نبيل التّويول / إيطاليا تلغراف –
لم يعد الحديث عن إصلاح الصحافة المغربية ترفا تنظيميا، بل أصبح سؤالا يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على ترسيخ حكامة مؤسساتها، وتعزيز شفافية تدبيرها، وبناء فضاء عمومي قادر على إنتاج النقاش النقدي المسؤول حول السياسات العمومية. ففي سياق التحولات العميقة التي يشهدها المغرب، وتحت سقف الرؤية التنموية التي يقودها جلالة الملك محمّد السّادس نصره الله، في إطار النموذج التنموي الجديد، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف وظيفة الإعلام باعتباره قطاعا استراتيجيا لا يقل أهمية عن القطاعات الحيوية للأمّة.
ورغم أن الإطار القانوني المنظم للمهنة قد عرف تطورات مهمة، فإن الواقع المهني يكشف عن فجوة كبيرة بين النص والتطبيق، فالنموذج المالي القائم على الإشهار التقليدي والدعم العمومي غير المشروط أحيانا لم يعد كافيا لضمان الاستدامة، في ظل المنافسة الرقمية الشرسة وهيمنة المنصات العالمية على سوق الانتباه والإعلانات.
و في هذا السياق، يظل دور المجلس الوطني للصحافة محوريا في ضبط الممارسة المهنية وتنظيمها، غير أن تحوله من جهاز تنظيمي إلى فاعل استراتيجي قادر على إنتاج مؤشرات وطنية لقياس الجودة والأداء سيشكل نقلة نوعية في حكامة القطاع. فالإصلاح الحقيقي لا يكمن فقط في الرقابة التأديبية، بل في بناء منظومة تقييم شفافة تربط بين الالتزام المهني والاستدامة الاقتصادية، وبين جودة المحتوى وثقة الجمهور.
إن أحد أبرز التحديات التي تواجه الصحافة المغربية اليوم يتمثل في غياب نظام تصنيف وطني يعتمد معايير كمية ونوعية واضحة، وهو ما يجعل تقييم المؤسسات الإعلامية يتم بشكل عشوائي، استنادا إلى مؤشرات انتشار رقمية أو تقديرات سوقية لا تعكس بالضرورة القيمة التحريرية أو العمق التحليلي. وهذا الفراغ المنهجي يفتح المجال أمام ضرورة إطلاق نقاش وطني حول بناء أداة تقييم مؤسسية تشكل مرجعا للإصلاح ولإعادة ترتيب أولويات القطاع.
ومن منظور المقارنة الدولية، يمكن الاستفادة من تجارب المؤسسات الإعلامية الأوروبية التي طورت نماذج صحافة الوكالة القائمة على التحليل العميق والاشتغال الاحترافي العابر للحدود. وفي هذا الإطار، تمثل تجربة Italy Telegraph نموذجا مهنيا يستحق القراءة النقدية، ليس من زاوية الاستنساخ، بل من زاوية استلهام آليات العمل، والجرأة في طرح القضايا الاستراتيجية، والقدرة على فتح نقاشات تتجاوز الجغرافيا المحلية لتلامس أسئلة الحوكمة والإصلاح والتموقع الدولي للمغرب.
إن انخراط منصات أوروبية في إثارة النقاش حول واقع الإعلام المغربي لا ينبغي أن يفهم كوصاية خارجية، بل كشكل من أشكال التفاعل المهني لمغاربة العالم، الذي يفتح المجال أمام تبادل الخبرات، وتعزيز الشفافية و الموضوعية في النقاش العمومي الداخلي، إلى جانب إيصال الرؤية الإصلاحية المغربية إلى فضاءات أوسع من الدائرة الوطنية. فالإعلام اليوم لم يعد محصورا داخل الحدود السياسية، بل أصبح شبكة تفاعلية عابرة للقارات، تتقاطع فيها المصالح المعرفية والاقتصادية والسياسية و الثقافية…
وإذا كان الإصلاح الإعلامي يمثل مكوّن أساسي من مكونات ورش إصلاح منظومة الحكامة للمملكة، فإن ربطه بالنموذج التنموي الجديد يمنحه بعدا استراتيجيا، لأن التنمية لا تتحقق فقط عبر الاستثمار في البنية التحتية أو السياسات الاقتصادية، بل أيضا عبر بناء فضاء إعلامي قادر على مراقبة الأداء، ونقل المعلومة الموثوقة، وتفكيك الخطابات المغلوطة، وتوسيع دائرة النقاش العام المبني على البيانات.
وفي هذا الإطار، تبرز مجموعة من الأولويات الملحة:
أولا، تحديث نموذج تمويل المؤسسات الصحافية بما يضمن تنوع مصادر الدخل واستقلالية القرار التحريري.
ثانيا، إدماج مؤشرات الأداء والجودة في سياسات الدعم العمومي، بدل الاكتفاء بالمعايير الشكلية المرتبطة بعدد العاملين أو انتظام الصدور.
ثالثا، دعم الصحافة الاستقصائية والتحليلية باعتبارها ركيزة أساسية لتعزيز الرقابة المجتمعية.
رابعا، تسريع التحول الرقمي عبر الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في غرف التحرير.
خامسا، تعزيز التكوين المستمر للصحفيين وربط المؤسسات الجامعية بسوق الممارسة المهنية.
إن هذه المحاور لا تمثل مطالب قطاعية ضيقة، بقدر ما تشكل عناصر بنيوية لأي إصلاح جدي يطمح إلى جعل الصحافة المغربية فاعلا تنمويا لا مجرد ناقل للأحداث. ومن هنا، فإن فتح قنوات حوار مهني بين الفاعلين المغاربة ومنصات إعلامية دولية مهتمة بطرح الأسئلة الإصلاحية، يمكن أن يسهم في رفع مستوى النقاش وتدويله ضمن إطار شراكة معرفية متميّزة.
وفي المحصلة، فإن إصلاح الصحافة في المغرب، بات ضرورة أساسية مرتبطة بتحصين المسار التنموي، وبناء إعلام قادر على مواكبة التحولات الرقمية والجيوسياسية المتسارعة. وكل خطوة في اتجاه بناء منظومة تقييم واضحة، أو تحديث نموذج التمويل، أو تعزيز الاستقلالية المهنية، تمثل لبنة إضافية في مشروع تحديث القطاع وجعله في مستوى الطموح الوطني.





