الاستراتيجية الإعلامية لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) تحليل وسائط الاتصال، الخطاب الدعائي، والتقنيات الرقمية
بقلم: نعيم بوسلهام،
باحث في قضايا “الدين، الثقافة، والهجرة“
ملخص الورقة البحثية
تهدف هذه الورقة البحثية إلى تحليل المنظومة الإعلامية المعقدة التي أنشأها وتوسع فيها تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، مع التركيز على الوسائط المتعددة التي وظفها، والخطاب الدعائي الذي صاغه، والتقنيات الحديثة التي اعتمدها. تتبنى الدراسة منهجية تحليل المحتوى النوعي مدعومة بإطار نظري يجمع بين دراسات الإعلام الجديد وتحليل الخطاب السوسيولوجي. تخلص الدراسة إلى أن التنظيم طور نموذجًا إعلاميًا هجينًا فريدًا، جمع بين البنية المؤسسية شبه الرسمية ومرونة الشبكات الرقمية اللامركزية، محوّلاً الإعلام من أداة تكميلية إلى ركيزة استراتيجية مركزية في مشروعه الأيديولوجي والعسكري. مثلت “سينما داعش” ذروة هذا التوظيف، حيث جُسد العنف عبر جماليات بصرية حديثة بهدف الصدمة، التجنيد، وبناء أسطورة “الدولة الخالدة”. على الرغم من التراجع الميداني للتنظيم، تبقى دروس آليته الإعلامية ذات أهمية بالغة لفهم تحولات الإرهاب في العصر الرقمي وصياغة استراتيجيات مواجهة أكثر فعالية.
الكلمات المفتاحية: داعش، الإعلام الإرهابي، الخطاب الدعائي، وسائل التواصل الاجتماعي، سينما داعش، الحرب النفسية، التجنيد الإلكتروني.
المقدمة: الإعلام بوصفه شرط الوجود التنظيمي
لم يعد الإعلام في السياق المعاصر مجرد أداة لنقل الوقائع، بل أصبح فضاءً لإنتاج المعنى ومجالاً لإعادة تشكيل السلطة والشرعية¹. وقد أدت الثورة الرقمية إلى تحوّل جذري في بنية الفضاء العمومي، حيث باتت الشبكات والمنصات الرقمية تمارس دوراً مركزياً في إعادة توزيع القوة الرمزية².
في هذا السياق، برز تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) بوصفه نموذجاً فريداً في توظيف الإعلام ليس كأداة دعائية ثانوية، بل كبنية تأسيسية في مشروعه السياسي-العقدي. فإذا كانت القاعدة قد اعتمدت نموذج الرسائل المسجلة ذات الانتشار المحدود³، فإن داعش انتقل إلى مستوى جديد يقوم على إنتاج احترافي متعدد الوسائط، واستثمار مكثف لمنطق الشبكات الرقمية.
وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الإعلام لدى داعش لم يكن تابعاً للعمل العسكري، بل شكّل شرطاً لإمكانه واستمراريته.
المبحث الأول: الإطار النظري
1 – التأطير الإعلامي وإعادة تعريف الواقع
منصات التواصل الاجتماعي الرئيسية: هندسة الانتشار
تويتر (Twitter): ساحة المعركة الهاشتاقية
الوظيفة: كان تويتر بمثابة نظام الأعصاب المركزي للدعاية السريعة. استُخدم لنشر الأخبار العاجلة عن المعارك، بث الصور والمقاطع القصيرة، وإدارة الحملات الجماعية عبر الهاشتاقات.
تكتيك “الكم والانتشار”: اعتمد التنظيم على إنشاء آلاف الحسابات المزيفة والمتكررة (الذراع الرقمية). عندما تُحجب حسابات، تظهر أخرى فوراً، في تطبيق عملي لنظرية “الخلايا النائمة” الرقمية. كانت الهاشتاقات مثل #جمعة_نصرة_الدولة_الإسلامية أدوات لخلق تأثير القطيع الرقمي (Digital Herd Effect) وإيهام المراقبين بشعبية واسعة.
يوتيوب (YouTube) وتليجرام (Telegram): الأرشيف والملاذ الآمن
يوتيوب: استُخدم كأرشيف عام للمواد عالية الجودة (الأفلام الوثائقية، الخطابات الطويلة). سهّل نظام التوصيات (Recommendation Algorithm) الخاص بالمنصة وصول هذه المواد لمستخدمين مهتمين بمواضيع حدودية.
تليجرام: مع تشديد الحظر على تويتر، تحول تليجرام إلى المنصة الرئيسية بسبب خصائصه: القنوات العامة لبث المحتوى، والمجموعات الخاصة للتواصل الداخلي، ودرجة عالية من التشفير والخصوصية نسبياً. أصبح بمثابة “المنصة الرسمية” البديلة.
فيسبوك (Facebook) وإنستغرام (Instagram): التجنيد الشخصي
استُخدمت هذه المنصات ذات الطابع “الاجتماعي” أكثر للتجنيد الفردي، ونشر المواد الدعائية ضمن مجموعات مغلقة، واستهداف الشباب عبر محتوى يخلط بين الصور الجهادية والمظاهر “الحياة العادية” للمقاتلين، في محاولة “تطبيع” صورة الجهادي.
يؤكد روبرت إنتمان أن التأطير الإعلامي هو عملية اختيار جوانب من الواقع وإبرازها لإنتاج تعريف معين للمشكلة وتحديد المسؤوليات⁴. في هذا الإطار، عمل داعش على تأطير الواقع العربي ضمن سردية “المظلومية السنية”، وتأطير الغرب ضمن خطاب “العدوان الصليبي”.
ويتقاطع هذا التحليل مع ما يؤكده عبد الإله بلقزيز حول العلاقة العضوية بين العنف والخطاب، حيث يرى أن التنظيمات الراديكالية لا تمارس العنف إلا بعد إعادة تعريفه لغوياً ورمزياً بوصفه ضرورة تاريخية⁵.
هنا يصبح التأطير آلية لإنتاج مشروعية بديلة.
2 – التوسيط وإعادة تشكيل التنظيم
وفق نظرية التوسيط عند ستيغ هجا فارد، تخضع المؤسسات الحديثة لمنطق الوسائط⁶. وقد أعاد داعش تشكيل بنيته وفق خصائص الوسيط الرقمي:
السرعة
الكثافة البصرية
القابلية للمشاركة
التفاعل اللحظي
ويؤكد سعيد العتيبي أن التنظيمات المتطرفة في العصر الرقمي باتت تتبنى منطق “الشبكات المتداخلة” بدل المركزيات الهرمية الصلبة⁷، وهو ما يفسر قدرة الذراع الإعلامي لداعش على الاستمرار رغم التفكك الجغرافي.
3 – العنف الرمزي وإعادة هندسة الإدراك
يشير بيير بورديو إلى أن العنف الرمزي يتمثل في فرض رؤية للعالم تُقبل بوصفها طبيعية⁸. في حالة داعش، يتم:
إعادة تعريف القتل كتطهير
إعادة تعريف الموت كشهادة
إعادة تعريف الهزيمة كابتلاء
ويتقاطع هذا التحليل مع ما يذهب إليه محمد زيدان من أن الإرهاب المعاصر يقوم على “إعادة برمجة الإدراك الجمعي عبر وسائط مشحونة دلالياً”⁹.
يوظف خطاب داعش مجموعة من الاستراتيجيات البلاغية المتقنة، التي تتكيف مع الجمهور المستهدف والسياق المطلوب.
استراتيجية التقديس والتضفير الديني (Religious Sanctification)
الآلية: غزل النص السياسي والعسكري داخل نسيج من النصوص الدينية المقدسة (آيات قرآنية، أحاديث، سير السلف). يتم تقديم القرارات العسكرية على أنها تطبيق للشريعة، والقتال على أنه عبادة، والانتماء على أنه هجرة.
المثال: استخدام حديث “الدجال” و”الملاحم” لتبرير التركيز على منطقة دابق السورية، أو اقتباس آيات “القَتال” لتبرير العنف الوحشي.
الهدف: منح المشروع السياسي حصانة دينية، وجعل النقد الموجه له يبدو كنقد للدين نفسه.
استراتيجية الرعب المتقن (Engineered Terror)
الآلية: تحويل العنف من فعل عشوائي إلى طقس مرئي مُنتَج بعناية. لا يهدف العرض إلى إثارة الخوف فقط، بل إلى توصيل رسائل محددة.
رسالة القوة المطلقة: عبر إظهار السيطرة الكاملة على جسد الضحية والمشهد.
رسالة اللامبالاة الأخلاقية: عبر الابتسام أو تلاوة القرآن خلال فعل القتل.
رسالة الانتشار: عبر جودة الإنتاج التي تجعل المشاهد “قابلة للمشاركة” رغم فظاعتها.
الهدف: ترويع الخصوم لتقويض إرادتهم، وإبهار المتعاطفين بقوة التنظيم “التي لا ترحم”، وجذب التغطية الإعلامية العالمية المجانية.
استراتيجية الرومانسية البطولية (Heroic Romanticism)
الآلية: صياغة سردية أسطورية عن المقاتل (“المهاجر”)، تحوله من فرد إلى رمز خالد. يتم استخدام:
الموسيقى التصويرية الملحمية: أناشيد “الجهاد” ذات الإيقاع العسكري والعاطفي.
اللقطات البطيئة والدراماتيكية: تصوير المقاتل في لحظات التأمل، القتال، أو الشهادة.
خطاب الأخوة والفداء: التركيز على الروابط العاطفية بين المقاتلين و”حلاوة الإيمان”.
الهدف: تجميل العنف والموت، وتحويله إلى خيار جذاب للشباب الباحث عن المغامرة، المعنى، والانتماء، خاصة في سياق الاغتراب الاجتماعي أو الثقافي.
استراتيجية المفارقة والتناص الثقافي (Cultural Parody & Intertextuality)
الآلية: تقليد واستعارة رموز وأساليب الثقافة التي يحاربها التنظيم (الغربية خصوصاً) وتوظيفها ضدها.
المثال:
التقنية الهوليودية: استخدام إنتاج أفلام على طراز هوليود لنشر خطاب مضاد لها.
الخطاب “الإنساني”: نشر فيديوهات تظهر معاملة “طيبة” للقطط أو توزيع المساعدات، في مفارقة صادمة مع فيديوهات الإعدام.
اللغة والمصطلحات: استخدام مصطلحات مثل “الدولة”، “المواطن”، “جواز السفر” لإضفاء صفة “الدولة الحديثة”.
الهدف: اختراق العقلية الغربية باستخدام أدواتها، وتقديم صورة معقدة ومربكة تخلق التباساً وتناقضاً في ذهن المتلقي الغربي أو الحداثي.
3 – النظام الرمزي والجمالي: لغة ما قبل الكلمات
يعتمد خطاب داعش بشكل كبير على نظام من الرموز والعلامات البصرية والصوتية التي تنقل رسائله بشكل مباشر وعاطفي، غالباً قبل التحليل النصي.
الرمزية البصرية
اللون الأسود: يهيمن على الرايات والألبسة. يحمل دلالات متعددة: الجدية، القوة، الحداد على “أمة الإسلام”، ويرتبط أيضاً ببعض الروايات التاريخية عن راية النبي صلى الله عليه وسلم.
الزي الموحد: يمحو الفردية ويخلق إحساساً بالجماعة العضوية والانضباط الصارم، مماثلاً للزي العسكري في الجيوش النظامية.
اللقطة والكاميرا:
اللقطات منخفضة الزاوية (Low-angle shots): لتصوير المقاتلين أو القادة، مما يضخم من حجمهم ويعطيهم هيبة.
لقطات المشاهد من الأعلى (Aerial shots) باستخدام الدرونز: لإظهار السيطرة على الأرض والمساحة، وتذكير المتلقي بقوة التنظيم التكنولوجية.
الرمزية الصوتية
أناشيد “أنصادية”: ذات إيقاع عسكري حماسي، تستخدم الصوت الجماعي لإثارة مشاعر الحماسة والتوحيد. كلماتها بسيطة ومتكررة وتركّز على الشهادة، القتال، والنصر.
صوت تكبيرات القتال: يتم تسجيله ورفع صوته في المونتاج، لخلق جوّ من الحماسة الدينية والعسكرية المغلفة للعنف.
الصمت: الاستخدام المتعمد للصمت في مقاطع الإعدام قبل تنفيذ الحكم، لخلق توقّع مروع وتكثيف الصدمة.
الرمزية اللغوية والشعاراتية
الشعارات المختصرة: مثل “باقية وتمدّد”، “دولة الإسلام باقية”. تعمل كشعارات إعلانية سهلة التذكر والنشر.
اللغة الجسمانية: الإيماءات الموحدة للمقاتلين (طريقة الإشارة بالسبابة، النظرة الثابتة) التي تُظهر الانضباط والعقيدة الواحدة.
توحيد الخطاب البصري: من الشعار إلى المجلة إلى الفيديو، هناك اتساق لوني وبصري يخلق هوية بصرية قوية ومميزة، كعلامة تجارية (Brand Identity) للإرهاب.
نحو لاهوت بصري للعنف
لا يمكن فهم الخطاب الدعائي لتنظيم داعش بوصفه دعاية تقليدية، بل يجب مقاربته كـ “لاهوت بصري معولَم” للعنف. إنه خطاب يستوعب صدمة الحداثة الرقمية والثقافة البصرية العالمية، ويعيد توظيفها لتغذية أيديولوجيا تقوم على النقاء الخيالي والعنف التطهيري.
إن قوة هذا الخطاب لا تكمن في منطقيته، بل في تماسكه الرمزي والعاطفي. فهو يبني عالماً متخيلاً مكتملاً، يوفر إجابات بسيطة وقطعية لأسئلة معقدة، ويقدم هوية قوية في عالم يشهد أزمة هويات. لذلك، فإن مواجهته تتطلب أكثر من مجرد تفنيد حججه نصياً؛ بل تستلزم تفكيك أنسجته الرمزية والعاطفية، وفهم كيفية صناعة الجماليات الأسطورية للقتل، وتقديم سرديات بديلة قادرة على منافسة قوة الجذب التي يمارسها هذا الخطاب المميت على عقول وقلوب الفئات الضعيفة والمهمشة.
استراتيجية المفارقة والتناص الثقافي (Cultural Parody & Intertextuality)
الآلية: تقليد واستعارة رموز وأساليب الثقافة التي يحاربها التنظيم (الغربية خصوصاً) وتوظيفها ضدها.
المثال:
التقنية الهوليودية: استخدام إنتاج أفلام على طراز هوليود لنشر خطاب مضاد لها.
الخطاب “الإنساني”: نشر فيديوهات تظهر معاملة “طيبة” للقطط أو توزيع المساعدات، في مفارقة صادمة مع فيديوهات الإعدام.
اللغة والمصطلحات: استخدام مصطلحات مثل “الدولة”، “المواطن”، “جواز السفر” لإضفاء صفة “الدولة الحديثة”.
الهدف: اختراق العقلية الغربية باستخدام أدواتها، وتقديم صورة معقدة ومربكة تخلق التباساً وتناقضاً في ذهن المتلقي الغربي أو الحداثي.
4 – مجتمع الشبكة والسلطة الرقمية
تمثل البنية الإعلامية لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) تحولاً نوعياً في آليات اتصال الجماعات المتطرفة، حيث تجاوزت النموذج التقليدي البسيط إلى نظام إعلامي هجين يجمع بين المركزية الأيديولوجية واللامركزية التنفيذية. لقد أدرك التنظيم مبكراً أن الإعلام ليس مجرد أداة تكميلية، بل هو “ميدان معركة موازٍ” يتطلب تنظيماً مؤسسياً وتقنياً لا يقل تعقيداً عن التنظيم العسكري. تشكل هذه البنية استجابة لطبيعة العصر الرقمي، حيث تتعايش المؤسسات الافتراضية مع الشبكات الرقمية العابرة للحدود في نموذج أعيد تشكيله لتلبية متطلبات “الدولة المزعومة” و”الجماعة الجهادية” في آن واحد.
يرى مانويل كاستلز أن السلطة في العصر الرقمي تمارس عبر التحكم في تدفقات المعلومات¹⁰. وقد استثمر داعش هذا المنطق عبر خلق شبكات رقمية مرنة تتجاوز الحدود الجغرافية.
وتشير ليلى كيوان إلى أن الإرهاب الرقمي يتسم بالقدرة على التحول من تنظيم مركزي إلى شبكة خلايا ذات استقلالية نسبية، دون فقدان السردية الجامعة¹¹.
تطبيق النظرية على دراسة ظاهرة داعش الإعلامية:
التكيف مع منطق الوسائط الجديدة: كيف شكل تنظيم داعش هيكله وخطابه ليتلاءم مع منطق وسائل التواصل الاجتماعي (مثل الإيجاز، والمشاركة التفاعلية، والطابع البصري، والفيروسية). يُظهر هذا في اعتماده على مقاطع فيديو قصيرة مثيرة، واستخدام الهاشتاقات، والتغذية المستمرة للمحتوى.
الوسائط كبيئة: اعتبار الفضاء الرقمي ليس مجرد قناة لنقل الرسائل، بل بيئة تنظيمية واجتماعية وسياسية تبنى فيها العلاقات وتدار فيها الصراعات. يظهر ذلك في قدرة التنظيم على خلق “مجتمعات افتراضية” للمتعاطفين والمهاجرين عبر المنصات الرقمية.
الطقوسية الإعلامية: كيف استخدم التنظيم الأحداث الإعلامية (مثل بث عمليات الإعدام) كطقوس درامية تهدف إلى توحيد الأتباع، وإرهاب الخصوم، وجذب الانتباه العالمي، مستفيداً من شهية الإعلام العالمي للتغطية الدرامية.
المبحث الثاني: البنية المؤسسية للجهاز الإعلامي
تظهر البنية الإعلامية لتنظيم داعش تطوراً من نموذج “الخلافة الافتراضية” الذي يحاول محاكاة دولة مؤسساتية، إلى نموذج “التمدد الشبكي” الأكثر مرونة وقدرة على المقاومة. لقد فهم التنظيم أن قوته في العصر الرقمي لا تكمن في التحصين خلف مؤسسة مركزية، بل في القدرة على التشكل كشبكة (To Network) تنتشر أفكارها وأفرادها عبر العقد الرقمية المتعددة.
هذا التحول له تداعيات خطيرة:
– صعوبة المواجهة: يصبح استهداف بنية شبكية متفرقة أصعب بكثير من استهداف مركز واحد.
– الاستمرارية الأيديولوجية: حتى مع تفكك النواة العسكرية، تبقى الشبكات الرقمية قادرة على الحفاظ على — الشعلة الأيديولوجية واستئناف النشاط عند أول فرصة.
– نموذج للتقليد: تقدم هذه البنية نموذجاً متقدماً يمكن أن تحاكيه جماعات متطرفة أخرى في المستقبل.
لذا، فإن فهم هذه البنية ليس تمريناً أكاديمياً فحسب، بل هو شرط أساسي لتطوير استراتيجيات مضادة ذكية تستهدف تفكيك ليس فقط المحتوى، بل الروابط والشبكات والعمليات المؤسسية التي تسمح لهذا المحتوى بالحياة والانتشار في الفضاء الرقمي المعاصر.
كما أنشأ التنظيم جهازاً إعلامياً مركزياً يُعرف بديوان الإعلام، عمل بمنطق بيروقراطي حديث، حيث تم تقسيم المهام بين مؤسسات متخصصة:
مؤسسة الفرقان: الخطاب العقائدي الرسمي
وكالة أعماق: إنتاج الأخبار بلغة صحفية احترافية
مركز الحياة: مخاطبة الجمهور الغربي
مكاتب الولايات: إبراز “يومية الدولة”
ويؤكد خالد المنيسي أن هذا التقسيم يعكس انتقال التنظيم من نموذج “الحركة” إلى نموذج “الدولة المتخيلة”¹².
المبحث الثالث: جمالية العنف – من التوثيق إلى الأسطرة
لقد تحوّل العنف في إنتاجات داعش من مجرد فعل ميداني إلى مادة إعلامية مصممة بعناية، تهدف إلى إشغال الحواس وإنتاج أثر وجداني عميق لدى المتلقي. وقد بلغت هذه الدعاية البصرية ذروتها في أعمال مثل “صليل الصوارم” و”لهيب الحرب”، حيث استُخدمت تقنيات سينمائية متقدمة تشمل:
تصوير عالي الدقة يتيح رؤية دقيقة لكل تفصيل، ويضفي شعوراً بالواقعية المطلقة،
لقطات بطيئة تتيح للمشاهد الاستغراق في الحدث وكأنه جزء منه،
موسيقى ملحمية تضيف بعداً درامياً يرفع العنف إلى مستوى الطقوس الرمزية،
مونتاج احترافي يجمع بين المشاهد بعناية لإنتاج سرد بصري متكامل.
1 – العنف كأثر وجداني
لم يكن الهدف من هذه المواد مجرد نقل الحدث أو الإعلان عن الانتصارات العسكرية، بل إنتاج أثر وجداني يربط بين العنف والبطولة، وبين الموت والمجد. هنا يتضح التحول من العنف الواقعي إلى العنف الأسطوري، حيث يصبح كل مشهد عنيف مشحوناً بمعانٍ رمزية، ويقدم المقاتل في صورة البطل الذي يتجاوز حدود الإنسانية.
وترى سمر علي أن الجماليات العنيفة تعمل على “تطبيع الصدمة عبر إعادة تغليفها في إطار بطولي”¹³. بمعنى آخر، يتم تحويل مشاهد الرعب والخوف إلى تجربة جذّابة بصرياً، بحيث يصبح المشاهد مدركاً للخطورة ولكنه في الوقت ذاته مفتوناً بالجمال السينمائي للحدث.
2 – السيميائية البصرية للعنف
من منظور سيميائي، يستخدم داعش رموزاً محددة لإضفاء معنى على العنف:
الدم يُوظف كرمز للتضحية والولاء،
السيوف والأسلحة تُعرض في سياقات بطولية تعزز أسطورة القوة الفردية،
الخلفيات الصحراوية والمواقع التاريخية تضفي بعداً زمنياً-أسطورياً على الأحداث، كما لو أن الصراع حاضر منذ فجر التاريخ.
بهذه الطريقة، يصبح العنف ليس مجرد فعل، بل نص بصري يروى ويقرأ، يتجاوز الواقع إلى مجال الأسطورة والرمز.
3 – اقتصاد الانتباه والصدمة
تتوافق هذه الاستراتيجية مع منطق اقتصاد الانتباه في العصر الرقمي، حيث تصبح الصدمة رأس مال رمزياً يُستثمر لجذب الجمهور، وخلق انتشار في الفضاء الرقمي. فالمشاهد الغربي أو العربي الذي يشاهد هذه المواد لا يستهلك الحدث فقط، بل يشارك في إعادة إنتاجه عبر الشبكات الاجتماعية، مما يضاعف الأثر الرمزي ويحوّل العنف إلى علامة مميزة للتنظيم.
4 – الأسطرة والبطولة
عند داعش، يتحوّل العنف إلى أداة لإعادة بناء الهوية والجاذبية الجهادية:
المقاتل يصوّر كبطل تراجيدي، يجمع بين الزهد في الحياة والقوة في المعركة،
المشهد العنيف يتحول إلى حدث مؤثر، يروى على أنه قصة بطولة، وليس مجرد صراع مادي،
الجماهير المستهدفة تتفاعل مع هذه الصورة على مستويات متعددة: الخوف، الإعجاب، والرغبة في الانتماء.
هذا التحليل يوضح أن العنف في الإعلام الجهادي لم يعد ظرفياً أو عرضياً، بل أصبح عنصراً تأسيسياً في السردية المركزية للتنظيم. أي أن الصورة، العنف، والموسيقى يعملون معاً لإنتاج خطاب متكامل يكرّس الفكرة المركزية لداعش: الدولة التي تتجاوز حدود المكان والزمان، والمقاتل الذي يتجاوز حدود الإنسانية.
وترى سمر علي أن الجماليات العنيفة تعمل على “تطبيع الصدمة عبر إعادة تغليفها في إطار بطولي”¹³، وهو ما ينسجم مع منطق اقتصاد الانتباه الذي يجعل الصدمة رأسمالاً رمزياً.
المبحث الرابع: الخطاب العقائدي وبناء الهوية – من الثنائيات القطبية إلى صناعة الذات الجهادية
يمثل الخطاب العقائدي لدى تنظيم “الدولة الإسلامية” البنية التحتية الرمزية التي يستند إليها مشروعه السياسي والعسكري. فالتنظيم لا يكتفي بتبرير أفعاله عبر إحالات فقهية أو نصوص تراثية، بل يعيد إنتاج منظومة دلالية مغلقة تُعيد تعريف العالم وفق ثنائيات قطبية حادة. يقوم هذا الخطاب على تقسيم كلي للوجود إلى معسكرين متقابلين لا ثالث لهما:
إيمان / كفر
خلافة / جاهلية
طائفة منصورة / مرتدون
هذه الثنائيات لا تعمل فقط كمفاهيم لاهوتية، بل كآليات إدراكية تعيد تشكيل وعي المتلقي. فهي تُنتج رؤية للعالم قائمة على الاستقطاب الحاد، حيث تُلغى المنطقة الرمادية لصالح منطق “الاصطفاف الوجودي”. وفي هذا السياق، يشير عبد الواحد العمراني إلى أن الخطاب الجهادي المعاصر يتسم ببنية استبعادية مغلقة، تقضي على إمكان التعدد أو التأويل الوسطي، وتحوّل الخلاف إلى صراع وجودي مطلق¹⁴. إن هذه البنية لا تترك مجالاً للحياد؛ فإما الانتماء الكامل، أو الإقصاء الكامل.
1 – آلية التكفير كأداة لبناء الهوية
لا يمكن فهم هذه الثنائيات دون التوقف عند مركزية مفهوم “التكفير” في خطاب داعش. فالتكفير لا يُستخدم فقط كحكم فقهي، بل كأداة لإعادة رسم الحدود الرمزية للجماعة. عبر توسيع دائرة “المرتدين” لتشمل خصوماً سياسيين، وجماعات إسلامية أخرى، بل وحتى عموم المسلمين المخالفين، يعيد التنظيم تعريف “الطائفة المنصورة” بوصفها أقلية نقية محاصرة داخل عالم فاسد.
هنا تتحقق مفارقة سوسيولوجية: فكلما ضاقت الجماعة عددياً، اتسعت رمزياً، لأنها تُقدَّم باعتبارها الحامل الوحيد للحقيقة. ويُسهم هذا المنطق في تعزيز الإحساس بالاصطفاء والتميز، وهو عنصر أساسي في بناء الهوية الراديكالية.
2 – الخلافة بوصفها أفقاً رمزياً
لا تُطرح “الخلافة” في خطاب التنظيم كمجرد نظام حكم، بل كرمز جامع يعيد وصل الحاضر بالماضي المقدس. فهي تمثل لحظة استعادة “النقاء الأول”، وتُقدَّم كحل شامل لأزمة الحداثة والانقسام والهيمنة الغربية. بهذا المعنى، تتحول الخلافة إلى أفق تخييلي يُعيد تنظيم الزمن نفسه: فالحاضر يُختزل في كونه مرحلة انتقالية نحو تحقيق وعد تاريخي.
ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن فهم هذا التصور باعتباره محاولة لإعادة إنتاج الجماعة الدينية الأولى في سياق حديث، أي استحضار “اللحظة التأسيسية” كمرجع للشرعية. غير أن هذا الاستحضار لا يتم عبر قراءة تاريخية نقدية، بل عبر اختزال رمزي يُحوّل الماضي إلى نموذج مطلق.
3 – صناعة الذات الجهادية: من المؤمن إلى البطل التراجيدي
لا يقتصر الخطاب على رسم حدود الجماعة، بل يتجه إلى تشكيل نموذج الذات المنشودة داخلها. يُقدَّم المقاتل في إعلام داعش بوصفه نموذجاً مثالياً يجمع بين:
الزهد والتقشف
الطاعة والانضباط
الشجاعة والقوة
الاستعداد للموت
هذا النموذج لا يُعرض في صورة تقليدية جامدة، بل يُصاغ ضمن جمالية حديثة تتقاطع مع أنماط البطولة العالمية في السينما والثقافة الشعبية. فالمقاتل يظهر في لقطات سينمائية عالية الجودة، بملامح هادئة وحازمة، محاطاً برفاقه، مستعداً لمواجهة “العدو الكوني”. وهنا يتشكل ما يمكن تسميته بـ”البطل التراجيدي العابر للحدود”: شخصية تقطع مع انتماءاتها الوطنية لتلتحق بجماعة كونية متخيَّلة.
تتداخل في هذا النموذج عناصر دينية ورمزية ونفسية؛ فالموت لا يُقدَّم كفقدان، بل كتحقق، وكذروة درامية لمسار البطولة. وهذا ما يمنح الفعل العنيف بعداً وجودياً، حيث يصبح الانتماء إلى التنظيم طريقاً لتحقيق معنى شخصي يتجاوز حدود الحياة اليومية.
4 – إلغاء المنطقة الرمادية: من التعدد إلى الصراع المطلق
أخطر ما في هذا الخطاب ليس فقط استبعاديته، بل قدرته على تحويل التعقيد الاجتماعي والسياسي إلى صراع ثنائي بسيط. فالعالم يُختزل في مواجهة بين معسكرين متقابلين، وتُختزل القضايا السياسية في سردية عقدية مطلقة. هذا التبسيط الحاد يخلق يقيناً نفسياً مغلقاً، يحرر الفرد من عبء الشك والتردد، ويمنحه إطاراً تفسيرياً شاملاً لكل ما يحدث.
من منظور سيميائي، يمكن القول إن الخطاب ينتج نظاماً دلالياً مغلقاً، حيث تتكرر العلامات والرموز (الراية السوداء، مصطلحات الطائفة المنصورة، خطاب التمكين) بطريقة تعزز الإحساس بالتماسك الداخلي. وبهذا يتحول الخطاب إلى فضاء رمزي بديل يُعيد تعريف الواقع وفق منطقه الخاص.
5 – الهوية بوصفها مشروعاً تعبوياً
في النهاية، لا يُنتج الخطاب العقائدي هوية سلبية قائمة على الرفض فقط، بل هوية تعبوية قائمة على الفعل. فالمؤمن الحقيقي، وفق هذا التصور، ليس من يعتقد فحسب، بل من يهاجر، ويقاتل، ويضحي. وهكذا تنتقل الهوية من مستوى الانتماء الرمزي إلى مستوى الأداء العملي، حيث يصبح العنف نفسه أداة لإثبات الانتماء.
وبهذا المعنى، فإن خطاب داعش لا يكتفي بإعادة تعريف العالم، بل يعيد تشكيل الذات داخل هذا العالم، عبر منظومة مغلقة من الثنائيات، والرموز، والسرديات البطولية. وهو ما يجعل تفكيك هذا الخطاب مهمة تتجاوز النقد اللاهوتي، لتطال البنية الإدراكية والرمزية التي تمنحه قابلية الانتشار والاستقطاب.
ويرى عبد الواحد العمراني أن الخطاب الجهادي المعاصر يتسم ببنية استبعادية مغلقة تقضي على المنطقة الرمادية¹⁴.
كما يتم تقديم المقاتل في صورة بطل تراجيدي عابر للحدود، يجمع بين الزهد والقوة، في تقاطع مع أنماط البطولة الحديثة.
المبحث الخامس: المقارنة مع تنظيم القاعدة – من خطاب النخبة إلى إعلام الدولة المتخيَّلة
تمثل المقارنة بين تنظيم القاعدة وتنظيم “الدولة الإسلامية” مدخلاً أساسياً لفهم التحول النوعي الذي شهدته الدعاية الجهادية في العصر الرقمي. فبينما شكّلت القاعدة النموذج الكلاسيكي للجهادية العابرة للحدود في مطلع الألفية، جاء داعش ليعيد تعريف العلاقة بين التنظيم والإعلام، وبين الفعل المسلح والسردية المصاحبة له.
يشير بروس هوفمان إلى أن القاعدة اعتمدت خطاباً نخبويًا موجهاً أساساً إلى جمهور متعاطف ذي خلفية أيديولوجية مسبقة¹⁵. فقد كانت بيانات أسامة بن لادن وأيمن الظواهري طويلة، ذات طابع وعظي-تحليلي، مليئة بالإحالات التاريخية والسياسية، وموجهة إلى “الأمة” بوصفها كياناً متخيلاً يحتاج إلى تعبئة فكرية. كان الوسيط الأساسي آنذاك هو الأشرطة المصورة أو الصوتية التي تبث عبر قنوات محدودة الانتشار، ثم يعاد تداولها عبر وسائل الإعلام التقليدية. بمعنى آخر، كانت القاعدة تعتمد على “وساطة الإعلام التقليدي” لنقل رسائلها إلى الجمهور العالمي.
في المقابل، انتقل داعش إلى نموذج تعبوي جماهيري يعتمد على الإنتاج الاحترافي والانتشار الفيروسي داخل الفضاء الرقمي. لم يعد الخطاب موجهاً إلى نخبة أيديولوجية فحسب، بل إلى جمهور واسع ومتعدد الخلفيات، بما في ذلك الشباب الغربي، والمهمشين اجتماعياً، والباحثين عن هوية بديلة. وهنا تتجلى النقلة من خطاب “التوعية العقائدية” إلى خطاب “الاستقطاب الهوياتي” السريع والمكثف.
1 – من التنظيم الشبحي إلى الدولة المتخيلة
كانت القاعدة تنظيماً شبكياً منذ نشأتها، لكنها لم تدّعِ إقامة دولة فعلية ذات مؤسسات إدارية وإعلامية واضحة. أما داعش فقد أعلن “الخلافة” وأقام بنية شبه-دولتية تضمنت دواوين، ومحاكم، وأجهزة أمنية، وجهازاً إعلامياً مركزياً. ويؤكد محمد الديب أن داعش مثّل “قفزة نوعية في توظيف الإعلام كأداة تأسيس دولة متخيلة لا مجرد تنظيم مسلح”¹⁶، إذ لم يكن الإعلام مجرد أداة للدعاية، بل وسيلة لبناء صورة دولة قائمة بالفعل.
لقد ركز إعلام القاعدة على فكرة “الجهاد العالمي” بوصفه مواجهة مفتوحة مع الغرب، دون تقديم تصور إداري متكامل لنظام حكم. أما داعش فقد قدّم نفسه كبديل سياسي واجتماعي كامل، يعرض مشاهد من الأسواق، والتعليم، والقضاء، وتوزيع الزكاة، بما يرسخ صورة “الدولة الطبيعية”. بهذا المعنى، كان إعلام داعش أكثر شمولية، لأنه لم يكتفِ بإظهار المعركة، بل عرض “الحياة داخل الخلافة”.
2 – الاختلاف في جمالية الخطاب
من الناحية السيميائية، كان خطاب القاعدة يميل إلى البساطة والتقشف في الشكل، مع التركيز على المضمون الأيديولوجي. أما داعش فقد استثمر في جمالية الصورة: إخراج سينمائي، مؤثرات بصرية، موسيقى ملحمية، مونتاج احترافي. هذا التحول يعكس انتقالاً من منطق “البيان” إلى منطق “المشهد”.
لقد فهم داعش أن الصورة في العصر الرقمي ليست مجرد حامل للرسالة، بل هي الرسالة نفسها. وهنا يتقاطع مع منطق “اقتصاد الانتباه”، حيث تصبح الصدمة البصرية أداة لاحتلال الفضاء الإعلامي العالمي. بينما كانت القاعدة تنتظر أن تنقل وسائل الإعلام رسائلها، كان داعش يصنع الحدث الإعلامي ذاته.
3 – التحول في بنية الجمهور المستهدف
استهدفت القاعدة جمهوراً إسلامياً واسعاً لكنها ظلت تراهن على نخب جهادية ذات وعي أيديولوجي عميق. في المقابل، خاطب داعش جمهوراً متنوعاً ومتعدداً ثقافياً، مستفيداً من الترجمة إلى لغات عدة، ومن إنتاج مجلات مثل “دابق” و”رومية”، التي صيغت بلغة حديثة تستعير مفردات السياسة العالمية.
هذا التوسع في الجمهور يعكس تحولاً من تنظيم يعتمد على “الانتقاء العقائدي الصارم” إلى تنظيم يوظف استراتيجيات تسويقية أقرب إلى الحملات الدعائية المعاصرة، حيث يتم تبسيط الرسائل، وتكثيف الرموز، وتكرار الشعارات.
4 – الاختلاف في العلاقة مع الفضاء الرقمي
نشأت القاعدة في زمن سابق على هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، فكان حضورها الرقمي محدوداً نسبياً. أما داعش فقد ظهر في ذروة الانتشار الشبكي، فاستثمر منصات مثل تويتر، وتليغرام، ويوتيوب، مستفيداً من خوارزميات الانتشار. لقد تعامل التنظيم مع الفضاء الرقمي كبيئة طبيعية لنشاطه، لا كوسيط ثانوي.
هذا الفرق يعكس انتقال الجهادية من طور “الإعلام المساند” إلى طور “الإعلام المؤسس”. ففي حالة القاعدة، كان الإعلام يخدم العمليات؛ أما في حالة داعش، فقد كانت العمليات تُصمم أحياناً لخدمة الأثر الإعلامي.
5 – الاستمرارية والقطيعة
رغم هذه الفروق، لا يمكن تجاهل عناصر الاستمرارية بين التنظيمين، خاصة في المرجعية العقدية العامة، ومفهوم الجهاد العالمي، وعداء الغرب. غير أن القطيعة تكمن في مستوى الاحترافية الإعلامية، وفي ادعاء الدولة، وفي توسيع دائرة التكفير.
يمكن القول إن داعش لم يُلغِ نموذج القاعدة، بل طوّره ووسّعه داخل بيئة رقمية أكثر تعقيداً، مستفيداً من دروس التجربة السابقة. وإذا كانت القاعدة تمثل “الجيل الأول” من الجهادية المعولمة، فإن داعش يمثل “الجيل الثاني الرقمي”، الذي أعاد هندسة العلاقة بين العنف والإعلام، وبين التنظيم والسردية.
يشير بروس هوفمان إلى أن القاعدة اعتمدت خطاباً نخبويًا محدود الانتشار¹⁵، بينما انتقل داعش إلى نموذج تعبوي جماهيري يعتمد الإنتاج الاحترافي والانتشار الفيروسي.
ويؤكد محمد الديب أن داعش مثّل “قفزة نوعية في توظيف الإعلام كأداة تأسيس دولة متخيلة لا مجرد تنظيم مسلح”¹⁶.
المبحث السادس: ما بعد السقوط – التحول الشبكي وإعادة إنتاج السردية
شكّل سقوط الموصل سنة 2017 ثم الرقة لاحقاً نقطة تحوّل حاسمة في المسار البنيوي لتنظيم “الدولة الإسلامية”. فبفقدانه السيطرة المكانية على المجال الذي أعلن فيه “الخلافة”، انهار الشكل الدولتي الظاهر للتنظيم، غير أن هذا الانهيار لم يؤدِّ إلى تفككه الكلي، بل إلى تحوّله البنيوي من نموذج الدولة الإقليمية إلى نموذج الشبكة اللامركزية. وهنا يتبدّى الفارق بين التنظيمات التقليدية التي ترتبط شرعيتها بالمجال الجغرافي، والتنظيمات الشبكية التي ترتبط شرعيتها بالسردية الجامعة.
لقد انتقل التنظيم من منطق “التمكين المكاني” إلى منطق “التمكين الشبكي”، حيث لم تعد الأرض مركز الثقل، بل أصبحت المنصات الرقمية ودوائر الاتصال المشفّر هي المجال الحيوي الجديد. وتقلّص الإنتاج الإعلامي عالي التكلفة الذي ميّز مرحلة الذروة (الأفلام السينمائية الطويلة، تقنيات التصوير المتقدمة، المجلات المصممة باحترافية)، ليحلّ محله نمط أكثر بساطة ومرونة يقوم على الرسائل الصوتية القصيرة، البيانات المكتوبة، والمقاطع السريعة القابلة لإعادة التداول. هذا التحول لا يعكس تراجعاً تقنياً فقط، بل يعبر عن إعادة تموضع استراتيجية تتلاءم مع وضعية “ما بعد الدولة”.
من منظور سوسيولوجي، يمكن فهم هذا التحول في ضوء نظرية “مجتمع الشبكة” عند مانويل كاستلز، حيث تتسم الكيانات الشبكية بالقدرة على إعادة التشكل وفق الضغوط الخارجية دون فقدان هويتها الرمزية. فالتنظيم، رغم خسارته للحيز الجغرافي، حافظ على نواته السردية: فكرة الخلافة، وثنائية الصراع الكوني، وتمجيد الشهادة. إن السردية هنا تحلّ محل الجغرافيا باعتبارها مصدر الشرعية. وبهذا المعنى، انتقل التنظيم من “دولة قائمة” إلى “أفق متخيَّل”، ومن كيان مادي إلى بنية رمزية عابرة للأمكنة.
كما تجدر الإشارة إلى أن التحول الشبكي ترافق مع تصاعد خطاب “الذئاب المنفردة” والعمليات الفردية، حيث لم يعد المطلوب الهجرة إلى أرض الخلافة، بل تنفيذ الفعل داخل المجتمعات المحلية. هذا النمط يعكس لامركزية عملياتية تسمح بإعادة إنتاج العنف دون حاجة إلى قيادة ميدانية مباشرة. وهنا يصبح الإعلام — خاصة عبر التطبيقات المشفرة — أداة تعبئة وتحفيز أكثر منه أداة عرض واستعراض. لقد انتقل التنظيم من صناعة المشهد الكبير إلى تحفيز الأفعال الصغيرة المتكررة، بما يضمن استدامة الحضور الرمزي رغم الانكماش المادي.
وتشير دراسات حديثة في مجال الإرهاب الرقمي إلى أن هذا النوع من التنظيمات يتميز بما يمكن تسميته “المرونة البنائية”، أي القدرة على الانكماش والانتشار في آن واحد، وفق منطق الخلايا المستقلة المرتبطة بسردية مركزية واحدة¹⁷. فحتى في ظل الضغط الأمني المكثف وإغلاق الحسابات والمنصات، يعيد الفاعلون إنتاج شبكاتهم عبر قنوات بديلة، مستفيدين من طبيعة الفضاء الرقمي القابل لإعادة التشكل.
إن التحول من الدولة إلى الشبكة يكشف عن حقيقة مفادها أن هزيمة التنظيم عسكرياً لا تعني نهايته الرمزية. فطالما ظلت السردية قادرة على الاستقطاب، وطالما استمرت البيئة الرقمية في توفير فضاءات لإعادة الانتشار، فإن التنظيم يحتفظ بإمكانية التحول والتكيف. ومن هنا، فإن مقاربة “ما بعد السقوط” تستدعي تحليلاً يتجاوز سؤال السيطرة الجغرافية إلى سؤال استدامة المخيال، لأن التنظيم، في مرحلته الشبكية، لم يعد يسعى إلى احتلال الأرض بقدر ما يسعى إلى احتلال الوعي.
بعد فقدان السيطرة المكانية، تحوّل التنظيم إلى نموذج الخلايا الرقمية، مع تقليص الإنتاج عالي التكلفة، والاعتماد على رسائل صوتية قصيرة.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن هذا التحول يعكس قدرة التنظيمات الشبكية على إعادة التموضع دون فقدان السردية المركزية¹⁷.
خاتمة
تكشف هذه الدراسة أن تنظيم داعش نجح في تحويل الإعلام إلى ركيزة وجودية لمشروعه. لقد أعاد تعريف
كما تظهر هذه الدراسة أيضا، أن تنظيم داعش لم يتعامل مع الإعلام باعتباره أداة وظيفية مكمّلة للفعل العسكري، بل ارتقى به إلى مستوى الركيزة الوجودية التي يقوم عليها مشروعه برمّته. فقد أعاد التنظيم تعريف العلاقة بين الإرهاب والصورة، بحيث لم يعد العنف فعلاً مادياً فقط، بل حدثاً بصرياً مُنتجاً للمعنى؛ كما أعاد صياغة العلاقة بين العنف والرمز، عبر تحويل القتل إلى خطاب دلالي مشحون بالتأويلات العقدية والأسطورية؛ وأخيراً، أعاد تركيب مفهوم الدولة نفسها داخل أفق شبكي عابر للحدود، حيث تتأسس السلطة على التحكم في التدفقات الرقمية بقدر ما تتأسس على السيطرة المكانية. وبهذا المعنى، لم يكن إعلام داعش مجرد وسيلة تواصل، بل كان جهازاً لإعادة هندسة الإدراك، وصناعة الهوية، وبناء سردية كلية للصراع.
وتُظهر المقاربة المركبة التي اعتمدتها الدراسة — السوسيولوجية والاتصالية والسيميائية — أن تفكيك هذا النموذج لا يمكن أن يظل حبيس المقاربة الأمنية أو التقنية، لأن جذوره تمتد في البنية الرمزية والثقافية التي تمنحه قابلية الانتشار والاستقطاب. لذلك فإن المواجهة الفعالة تستدعي تفكيكاً خطابياً يعري آليات التأطير والاستقطاب الثنائي، ومواجهة معرفية تعيد مساءلة المفاهيم المؤسسة لخطاب “الخلافة” و”الشهادة”، وبناء سرديات بديلة قادرة على استعادة المجال الرمزي من هيمنة التطرف، إلى جانب إنتاج إعلامي مضاد يتقن لغة العصر وأدواته الرقمية. إن معركة المستقبل، كما يتضح، ليست فقط في الجغرافيا أو في موازين القوة المادية، بل في المخيال الجمعي، وفي القدرة على تشكيل المعنى وتوجيهه داخل فضاء شبكي تتقاطع فيه السلطة بالصورة، والعقيدة بالوسيط، والهوية بالسردية.
الهوامش
أحمد مصطفى الشريف، الثورة الرقمية وتشكيل الفضاء العام (القاهرة: دار نبوت، 2018)، 21.
Manuel Castells, The Rise of the Network Society (Oxford: Blackwell, 1996).
Bruce Hoffman, Inside Terrorism (New York: Columbia University Press, 2006).
Robert Entman, “Framing,” Journal of Communication (1993).
عبد الإله بلقزيز، العنف السياسي والإعلام (الرباط: منشورات كلية الآداب، 2019)، 44.
Stig Hjarvard, The Mediatization of Culture (2013).
سعيد العتيبي، الإعلام الرقمي وشبكات الاتصال المعاصرة (الرياض: مكتبة العبيكان، 2020)، 112.
Pierre Bourdieu, Language and Symbolic Power (1991).
محمد زيدان، الإرهاب المعاصر (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2017)، 89.
Castells, Network Society.
ليلى كيوان، الإرهاب الرقمي (بيروت: المركز العربي، 2022)، 67.
خالد المنيسي، الجهاديون المعاصرون (الرباط: منشورات جامعة محمد الخامس، 2019)، 133.
سمر علي، الرمز والهوية (القاهرة: دار الثقافة، 2019)، 101.
عبد الواحد العمراني، الخطاب الجهادي (الدار البيضاء: جامعة الحسن الثاني، 2021)، 58.
Hoffman, Inside Terrorism.
محمد الديب، داعش: من النشأة إلى السقوط (القاهرة: دار الشروق، 2020)، 150.
M. Berger, ISIS: The State of Terror (2015).
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





