شهادة للتاريخ أم مسرح الذاكرة؟ مقاربة نقديّة في تشكل الخطاب السياسي الاستعراضي
* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
– في تأويل الظاهرة وشروط إنتاجها
ثمة لحظة فارقة تتشكل فيها الذاكرة السياسيّة لا بوصفها وعاءً للتاريخ، بل مسرحًا للذات؛ حيث تتحول الشهادة المفترضة إلى أداء استعراضي يخضع لمنطق البهرجة أكثر من خضوعه لمنطق الحقيقة.
وليس ثمة أبلغ من متابعة تلك السلسلة من المقاطع المرئيّة التي تقدم نفسها باعتبارها “مذكرات أو شهادات تاريخيّة”، لتكشف عن نمطيّة مقلقة: شذرات سرديّة منفصلة عن سياقاتها العامة، تتنقل بين الادعاء والتفاخر و(لفشَر)، بينما يظل المحاور أسير سذاجة منهجيّة تجعل من الحوار مجرد خلفيّة صوتيّة لتعظيم ذاتي، لا أداة لاستكناه الوقائع.
إن السؤال المركزي الذي تفرضه هذه الظاهرة لا يتعلق فقط بمدى دقة المعلومات المقدمة، بل يمتد إلى الجذر الأنطولوجي للذاكرة السياسيّة ذاتها: كيف يمكن لهذه الذاكرة، التي يفترض أن تكون مرآة نقديّة للتاريخ، أن تتحول إلى فضاء للتهريج والتضخيم؟
وما هي الآليات التي تجعل من الشهادة التاريخيّة مادة قابلة للاستهلاك البصري، تفتقر إلى التماسك الداخلي، وتخلو من خيط ناظم يربط بين الأحداث والأفكار؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي تجاوز القراءة الأخلاقية التي تكتفي باستنكار “الكذب” أو “التزوير”، أو الحجب والتمرير والتدليس والزيادة والنقصان؛ نحو مقاربة تركيبيّة تستحضر الأبعاد السوسيولوجية والسياسيّة والنفسية التي تتيح إنتاج مثل هذا الخطاب.
فظاهرة توظيف التاريخ لخدمة الهالة الشخصيّة ليست وليدة اللحظة، بل تعبر عن أزمة بنيويّة في علاقة السياسي بالتاريخ، حيث يصبح الماضي موردًا رمزيًا قابلاً للاستنزاف، لا مجال للتعلم فيه بقدر ما هو ساحة لإعادة كتابة الذات وفق ما تمليه ضرورات الحاضر.
– أولاً: البنية الاستعراضية للذاكرة: من الوثيقة إلى الأداء
حين تُقرأ هذه “الشهادات” بوصفها نصوصًا مكثفة، يتبدى أن ما يجمعها ليس تماسكًا موضوعيًا، بل تكرار نمط سردي قائم على التناوب بين لحظتين: لحظة بهرجة تبغي استلاب الانتباه، وأخرى ادعائية تسعى إلى فرض الهيبة.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذا التناوب لا ينتج تاريخًا، بل ينتج “أثرًا تاريخيًا” زائفًا؛ أي تمثيلًا للماضي يخضع لشروط العرض المسرحي أكثر من خضوعه لشروط التحقيق المعرفي.
إن ما يحدث هنا هو تحول جوهري في دلالة الشهادة: فحين يفترض في الشهادة أن تكون أقرب إلى “الوثيقة”؛ أي إلى نص قابل للتدقيق والتثبت؛ تصبح في هذا السياق أقرب إلى “الأداء”، حيث تُعرض الحقائق (أو ما يُروج على أنها حقائق) وفق إيقاع درامي يهدف إلى إنتاج تأثير انفعالي في المتلقي، لا إلى إنتاج فهم عقلاني.
وهذا الانزياح من “الإخبار” إلى “الإبهار” ليس مجرد خيار أسلوبي، بل يعكس تحولًا في مفهوم الحقيقة ذاتها داخل الخطاب السياسي: فالحقيقة لم تعد ما يتوافق مع الواقع، بل ما يحقق أكبر قدر من القبول الانفعالي في لحظة البث.
وهنا يبرز دور المحاور بوصفه عنصرًا فاعلاً في إنتاج هذه الظاهرة، لا مجرد ناقل محايد. فعجز المحاور عن بناء سلسلة أسئلة جوهريّة بناءة وسويّة، تحفز التفكير، وانغماسه في سذاجة منهجيّة تصل إلى حد إثارة الشفقة، ليس مجرد ضعف فردي، بل قد يُقرأ بوصفه جزءًا من استراتيجية غير معلنة تقوم على أساس تغذية “هالة” الشخصيّة السياسيّة عبر إزالة أي احتكاك نقدي قد يعكر صفاء الأداء.
ففي غياب سؤال ناقد، يتحول الحوار إلى مرآة تعكس الصورة التي يريد السياسي أن يراها أو يرغب في تمريرها عن نفسه، لا الصورة التي يستحقها التاريخ عنه.
– ثانياً: أزمة السرد بين التفتت والادعاء
لماذا تفشل الذاكرة في أن تكون كلًا؟
ثمة مفارقة بنيوية تكاد تكون ثابتة في هذا النوع من الشهادات: بينما يُفترض في السيرة التاريخية أن تقوم على “كلية عضوية” تجمع بين الأحداث والرؤى والدروس، تظل هذه السرديات أسيرة التفتت، حيث تظهر الشذرات السردية معزولة عن بعضها، وكأنها “بطاقات بريدية” من الماضي لا علاقة بينها سوى أنها صادرة عن ذات واحدة.
وهذا التفتت ليس عيبًا في الأسلوب فحسب، بل يعكس أزمة أعمق في علاقة صاحب الشهادة بزمنية التاريخ.
إن غياب الخيط الناظم؛ أي المفهوم أو الرؤية التي تمنح الأحداث والوقائع معناها وتكشف عن علاقاتها الداخليّة؛ يجعل من السرد مجرد “تجميع” لا “تركيبًا”. وحين يغيب التركيب، يصبح من المستحيل التمييز بين ما هو “حادثة” وما هو “عبرة”، بين ما هو “موقف” وما هو “موقف منه”.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: فالذاكرة التي لا تقدم نفسها ككل متماسك لا يمكنها أن تكون أداة للتعلم، لأن التعلم من التاريخ يستلزم قدرة على استخلاص العلاقات السببية واستنباط الدروس والعبر، وهذا ما تفتقر إليه السرديات المتفتتة التي تكتفي بعرض الأحداث وكأنها مجرد “أسماء” و”تواريخ”.
لكن التفتت ليس سوى وجه لظاهرة أعمق، ألا وهي “الادعاء”. فالخطاب هنا لا يعمل على مستوى الإقناع بالحجج، بل على مستوى “فرض الهيبة” عبر التكرار والجزم. وكلما كان السرد متفتتًا، زادت الحاجة إلى الادعاء لسد الفجوات، ليصبح التكرار وسيلة لتعويض غياب البرهان.
وهكذا نصل إلى مفارقة كبرى: فكلما كان الخطاب فقيرًا في مضمونه المعرفي، كان أكثر غنى في أدواته الاستعراضية، وكأن البهرجة هي التعويض الطبيعي عن غياب العمق.
– ثالثاً: جدلية الذاكرة المشوهة وإمكان النقد: نحو استعادة التاريخ من هيمنة المسرح
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على كشف زيفها، بل تمتد إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن استعادة قيمة التاريخ عندما يُختزل في أداء استعراضي؟ وهل يمكن للذاكرة المشوهة، رغم كل عيوبها، أن تتحول إلى مادة للتفكير النقدي، أم أنها محكوم عليها بأن تظل مجرد “برودكاستات” عابرة لا تترك أثرًا في الوعي الجمعي؟
لعل الإجابة تتوقف على وعي المتلقي نفسه. فإذا كانت هذه الشهادات تمثل أزمة في إنتاج الخطاب السياسي، فإنها تمثل أيضًا فرصة؛ وإن كانت مؤلمة؛ لاختبار صحة الوعي الجمعي.
فالمشاهد الذي يواجه هذا الخليط من الادعاءات والتفاخر والتمثيل المسرحي مدعو إلى تطوير قدرة على التمييز بين الظاهر والجوهر، بين ما هو “تاريخ” وما هو “مسرح سياسي”.
وهذه القدرة لا تأتي من فراغ، بل تتطلب وعيًا نقديًا يدرك أن التاريخ ليس مجرد “معلومات” تُستهلك، بل هو ميدان صراع على المعنى، حيث تحاول كل قوّة أن تفرض روايتها.
وهنا يبرز البعد السوسيو-سياسي الأعمق: إن تحول التاريخ إلى مادة للاستعراض لا يعكس فقط أزمة أخلاقية لدى بعض السياسيّين، بل يعكس أيضًا أزمة في البنية الاجتماعيّة التي تتيح إنتاج مثل هذا الخطاب واستهلاكه.
فالجمهور الذي يتلقى هذه الشهادات دون وعي نقدي يصبح شريكًا في إعادة إنتاج الزيف، بينما الجمهور الناقد القادر على تفكيك الآليات الاستعراضية يمكنه أن يحول حتى أضعف الشهادات إلى فرصة لإعادة التفكير في علاقة السياسة بالتاريخ، والذاكرة بالحقيقة.
إن الجدل بين الذاكرة المفترضة والواقع الفعلي لا يمكن حله على مستوى الخطاب فقط، بل يتطلب تحولًا في مفهوم “الشهادة” ذاتها. فالشهادة الحقيقية، في جوهرها، ليست مجرد “كشف” عن ماضٍ مجهول، بل هي التزام أخلاقي ومعرفي بوضع الماضي في خدمة الحاضر، من خلال نقد الأخطاء الكبرى في السياسات الاقتصادية والاجتماعيّة والاستراتيجية، واستخلاص الدروس التي تمنع تكرارها.
وحين تغيب هذه الوظيفة النقدية، تتحول الشهادة إلى مجرد أداة لتجميل الذات، وتصبح الذاكرة أسيرة الدوران في حلقة مفرغة من الزيف والميوعة.
¥ خلاصة: نحو وعي نقدي يستعيد التاريخ من الاستعراض
في نهاية المطاف، تقدم هذه الشهادات التاريخيّة؛ أو ما يُسمى كذلك؛ حالة ميتافيزيقية للذاكرة المشوهة: خليط من الادعاءات والتفاخر والاستعراض، دون أي خيط ناظم يربط الماضي بالحاضر أو يفتح أفقًا للمستقبل.
لكنها في الوقت نفسه تفرض على المتلقي أسئلة مصيرية: كيف نميز بين الحقيقة والتزييف؟ كيف نستخلص العبر من تاريخ مكتوب بألوان البهرجة؟ وما مسؤوليتنا كمشاهدين ومحللين تجاه استعادة التاريخ من عباءة التزييف إلى ضوء المعرفة والتحليل؟
إن قراءة هذه المواد، بكل ما تحمله من عيوب بنيوية، يمكن أن تتحول إلى تدريب على النقد، وتحفيز على التمييز بين الظاهر والجوهر، بين التمثيل السياسي والتاريخ الصادق. وحتى في أضعف صورها، قد تصبح الشهادة المائعة فرصة لإعادة تأمل التاريخ، وإعادة صياغة الوعي السياسي، بعيدًا عن الزيف والاستعراض، نحو معرفة أعمق وأكثر صدقًا. فالمسألة ليست فقط في محاكمة من يقدمون الشهادات، بل في بناء قدرات نقدية لدى الجمهور تجعله غير قابل للاستلاب، وقادرًا على تحويل كل خطاب استعراضي إلى مادة للتفكير، لا إلى مادة للاستهلاك.
وهكذا، يظل السؤال مفتوحًا: هل سنظل أسرى لمسرح الذاكرة، أم سنتمكن من استعادة التاريخ بوصفه حقلًا نقديًا مفتوحًا على المستقبل؟
الإجابة تتوقف على وعينا بآليات إنتاج الخطاب، وشجاعتنا في تفكيكها، وقدرتنا على بناء معرفة لا تستعير هيبتها من البهرجة، بل من التزامها بالحقيقة والنقد والمسؤولية.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





