زلزال الخليج 2026.. مخاض “الشرق الجديد” بين صدمة الاغتيال وعبقرية الردع.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

بقلم: مخلص حجيب
صحفي وباحث في التاريخ

 

 

سجل تاريخ الأول من مارس 2026 انعطافة كبرى لم تكن متوقعة في حسابات غرف العمليات الدولية.. حيث استيقظ العالم على وقع نبأ هز أركان المنطقة.. مقتل المرشد الأعلى الإيراني مع انطلاق الشرارة الأولى للمواجهة العسكرية الواسعة في الخليج. هذا الحدث، الذي بدا وكأنه “ضربة قاصمة” تهدف لإرباك هرم القيادة في طهران، طرح تساؤلات استراتيجية عميقة حول جدوى أنظمة الحماية وبروتوكولات الطوارئ في دولة لطالما فاخرت بتحصيناتها “تحت الأرضية”، ومراكز إدارة الأزمات التي صُممت خصيصاً لمواجهة مثل هذه اللحظات الوجودية.

غير أن القراءة العميقة للميدان، بعيداً عن صدمة “الاغتيال السياسي”، تكشف أن الدولة الإيرانية ومن خلفها محور المقاومة، لم يرتهنوا يوماً لكاريزما الفرد بقدر ارتهانهم لصلابة المنظومة.. فبينما كان الخبراء يتوقعون انهياراً سريعاً في صفوف القوات الإيرانية عقب استهداف “الرأس”، جاء الرد العسكري ببراعة تكتيكية قلبت الطاولة على المخطط الأمريكي-الإسرائيلي، معلنةً دخول المنطقة في طور “العمى الاستراتيجي” للعدو بعد تحييد منظومات رادارية حساسة في قطر والمنطقة.

لقد برهنت الساعات الماضية أن التصدي الإيراني لم يكن مجرد رد فعل انفعالي، بل كان “هجوماً مضاداً ذكياً” استهدف 14 قاعدة أمريكية في آن واحد.. هذا التنسيق العالي يؤكد أن “بروتوكول الظل” الذي يدير العمليات لم يتأثر بغياب القيادة السياسية، بل لعل صدمة الاغتيال كانت المحفز لتفعيل خيارات عسكرية قصوى، وضعت القواعد الأمريكية في “كماشة” نارية، وحولتها من مراكز انطلاق للهجوم إلى أهداف دفاعية هشة تحاول النجاة من موجات الصواريخ الدقيقة.

من الناحية المنطقية، يجد المحلل نفسه أمام مفارقة تقنية غريبة.. فكيف نجح العدو في اختراق الجدار الأمني للمرشد، بينما عجزت أنظمته الدفاعية المتطورة عن حماية راداراته وقواعده من “طوفان” المسيرات والصواريخ؟ هذا التساؤل يقودنا إلى فرضية وجود “ثغرات استخباراتية” داخلية في طهران سهلت مهمة الاغتيال، مقابل “تفوق تكنولوجي ميداني” للمقاومة استطاع تحييد الهيمنة الجوية الغربية وإسقاط أسطورة “التفوق المطلق” في سماء الخليج.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد حرب إقليمية عابرة، بل هو صراع على “هوية النظام العالمي القادم”.. فمحاولة كسر إرادة المقاومة عبر “عمليات قطع الرأس” لم تنجح في تحقيق “النصر السياسي” المنشود.. إذ إن الشارع الإيراني والحلفاء الإقليميين أظهروا تماسكاً غير مسبوق، معتبرين أن دماء القيادة هي الوقود الجديد لمعركة “التحرر الكبرى”، وهو ما وضع واشنطن وتل أبيب في مأزق “الاستنزاف الطويل” الذي لطالما حاولوا تجنبه.

عسكرياً، أثبتت المنظومات الدفاعية الإيرانية مثل “خاتم الأنبياء” قدرة فائقة على تحييد المقاتلات من الجيل الخامس، مما يعني أن التفوق الجوي الذي كان يُحسم به الحروب في ثوانٍ، أصبح اليوم محل شك.. هذا التحول يعيد الاعتبار لسلاح الصواريخ والمسيرات كأدوات “ردع رخيصة التكلفة وعالية التأثير”، قادرة على شل ممرات الطاقة العالمية وإحداث شلل في الاقتصاد الدولي، وهو السلاح الذي بدأت المقاومة في استخدامه فعلياً عبر التهديد بإغلاق الممرات المائية.

وفي ظل هذا الضباب الكثيف، يبرز التساؤل حول “اليوم التالي”.. فهل سيؤدي غياب المرشد إلى صعود قيادة عسكرية أكثر راديكالية لا تؤمن بالدبلوماسية؟ كل المعطيات تشير إلى أن “مجلس الأمن القومي” الإيراني قد نقل صلاحياته بالفعل إلى قيادات ميدانية تدير المعركة بمنطق “الحرب الشاملة”، مما يجعل خيارات التهدئة بعيدة المنال في المدى المنظور، ويجعل من فكرة “تغيير النظام” ضرباً من الخيال العسكري في ظل تلاحم القوى المسلحة.

إن المقال التحليلي المنصف يقتضي الإشارة إلى أن “براعة التصدي” لم تكن دفاعية فقط، بل كانت “سياسية” بامتياز، حيث نجحت طهران في إحراج حلفاء واشنطن في المنطقة، مظهرةً عجز القواعد الأجنبية عن حماية نفسها، فضلاً عن حماية الدول المستضيفة.. هذا المعطى سيغير بلا شك الخارطة التحالفية في المستقبل، حيث ستبحث دول المنطقة عن صيغ أمنية جديدة بعيداً عن المظلة الأمريكية التي بدت “مثقوبة” أمام الصواريخ الانقضاضية.

تاريخياً، تذكرنا هذه اللحظة بالتحولات الكبرى التي تلي اغتيال الرموز.. حيث تتحول الرمزية إلى “عقيدة قتالية”.. ومن هنا، يمكن القول إن الحرب التي نشبت اليوم في الخليج قد حققت للمقاومة نصراً معنوياً وميدانياً في آن واحد، رغم الخسارة البشرية الفادحة.. فالعدو الذي كان يخطط لـ “جراحة دقيقة” وجد نفسه غارقاً في “حرب عصابات تكنولوجية” لا حدود جغرافية لها، وتمتد من ضفاف الخليج إلى عمق المتوسط.

استشرافاً للمستقبل.. يبقى مشهد الدخان المتصاعد من القواعد الأمريكية وتدمير رادارات الإنذار المبكر هو الصورة الأبرز في هذا الصراع.. إنها لحظة الحقيقة التي كشفت أن القوة العسكرية لم تعد تقاس بعدد الطائرات، بل بالقدرة على الصمود والإبداع في الردع.. وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع التوجهات السياسية، فإن المنطق العسكري يفرض احترام “البراعة” التي أدارت بها المقاومة هذه الأزمة، محولةً فاجعة الاغتيال إلى زلزال يهدد عروش الهيمنة في المنطقة برمتها.

إيطاليا تلغراف

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...