بين الحزن والغضب.. الجزيرة نت ترصد مشاهد من طهران بعد اغتيال خامنئي

إيطاليا تلغراف متابعة

طهران- بين حداد رسمي وحزن شعبي، وطقوس عزاء تتخللها شعارات سياسية، ومخاوف مفاجئة من قصف صاروخي يقترب من مواقع التجمع، بدت العاصمة الإيرانية في يوم كان يُفترض أن يكون رمضانيا اعتياديا، لكنه تحوّل إلى مشهد مرّكب تتداخل فيه مشاعر الولاء لولاية الفقيه مع دعوات لإعادة النظر في المسار السياسي، وسط غموض يخيم على المرحلة المقبلة.

وبعد ساعات من إعلان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اغتيال المرشد علي خامنئي جراء قصف صاروخي أمريكي إسرائيلي مشترك، جالت الجزيرة نت في عدد من أحياء طهران، بدءا من شمالها، وتحديدا في شوارع حي سعادت آباد، حيث يخيم هدوء غير مألوف، وتبدو محطات المترو شبه خالية بما يذكر بصباحات الجمعة، غير أن الحواجز الأمنية المنتشرة في أماكن لم تعهدها المدينة توحي بأن حدثا استثنائيا وقع.

ويتبدل المشهد كلما اتجهنا جنوبا نحو قلب العاصمة، مرورا بساحة توحيد وشارع آزادي وصولا إلى ساحة الثورة الإسلامية، التي كانت قد شهدت قبل أيام تجمعات احتجاجية حاشدة تنديدا بأعمال شغب أوقعت أكثر من 3 آلاف قتيل.

الدعوة للثأر

في الطرق المؤدية إلى جامعة طهران، تتغير الصورة تدريجيا، إذ تزدحم الشوارع ويحتشد آلاف في الساحة التي اعتادت احتضان الفعاليات الرسمية. ترتفع أصوات البكاء والمراثي، وتنخرط نساء في النحيب، فيما يلطم رجال صدورهم، لكن الهتافات التي تتردد تمزج بين الحزن والغضب.

ومع تقدم مراسم العزاء، تتحول الشعارات من الرثاء إلى الدعوة الصريحة للثأر، فيهتف المحتشدون “لا مساومة ولا استسلام.. انتقام انتقام”، و”هيهات من الذلة”، وتتداخل الهتافات مع أناشيد تقول “اليوم يوم العزاء.. وخامنئي عند الله” و”أيها القائد الحر.. سيستمر نهجك”.

وتبلغ الهتافات ذروتها حين تكتسب طابعا سياسيا مباشرا، فترتفع شعارات “الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل.. الموت للبهلوي”، ليغدو المشهد مزيجا من طقوس دينية وخطاب سياسي حاد، يجدد الولاء للخطاب الأيديولوجي الرسمي ويحمّل أطرافا خارجية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.

انفجارات قريبة

ومع اقتراب الظهيرة، دوت انفجارات قوية في محيط ميدان آزادي القريب من مطار مهرآباد الدولي، على بعد كيلومترات قليلة من موقع التجمع. ساد الذعر، وهرع عشرات نحو محطة المترو بحثا عن مأوى، غير أن لحظة الخوف لم تضع حدا لمراسم العزاء التي واصلت طقوسها الممزوجة بالغضب.

ومن بين الحشود، يرى الدكتور مصطفى (58 عاما) أن بلاده تواجه حربا وجودية بالمعنى الإستراتيجي، لأنها استهدفت رأس هرم السلطة إلى جانب مسؤولين عسكريين وأمنيين بارزين.

ويقول للجزيرة نت إن التهديدات التي تطال الأمن القومي الإيراني تفرض على الدولة أولوية الحفاظ على الكيان والسيادة، ثم وضع حد للهجمات والرد عليها، محذرا من أن عدم تنفيذ المؤسسة العسكرية لوعودها سيجعل الضربات تتواصل على طهران.

أما الحاج عبد الناصر (57 عاما) فيرفض الطروحات الأمريكية التي تدعو العسكريين الإيرانيين إلى إلقاء السلاح أو البحث عن قيادة بديلة، معتبرا أن ذلك يتجاهل طبيعة المؤسسة العسكرية في إيران، إذ إن الحرس الثوري أُسس لحماية الثورة الإسلامية والدفاع عن ولاية الفقيه.

ويقول عبد الناصر للجزيرة نت إن دعوات الانشقاق تشبه مطالبة حرس الفاتيكان بالتمرد على البابا لأسباب سياسية.

ويضيف أن الحديث الأمريكي عن تغيير النظام جعل أي بديل يطرح بدعم من واشنطن ينظر إليه باعتباره خائنا، مما يدفع الإيرانيين إلى الالتفاف حول سلطاتهم وتوحيد صفوفهم في مواجهة ما يرونه عدوانا خارجيا.

في المقابل، وعلى بعد كيلومترات قليلة في حي كيشا، تعكس شيرين “في الثلاثينيات من عمرها” رؤية مختلفة، إذ تقول للجزيرة نت إنها لا تتبنى خطاب الانتقام، وترحب بأي انضمام لعناصر عسكرية إلى المحتجين الذين واجهوا قبضة أمنية مشددة خلال الأسابيع الماضية، مؤكدة أنها لم تعش أحداث 1979 ومن حقها أن تشارك في تقرير مصيرها.

حرب نفسية

وفي الحي ذاته، يرى علي (29 عاما) أن الحديث عن تغيير النظام يندرج ضمن “حرب نفسية وإعلامية” تشنها واشنطن، مضيفا أن الولايات المتحدة تدرك صلابة بنية الولاء داخل المؤسسات الإيرانية، لذلك تسعى إلى تصوير القيادة على أنها معزولة عن شعبها ومؤسستها العسكرية بهدف إحداث شرخ داخلي وتقديم نفسها كمنقذ.

وبينما أُغلقت المراكز التجارية حدادا في مختلف أنحاء البلاد، ظلت محال البقالة والمخابز مفتوحة، في حين شهدت ورش تصليح السيارات حركة ملحوظة، حيث توافد مواطنون لإجراء صيانة سريعة وتغيير الزيوت، في مشهد يوحي باستعدادات لرحلات محتملة أو رغبة في الابتعاد عن أجواء التوتر التي تخيم على العاصمة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...