أمن الخليج بين الصراع المحتدم وضريبة الجوار

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

عبدالله باعبود
أكاديمي وباحث عماني

 

تتجلى هذه الحرب كما هو معلوم، كصراع جيوسياسي محتدم تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها قوة عظمى عالمية، ومعها إسرائيل، في مواجهة إيران كقوة إقليمية نافذة في منطقة الخليج.

إنها حرب تضرب في صميم البنية الجيوستراتيجية للمنطقة وتلقي بظلالها المباشرة على أمنها؛ إذ تطل دول مجلس التعاون بسواحلها على الخليج العربي، وترتبط كليّة مصالحها وتجارتها الخارجية وصادراتها النفطية وسلاسل إمدادها بهذا الممر المائي الحيوي، وبحركية الملاحة عبر مضيق هرمز الإستراتيجي.

لقد ألقت هذه الحرب بتبعاتها الثقيلة على كاهل دول الخليج التي لم يكن لها دور في إذكاء فتيلها أو صياغة مآلاتها، بل سعت حثيثا لخفض التصعيد إدراكا منها لحجم التكاليف الإستراتيجية والأضرار التي قد تطال أمنها القومي.

ومع ذلك، ظل قرار التصعيد بيد واشنطن وتل أبيب، لتجد العواصم الخليجية نفسها اليوم مرتهنة في آتون هذا المعترك، وعرضة لتجاذبات القوى المتصارعة؛ فبينما يوجّه التحالف الإسرائيلي الأمريكي ضرباته نحو البنية التحتية والقدرات العسكرية الإيرانية، تعمد طهران إلى الرد عبر استهداف إسرائيل، والضغط على دول الخليج، من خلال مهاجمة المنشآت الإستراتيجية كمحطات الطاقة والغاز، مما يشكل تقويضا مباشرا للأمن الحيوي للمجتمعات الخليجية التي تعتمد كليا على ديمومة هذه الموارد الإستراتيجية.

لقد بلغت المسألة حدا بالغ التعقيد؛ إذ غدت دول الخليج، ساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية بين القوى المتصارعة، الأمر الذي يفرض عليها تبني مقاربات إستراتيجية مغايرة؛ لحماية أمنها القومي واستقرارها المستقبلي، لا سيما أنه بات جليا أن الاعتماد على المنظومات والبنى الأمنية القائمة لم يعد كافيا لمواجهة تحديات الردع الراهنة.

وعلى الرغم من الضغوط التي تمارسها واشنطن وتل أبيب لاستقطاب العواصم الخليجية نحو محورها، وبالرغم من الاعتداءات الإيرانية التي تدفع في الاتجاه ذاته، لا تزال دول المجلس تتمسك بسياسة “النأي بالنفس” لتجنب الانزلاق في هذا “المستنقع” الإستراتيجي.

ومع صدور بيانات خليجية رسمية تؤكد رفض العدوان والتمسك بحق الرد السيادي، إلا أن استمرار استهداف المنشآت الحيوية يضع “سياسة ضبط النفس” على المحك، ويثير تساؤلات جوهرية حول المدى الزمني لقدرة هذه الدول على تحييد نفسها قبل الانزلاق الاضطراري في أتون الحرب الشاملة.

الدور العماني والتحديات الدبلوماسية

أما فيما يخص الموقف العماني، فقد اضطلعت مسقط تاريخيا بدور محوري عبر رعاية قنوات اتصال سرية بين واشنطن وطهران، توّجت بالاتفاق النووي؛ بيد أن انسحاب إدارة ترمب الأحادي من الاتفاق في ولايته الأولى، تسبب في تقويض فاعلية “الدبلوماسية العمانية”، وأفضى إلى تأزيم المشهد الإقليمي.

وفي خضم الأزمة الراهنة، بذلت السلطنة جهودا حثيثة لتقريب وجهات النظر بين الفواعل الدولية والإقليمية، إلا أن اندلاع الهجمات المتبادلة في ذروة الحراك الدبلوماسي عقد مهمة الوسيط العماني، بعد مساعٍ مضنية لتحييد المنطقة عن تداعيات هذا الصراع.

وقبيل اشتعال المواجهة العسكرية الأخيرة، كانت العملية التفاوضية قد بلغت مراحل متقدمة للوصول إلى إبرام اتفاق، حيث أكد وزير الخارجية العماني، السيد بدر البوسعيدي، استجابة طهران لكافة الاشتراطات الأمريكية تقريبا.

بيد أنه اتضح لاحقا وجود إستراتيجية مبيّتة للتصعيد العسكري، وأن التحشيد الأمريكي لم يكن مجرد أداة “ردع” أو ضغط سياسي، بل كان تمهيدا لعمليات تنفيذية؛ الأمر الذي انعكس سلبا على أجواء الوساطة العمانية النزيهة التي تحظى بموثوقية الأطراف، وتعتمد “الدبلوماسية الهادئة” القائمة على بناء الثقة بعيدا عن صخب المزايدات السياسية.

هذا الانسداد الإستراتيجي دفع بوزير الخارجية للإعلان صراحة أن الوصول لتسوية كان وشيكا، مشيرا بوضوح إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية باتت تصاغ وفقا للمحددات والمصالح الأمنية لتل أبيب لا واشنطن، وذلك بالرغم من أن الولايات المتحدة وحلفاءها- وفي مقدمتهم دول الخليج- سيكونون المتضرر الأكبر من مآلات هذه الحرب التي ستنعكس آثارها أيضا على استقرار الاقتصاد العالمي.

الأثر الاقتصادي والجغرافيا السياسية

تجسد الجغرافيا السياسية اليوم تحديا بنيويا بالغ الخطورة؛ إذ لن تقتصر التبعات الجيواقتصادية على المنظومة الخليجية فحسب، بل ستتمدد لتطال الدول العربية المعتمدة على الطاقة كجمهورية مصر العربية، والعراق، وسوريا، وصولا إلى القوى الدولية الكبرى كالصين، والهند، واليابان، والاتحاد الأوروبي.

ومع إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز، بات الاستقرار العالمي يواجه حالة من “السيولة الأمنية” والارتهان لرغبات حكومة نتنياهو، التي نجحت في اختراق دوائر صنع القرار في واشنطن، وتوجيهها لخدمة أجندتها.

إن استهداف إيران المنشآت الحيوية والنفطية يمثل انتهاكا صارخا لمبادئ السيادة الوطنية، وسلوكا غير مبرر تجاه دول جوار كان يؤمل انخراطها في تكامل اقتصادي إقليمي عقب بوادر “الانفراجة” في العلاقات السعودية الإيرانية.

وبالرغم من التزام العواصم الخليجية بـ”الحياد الإستراتيجي” ومنع استخدام أراضيها أو أجوائها منطلقا للعمليات العسكرية ضد طهران، فإنها لا تزال عرضة للاستهداف؛ الأمر الذي قد يدفع بها نحو “نقطة حرجة” يتآكل فيها خيار ضبط النفس وتتعاظم فيها احتمالات الرد بالمثل، رغم إدراكها العميق أن هذا الانزلاق قد يصب في نهاية المطاف في مصلحة المخطط الإسرائيلي الساعي لتوسيع دائرة الصراع.

الدروس المستفادة ومستقبل الأمن الخليجي

تؤكد المعطيات الراهنة أن سلطنة عمان، شأنها شأن بقية المنظومة الخليجية، لن تذهب باتجاه اتخاذ قرارات أحادية؛ بل سيمضي التنسيق الإستراتيجي تحت مظلة “مجلس التعاون”؛ لضمان بلورة موقف موحد.

لقد فرضت هذه المواجهة دروسا قاسية، تضع “الجدوى الإستراتيجية” للترتيبات الأمنية مع واشنطن قيد المراجعة، وتثير تساؤلات جوهرية حول مدى نجاعة التحالفات العسكرية في توفير “مظلة ردع” فاعلة تحمي السيادة الإقليمية من الاستهداف.

وعليه، يتوجب على دول المجلس في المرحلة المقبلة تبني مقاربات إستراتيجية شاملة، تبدأ بضرورة تنويع الشراكات الدولية عبر بناء توازنات سياسية وعسكرية واقتصادية مع أقطاب صاعدة كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي؛ لضمان تعدد خياراتها السيادية، بالتوازي مع تعزيز الاعتماد على القوة الذاتية من خلال الاستثمار في الإرادة السياسية والعمل الجماعي المؤسسي لابتكار منظومة ردع كفيلة بحماية الاستقرار الداخلي، وصولا إلى تحقيق تكامل في السياسات الدفاعية يضمن مواءمة المنظومات الخليجية المشتركة؛ لتوفير بيئة آمنة للمشاريع التنموية والرؤى الاقتصادية؛ إذ بات من الجلي أنه لا يمكن إرساء قواعد رفاه مستدام بمعزل عن أمن إقليمي صلب ومتماسك.

وفي الختام، تجد دول الخليج نفسها اليوم وسط أمواج جيوسياسية مضطربة، ولا سبيل لصون مستقبلها إلا بتعزيز “الاعتماد على الذات” وتنويع التحالفات الدولية، لردع أي محاولات للاستقواء، وتأمين سيادتها الوطنية في مواجهة التحديات العابرة للحدود.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...