حسن مدن
كاتب وباحث من البحرين.
قلنا أكثر من مرّة إنّ النّفط ليس ظاهرة خليجيّة فحسب، فهو موجود وبكميّات كبيرة في بلدان عربيّة أخرى غير خليجيّة، إلّا أنّه في الخليج بالذّات يمتلك مكانة محوريّة، لا في بنية الاقتصاد وحده، إنّما أيضاً في مجمل التّحوّلات الاجتماعيّة.
والنّفط ليس ظاهرة خليجيّة فحسب من زاوية أخرى لا تقلّ أهميّة، فهو في مفاعيل العوائد النّاجمة عنه بات ظاهرة عربيّة، من خلال ما يعرف في دراسات علمَي الاجتماع والاقتصاد بـ”الهجرة إلى النّفط”، إذ تعمل وتعيش جاليات عربيّة كبيرة في بلدان الخليج، وهي عرضة لأوجه متناقضة من التّأثيرات النّاجمة عن ذلك، فهي من جهة تشعر بشيءٍ من الغبن وسوء المعاملة. ومن جهة أخرى، إنّها تتأثّر كثيراً بنمط الحياة الاستهلاكيّ السّائد في المجتمعات النّفطيّة.
يطلق بعض الباحثين على المدينة الخليجيّة اسم المدينة – الدولة على غرار النّموذج الذي عرفته اليونان القديمة. لكنّ المدينة الخليجيّة، وإنْ كانت امتداداً لمدن عريقة معروفة تاريخيّاً، سواء أكانت كمدن الحجاز: مكّة والمدينة المنوّرة (يثرب)، أم مسقط والمنامة ودبي والكويت وغيرها، لكنّها تعيد تشكيل نفسها في الحقبة النفطيّة، ما يجعلها حتّى اللحظة في طور التشكّل، ولم تثبت على حال بعد، فهي دائمة التغيّر والتحوّل، حتّى لم يعد من الرموز المعماريّة التي تذكّر بالماضي سوى القليل أو النادر، فالأجيال الجديدة من أبناء هذه البلدان تعيش، بالمعنى الحرفيّ للكلمة، في مدنٍ جديدة لا تشبه المدن التي عرفها آباؤهم وأجدادهم. وهنا يبرز التفاوت العميق بين الأجيال الجديدة والأجيال السابقة، الذي يكاد يشبه القطيعة النفسيّة والسلوكيّة والثقافيّة، ويبدو أنّنا سنحتاج إلى وقتٍ قد يطول حتّى نصل إلى حالة من التوازن.
أفلح عبد الرّحمن منيف في خماسيّة “مدن الملح” في تتبّع التحوّلات العميقة في البنية الاجتماعيّة والقيميّة في منطقة الخليج بعد اكتشاف النفط وما جاء به من آثار متناقضة، ولا شكّ أنّ المقاربة الإبداعيّة لهذه التحوّلات هي الأكثر رهافة في اقترابها من العالم الروحيّ للإنسان الذي يتمزّق بين بيئة نفسيّة وثقافيّة راسخة التّأثير في وجدانه يجدها تتصدّع أمامه، وبين ثقافة جديدة تحمل في ثناياها نقائض لا سبيل للخلاص منها؛ لأنّها خرقت مساراً مستقرّاً كان يمشي الهوينى، فإذا بنا أمام انقلاب عاصف في كل شيء تقريباً، أو أقلّها في أمورٍ كثيرة.
في المنظور الاجتماعي، من آثار الثروة الناجمة عن عائدات النفط، نشوء ما عرفت بدولة الرعاية، التي أمّنت قدراً متطوّراً من الخدمات الاجتماعية في مجالات مهمّة، مثل التعليم والصحة والسكن وسواها، فضلاً عن إنجاز البنية التحتية المتطوّرة التي لا تكاد تجد نظائر لها في البلدان العربية الأخرى، خصوصاً مع الأخذ بالاعتبار قلّة عدد سكان المنطقة، بخاصّة المواطنين منهم.
جرى الربط طويلاً بين دولة الرعاية الاجتماعية وما عرفت بالدولة الريعية في المنطقة، حتّى بدا المفهومان يحملان الدلالة نفسها، وكأنّ أحدهما يعني الآخر، رغم الجدل الفكري الكثير الذي ثار ويثور حول مفهوم الدولة الريعية ذاته، والذي كان الاقتصادي الإيراني حسين مهداوي أولّ من توقّف عنده، حين عرّف الدولة الريعية بأنها “التي تحصل وعلى نحوٍ منظّم، على كمياتٍ معتبرة من الريع الخارجي لمصلحة أفراد أو هيئات أو حكومة الدولة المعنية”.
مع التذبذب الدائم في أسعار النفط، في العقود القليلة الماضية، وتراجع عائداته ساد انطباع بقرب الدولة الريعية، ما سينجم عنه بالضرورة انحسار مقادير الرعاية التي تقدّمها لمواطنيها، وفي مناقشات المنتدى الفكري السنوي الثاني عشر للمنبر التقدمي في البحرين الذي انعقد الجمعة الفائتة (13 فبراير/ شباط)، وكان موضوعه هذا العام “السياسات الضريبية في دول الخليج العربية” دعا الباحث والناشط الكويتي الصديق، أحمد الديين، إلى ضرورة ملاحظة أنّ ما تشهده بلدان المنطقة، أو بعضها على الأقل، ليس أفولاً للدولة الريعية، فلا يزال الحديث مُبكراً على قول ذلك، وإنّما انحساراً لمقادير الرعاية الاجتماعية التي كانت الحكومات الخليجية تؤمنها لشعوبها بعد ما عرفت “الطفرة النفطية”، فحكومات المنطقة ستبقى “أسيرة” الريع الخارجي إلى حين يصعب التنبؤ بموعده، لكنّها آخذة في التخلي عن التزاماتها الاجتماعية، وفي كلمات موجزات نحن إزاء: بقاء الريع وانحسار الرعاية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





