نتقهقر ولا نتقدّم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

حسن مدن
كاتب وباحث من البحرين.

 

حين نعود إلى كتابات فكريّة عربيّة كتبت قبل عقود، بما فيها بعض ما كتب في بدايات القرن الماضي، نجد أنّنا، من حيث الجوهر، إزاء القضايا نفسها التي شغلت أسلافنا، قد تتغيّر المفردات والأسماء، لكنّ البنية العميقة للخطاب تكاد تكون هي نفسها: سؤال النهضة والتقدم والحداثة، الخوف على الهوية، الإحساس بالتخلّف عن الآخر، والحنين إلى ماضٍ يُستدعى حلّاً لمعضلات الحاضر. … كيف نفسر سر هذا التشابه، الذي يشمل أحياناً أدقّ التفاصيل، بين خطابنا العربي قبل أكثر من مئة عام وبينه اليوم، وكيف أنّ القضايا التي انشغل بها أسلافنا ما زالت هي التي تشغلنا؟ هل سنقول ما أشبه الليلة بالبارحة، وهي المرثية التي اعتاد العرب لوكها كلّما أرادوا المقارنة بين بؤس وضعهم الراهن والمُلمات التي حلّت عليهم في أزمنةٍ سابقة؟

وُلد الخطاب العربي الحديث في لحظة صدمةٍ كبرى: صدمة التفوّق الغربي، عسكريّاً وعلميّاً وإداريّاً، أما اليوم فقد أصبحنا محاطين بتجارب تفوّق أخرى. لم يعد الأمر يقتصر على التفوّق الغربي وحده، فهناك التفوّقان، الصيني والهندي، وقبلهما الياباني، علماً أنّ بواكير خطابنا الذي تعارفنا على وصفه بالنهضوي، قد تكون سابقة لنظيراتها في البلدان التي غدت اليوم متقدّمة في أوجه كثيرة، بينما الغالب في حالنا العربية التراجع والنكوص لا التقدّم والتطوّر، فالصدمة الكبرى التي أيقظت الذهن العربي قبل أكثر من قرن، لم تُهضم تاريخياً، بل جرى تدويرها، وبدل أن تتحوّل إلى وعي تاريخي منتج، تحوّلت إلى جرح مفتوح يعيد إنتاج الأسئلة نفسها:

لماذا تأخرنا وتقدّم غيرنا؟، هل الخلل في فهم الدين؟ في الاستبداد الداخلي أم في الهيمنة الكولونيالية بأوجهها المتعدّدة، قديمها وجديدها؟… في المجمل، ظلّت أسئلة النهضة المنشودة عالقة، والمراوحة كما تدلّ التجارب هي عودة إلى الوراء لا الوقوف عند نقطة محايدة، بل إنّ جذوة الأسئلة وحرارة المشاريع التي نلمسها في خطاب نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين غائبة في خطابنا اليوم، المحكوم بالتشاؤم والخيبة والشعور بقلّة الحيلة، فلم تتحوّل هذه الأسئلة إلى برنامج تاريخي واضح، بل بقيت تُطرح بوصفها أسئلة أخلاقية أو خطابية، تُستعمل أحياناً للجلد الذاتي، وأحياناً للتبرير، ونادراً للفعل.

ويبدو هذا منطقيّاً، فحين لا تتغيّر البنى العميقة للمجتمع، السياسية منها والاقتصادية والتعليمية، يدور الخطاب في المكان نفسه، حتى لو بدا كأنّه يتحرك. نبدّل الشعارات، لكنّنا نعيد إنتاج الآليات نفسها: الخوف من النقد، وتقديس الإجماع، والارتياب من الاختلاف، والبحث الدائم عن خلاص يأتي من الخارج أو من الماضي، وهذا التشابه المقلق يتعدّى كونه مفارقةً ثقافية، إنّه إنذار يقول بوضوح: لا يمكن للأمة أن تتقدم وهي تعيد طرح الأسئلة نفسها بالطريقة نفسها، وباللغة نفسها، وبالنتائج نفسها، بل يمكن القول إنّ روّاد النهضة العرب كانوا أكثر عمقاً وجرأة في وضع اليد على الجرح من دون مواربة، كما فعل عبد الرحمن الكواكبي في “طبائع الاستبداد…”، إذ نظر إلى التخلّف بوصفه بنية سياسية مأزومة، يَنتُج عنها خطاب غير سوي، وليس مجرّد مسألة ثقافية أو دينية، وبعد مضي كلّ هذا الزمن نجد أنّ الاستبداد لم يُهزم بوصفه منظومة، بل تغيّر في أشكاله فقط. بقيت العلاقة بين السلطة والمعرفة علاقة خوف، فظلّ الخطاب حذراً، تبريرياً.

في وقتٍ لاحق، فإنّ طه حسين، خصوصاً في كتابَيه “في الشعر الجاهلي” و”مستقبل الثقافة في مصر”، وكذلك في إعادة قراءته المحطّات الفاصلة في التاريخ الإسلامي، نجح في تحويل الخطاب العربي إلى مساءلةٍ شجاعةٍ للمسلّمات، فلم ينظر إلى التراث بوصفه مقدساً، بل بوصفه نصّاً تاريخياً، ولو جرى مواصلة مثل هذا النهج وتحويله إلى تقليد معرفي، لأصبحنا اليوم في حال أخرى غير التي نحن فيها، لكن ما جرى احتواؤه وعزله، فظلّ النقد الجذري استثناءً لا قاعدة. لم نتحمل صدمة الأسئلة التي طرحت مبكراً، فآثرنا العودة إلى منطقة “الأمان” التي تعيدنا عقداً وراء عقد، إلى الوراء.

وكمن يقرأ المستقبل قال طه حسين، في حوارٍ معه قبيل وفاته: “يُخيّل إليّ أنّ ما كافحنا من أجله ما زال يحتاج إلى كفاح الأجيال المقبلة… إنّني في آخر أيامي ألملم أوراقي وسأمضي قريباً… أُودعكم بكثيرٍٍ من الألم وقليلٍ من الأمل”.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...