا إلى قاعدة اجتماعية أوسع في المغرب.
المحور الرابع: استراتيجيات الدولة في تهميش اليسار
لم يكن تراجع اليسار عن الريف والمجال القروي مجرد نتيجة لعوامل تخص بنيته أو خطابه، بل ارتبط أيضا باستراتيجيات دقيقة اعتمدتها الدولة المغربية منذ ستينيات القرن الماضي، هدفت إلى عزل اليسار وإبقائه محصورًا في الفضاءات الحضرية والجامعية. يمكن تحديد أبرز هذه الاستراتيجيات في ثلاثة مستويات مترابطة:
1 استراتيجية القمع والاحتواء
واجهت الدولة محاولات اليسار لاختراق العالم القروي بعنف ممنهج، تمثل في الاعتقالات والمحاكمات الصورية والحملات القمعية التي استهدفت أي نشاط نقابي أو تنظيمي في القرى. وقد رافق هذا القمع المباشر سياسة احتواء ذكية، أبقت على هامش ضيق للنشاط اليساري في المدن والجامعات، لكنه ظل تحت المراقبة الأمنية الدقيقة. وهكذا، نجحت الدولة في خلق غيتو حضري لليسار، ومنع امتداده نحو الأوساط الفلاحية التي كان يعول عليها كقاعدة اجتماعية للثورة.
2خلق أحزاب إدارية بديلة
سعت الدولة إلى ملء الفراغ السياسي في العالم القروي عبر تأسيس ودعم أحزاب موالية، وصفت بـالأحزاب الإدارية. وقد مثل حزب الحركة الشعبية نموذجا بارزا لهذا التوجه، حيث ارتكز على الروابط القبلية والتقليدية للفلاحين، مقدما نفسه كصوت للريف. بهذه الطريقة، ضمنت الدولة ولاء البنى القروية التقليدية، وقطعت الطريق أمام أي محاولة لليسار لتأطير الفلاحين. فالأحزاب الإدارية لم تكن مجرد منافس سياسي، بل أداة لضبط الريف وتحييده عن موجة المعارضة.
3 استغلال انقسامات اليسار
ساهمت الصراعات الأيديولوجية والانشقاقات الداخلية بين تيارات اليسار (ماركسية-لينينية، اشتراكية ديمقراطية، قومية…) في تشتيت قواه وإضعافه. وقد استثمرت الدولة هذه الانقسامات بمهارة، عبر تشجيع بعضها وفتح قنوات تفاوض أو استقطاب مع قيادات معينة، بينما استمرت في ضرب تيارات أخرى. بهذا الأسلوب، حولت اليسار إلى قوى متفرقة يسهل احتواؤها ومراقبتها، بدلًا من أن يكون كتلة موحدة قادرة على تشكيل بديل سياسي جاد.
4 البعد الرمزي والإعلامي
إلى جانب القمع المباشر، لجأت الدولة إلى تشويه صورة اليسار في الإعلام الرسمي، حيث صور كتيار مستورد ومعادٍ للدين والتقاليد. وهو ما عمق عزلته داخل المجتمع، خاصة في الوسط القروي المشبع بالثقافة التقليدية.
يتضح من هذا أن تهميش اليسار لم يكن نتيجة ظرفية، بل ثمرة استراتيجية شاملة جمعت بين القمع، والبدائل الحزبية، واستغلال الانقسامات، والحرب الرمزية، وهو ما جعل اليسار في المغرب قوة حضرية نخبوية أكثر منها حركة جماهيرية واسعة.
المحور الخامس: النتائج والتداعيات: عزلة المدن وفقدان العمق الشعبي
كانت النتيجة الحتمية لتراكم هذه العوامل مجتمعة هي دخول اليسار في حالة من العزلة البنيوية داخل المجال الحضري، وفشله في التحول إلى قوة جماهيرية واسعة ذات امتداد وطني شامل. فقد ظل حضوره محدودًا داخل المدن الكبرى وبعض الفضاءات الجامعية، دون أن ينجح في مراكمة وجود فعلي داخل الأوساط القروية التي تمثل الكتلة السكانية الأوسع. هذا الاختلال في التوزيع الاجتماعي والجغرافي لقواعده جعله يبدو، في الوعي العام، ظاهرة مدينية نخبوية أكثر منه حركة سياسية قادرة على مخاطبة مختلف فئات المجتمع.
انحصرت القاعدة الاجتماعية لليسار في فئات بعينها، مثل الطلبة والمثقفين وبعض العمال المنتمين إلى القطاعات المنظمة نقابيا، إضافة إلى فئات من الموظفين، وهي تركيبة اجتماعية ضيقة نسبيا لا تعكس التنوع الاجتماعي للمجتمع المغربي. وقد ساهم هذا الانحصار، إلى جانب خطاب سياسي وفكري بعيد عن الرموز الثقافية والدينية السائدة، في تعزيز صورة اليسار كقوة غريبة عن المخيال الشعبي، خصوصًا داخل العالم القروي حيث تلعب المرجعيات التقليدية والدينية دورا مركزيا في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي.
وتجلى هذا الضعف البنيوي بشكل واضح في الممارسة الانتخابية، إذ كانت نتائج أحزاب اليسار تتراجع كلما اتسعت الدوائر الانتخابية لتشمل القرى والبوادي. فرغم احتفاظه ببعض الجيوب الانتخابية في المدن الكبرى، لم يتمكن من منافسة القوى التقليدية أو الإسلامية الأكثر التصاقا بالقاعدة الشعبية. هذا العجز الانتخابي أفقده تدريجيا القدرة على التأثير داخل المؤسسات المنتخبة، وحوله من فاعل سياسي اقتراحي إلى قوة احتجاجية محدودة التأثير، ترفع الشعارات أكثر مما تصوغ البدائل القابلة للتنفيذ.
ومع مرور الزمن، أدت هذه العزلة إلى فقدان اليسار للمبادرة التاريخية في قيادة التغيير. فبعد أن كان يقدم نفسه، في مرحلة ما بعد الاستقلال، باعتباره الحامل الأساسي للمشروع التحرري والديمقراطي، أصبح متأخرا عن ديناميات الشارع ومتفاعلات المجتمع. في المقابل، نجحت قوى سياسية أخرى، وعلى رأسها التيارات الإسلامية، في ملء هذا الفراغ من خلال التغلغل في النسيج الاجتماعي عبر المساجد والجمعيات والعمل الخيري والخدمات الاجتماعية المباشرة، وهو ما منحها شرعية اجتماعية افتقدها اليسار. هذا التحول جعل اليسار يفقد موقعه كفاعل مركزي في المعارضة، ويتحول إلى لاعب ثانوي داخل معادلة سياسية واجتماعية أوسع منه وأكثر تعقيدًا.
كما ساهم هذا المسار في تعميق الهوة بين المدينة والقرية. ففي الوقت الذي واصل فيه اليسار إنتاج خطاب نخبوي يتمحور حول قضايا الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، ظل العالم القروي يرزح تحت إكراهات يومية مرتبطة بالأرض والماء والبنية التحتية والعيش الكريم. ولم ينجح اليسار في ترجمة شعاراته الكبرى إلى مقاربات عملية تستجيب لهذه الحاجات الملموسة، ما جعله يبدو بعيدًا عن هموم الفلاحين وساكنة القرى. ومن ثم، لم يكن فقدان العمق القروي مجرد عائق انتخابي ظرفي، بل نتيجة بنيوية أضعفت قدرة اليسار على أن يتحول إلى مشروع وطني جامع.
في المقابل، استطاعت السلطة توظيف استراتيجيات بديلة لإعادة إنتاج الولاء داخل العالم القروي، من خلال سياسات وبرامج ذات طابع اجتماعي وتنموي مثل “الإنعاش الوطني” ولاحقًا “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”. وقد خاطبت هذه البرامج الحاجات المباشرة للسكان، من ماء وطرق ودعم غذائي وفرص شغل مؤقتة، بمنطق براغماتي فعال، وهو ما عجز اليسار عن تقديمه أو منافسته. وهكذا، وجد اليسار نفسه محاصرًا بين خطاب نخبوي محدود الأثر، وسياسات رسمية قادرة على النفاذ إلى الواقع اليومي للساكنة، الأمر الذي عمّق أزمته وأفقده موقعه كبديل اجتماعي وسياسي حقيقي.
في الختام، يمكن القول إن فشل اليسار المغربي في اختراق العالم القروي لم يكن مجرد عثرة ظرفية، بل هو نتيجة لتفاعل معقد بين خطاب مؤدلج بعيد عن هموم الفلاحين، وسيطرة محكمة للمخزن وبناه التقليدية على البوادي، وعجز تنظيمي وثقافي لدى اليسار نفسه. لقد كشف هذا الفشل عن أزمة عميقة في قدرة المشروع اليساري الحداثي على فهم واندماج “المغرب التقليدي”. هذا الدرس التاريخي لا يزال يطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة أي مشروع سياسي على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع دون فهم عميق لواقعه الاجتماعي والثقافي، وبناء جسور حقيقية مع كافة فئاته.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





