بين الأدب والسياسة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

حسن مدن
كاتب وباحث من البحرين، صدرت له مؤلفات في قضايا الخليج، الثقافة، الأدب، السيرة، اليوميات، وغيرها.

 

 

سُئل، مرّة، الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس، الحائز أكبر جائزة أدبية في أميركا اللاتينية، عما إذا كان بإمكان الكاتب أن يلعب دوراً في المجتمع، فرأى أنّ الكاتب، في الظروف التي يكون فيها المجتمع المدني ضعيفاً في البلد المعني، كان الناطق باسمه، حيث شغل مكان الصحافي والبرلماني والناشط السياسي والنقابي. هذا أمرٌ لم تعد له ضرورة من وجهة نظره، على الأقل في بلدان قارّته، أميركا اللاتينية، وبات متعيّناً “الاستمرار في تأكيد اللغة والخيال والكلمات والتواصل اللغوي”، فطالما أنّ المجتمع تغيّر، على الكاتب أيضاً أن يتغيّر.

إن بدا في هذا القول بالنسبة إلى بعضنا، دعوة إلى أن ينصرف الكاتب عن واجبه تجاه مجتمعه، سنكون خاطئين. ففوينتس، قال شارحاً: “تضم أميركا اللاتينية نحو ثلاثمئة مليون نسمة، أعمار نصف هؤلاء لا تتعدى الخامسة عشرة، أي إنهم قرّاء قادمون مفترضون، فهل يجوز للكتّاب التخلي عن تلبية حاجة هؤلاء إلى القراءة؟”، ملخصاً فكرته: “ما وجد الكتّاب إلا لهذه المهمة”. وهو بهذا القول يعلو بالكتابة من مجرّد كونها تلبية لرغبة كاتب في أن يعّبر عمّا يجول في ذهنه، ليجعل منها واجباً تجاه مجتمعه.

نقرأ لبعض الأدباء قولهم إنّهم يكتبون لأنفسهم في المقام الأول، ولا يشغلهم كثيرًا أمر القارئ أو المتلقي لما يكتبون. كاتب إسباني هو أجوستين فيرنانديث ماييو يقول: “أكتب لنفسي، وأظنّ أنّ الكتابة للقارئ خطأ، وينبغي ألا ننسى أنّ أعظم احترام للقارئ تجاهله، والكتابة كأنّه غير موجود. كما من الغباء أن تكتب لإرضاء شخصٍ ما، والحال ذاته مع الكتابة لإغضاب شخص ما”، وهو قول لا يمكن وصفه بالخاطئ بشكل مطلق، فلعلّ الوعي السائد في المجتمعات المختلفة، يجد في ما يكتبه هذا الكاتب أو ذاك خروجاً على ما هو مستقرّ من أفكار ومفاهيم وتصورات، وإذا كانت غاية الكاتب النهوض بمجتمعه وبالفكر في وطنه أو أمته، فإنّ عليه التحلي بجرأة تجعله يصدم ما هو مستقرّ من أفكار، أصبحت عائقاً في وجه نهوض الأمة المعنية.

وفي تاريخ فكرنا العربي، قديمه وحديثه، أمثلة لا تحصى من فلاسفة ومفكرين استفزّوا السائد، لكنّ فكرهم، رغم ذلك، صمد وأحدث التغيير المنشود، رغم أنّ ما نالهم من الأذى في أزمنتهم كان كبيراً. ألم يُصلب الحلاج قبل ضرب عنقه، كما تعرض فلاسفة آخرون للتكفير والإساءة، بينهم جابر بن حيّان، والكندي، وابن سينا، والفارابي، والرازي، وابن رشد وغيرهم، وفي عصرنا الحديث لا يمكن نسيان ما تعرض له طه حسين من هجوم بعد صدور كتابه عن الشعر الجاهلي.

يصحّ هذا الجانب أكثر على مجال الفكر والفلسفة، وإن كان، في بعض أوجهه، يطاول الأدب أيضاً، ومن ذلك ما نالته من هجوم روايتا “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ، و”وليمة لأعشاب البحر” للسوري حيدر حيدر، لكننا لو تأملنا في أمر ردود الفعل تجاه الروايتين وسواهما لوجدنا أنّها ليست ردود فعل جمهرة القرّاء، بقدر ما هي تدبير من جماعات لا تطيق الفكر المختلف، ولو تُرك الأمر للقراء وحدهم لمرّت هذه الأعمال بهدوء، ودون الضجيج المفتعل ضدها وضد كاتبيها.

يقودنا هذا إلى ملاحظة أنّ زعم بعض الأدباء أنّ القارئ لا يهمّهم حين يكتبون، ينطوي على مقادير من الاستعلاء والادعاء، فلمن يكتب الكاتب إذاً، إذا كان القارئ لا يهمّه، دون أن يعني ذلك مجاراة مزاج القارئ، وإنما التمكّن من مخاطبته بلغة وأسلوب يشدّانه إلى قراءة ما كتب، وبالتالي استخلاص ما أراد إيصاله من رسالة تتضمنه.

تقول الروائية الأفروأميركية توني موريسون الفائزة بنوبل للآداب عام 1993 إنَّها لمْ تفكِّر في أنْ تكون سياسيَّة، لكنَّها تعتقد أنَّ كلَّ فنٍّ حقيقيٍّ سياسيّ، وأنَّ تحويل أيِّ شيء لا سياسياً هو فعل سياسيّ في حد ذاته. إذْ يتحدَّث شكسبير في مسرحياته عن الحكومة، والحرب، والسُّلطة، فكلُّ هذا سياسيّ في نظرها. في فترة الحرب الباردة ومناهضة الشُّيوعية ساد في أميركا مبدأ ألَّا يكون الفنّ إلا جماليَّاً. وهكذا حُرِّف معنى كلمة (سياسة)، وتمَّت مساواتها بالدِّعاية، لذا ترى أنَّ عملها، وهي تكتب، يكمن في إحياء العلاقة بين السِّياسة والأدب بما للكلمة من معنى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...