رواية «النبي الإفريقي»: الهوية الجريحة في مرايا الاستعمار

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

مريم بن عياش
كاتبة من الجزائر

 

تقوم رواية «النبي الافريقي» للجزائري فيصل الأحمر على مجموعة من الرسائل التي أرسلها البطل «محند تازروت» إلى صديقه محمد الطاهر (مومو)، فكانت رسائل صراع الغرب مع الشرق، التي يسرد فيها رحلته للبحث عن كرامة العيش، تاركا قريته «آغريب» وأمه التي رأته «نبيا صغيرا»، وبلده الجزائر الذي عانى من ويلات الاستعمار، فامتدت غربته أربعين سنة خاض فيها تجارب عديدة، وأسس عائلة مع حبيبته «آنجيل».
هي حكاية رجل بربري جزائري عربي الروح، يبحث عن الشفاء داخل غربته ومنفاه، تندرج تحتها التواريخ الصامتة لشعوب عانت ويلات الاستعمار، واستقلت من دون أن تنجح في تنقية شوائب التاريخ الكولونيالي الطويل تمام التنقية. شعوب سارت مسارها المعاكس، من حيث تدري ولا تدري، وصنعت مجدها من لباس بارد ونضال طويل، وألم عميق، إنها حكاية الفيلسوف والمترجم الجزائري «محند تازروت».
قراءة في غلاف الرواية:
جاء غلاف رواية «النبي الافريقي» بلون أخضر حاملا السلام للقارئ، مُطمئنا له، مُستعينا بألوان مكملة للّون الأصلي، مثل اللون الأحمر الذي يسرد حكاية الجزائري الذي سقى أرضه بدمه. يتصدّره عنوان مثير بخط واضح لافت، فـ»نجد للعنوان قيما ثقافية إلى جانب قيمه الدلالية، إذ تتحوّل (الوظيفة العلائقيّة) التي تربط بينه وبين النّص إلى ما يربطه بالنّسق المُضمر ليُناقض النّسق الظّاهر، فتُضاف وظيفة جديدة هي الوظيفة النّسقيّة»… وربما يكون اللون الأكثر جلبا لعين الناظر إلى الغلاف، لأول وهلة، هو اللون الأسمر للرجل الممثل على الغلاف. التي تحمل زنوجة رمزية، رغم أن الشخص ليس زنجيا ظاهرا، إلا أن تاريخ المكان الذي جاء منه يدركه بأكثر الأشكال مأساوية.
وظّف فيصل الأحمر عنوان روايته على شكل مبتدأ ونعته، وهو بذلك يخلق لفتة مهمة عند قارئه، باعتباره مكونا من كلمتين لا تمتان لبعضهما بصلة منطقية: «النّبيّ» و»الافريقي»، هذا الجمع بين المتناقضين موجود ومتعمد من الكاتب، فقد سبق له أن أخرج روايات بهذا الشكل، مثل «النّوافذ الدّاخليّة».
يضع قارئه أمام مُفارقة هوياتية في زمن ما بعد الكولونيالية، ما يعكس لنا أهميّة العمل، وضرورته، ليفرض الكاتب فكرته من عنوانه، متمثلا في الجمع بين المُتضادين «النّبي» (المقدس) و»الافريقي (المُهمش) خالقا بذلك توترا دلاليا مؤجلا في ذهن كلّ قارئ، لا يكتمل ولا يتضح إلا بعد القراءة والتّأويل. إضافة إلى اللون الأخضر، والعنوان المُخاتل، نجده يُصور لنا رجلا بملامح مُتعبة، يرتدي لباسا أوروبيا محاولا الطّيران؛ فهي محاولة لهروب فاشل، مُستحضرا الأسطورة اليونانية «إيكاروس» الذي حاول الطيران بجناح اصطناعي فانتهى إلى العودة صوب أمه الأرض: أصله الذي يدركه بعد محاولة الانعتاق من ثقل الجاذبية، كذلك هي حال الإنسان الافريقي الذي يسعى إلى التّحرر من التّبعية والقيود المفروضة عليه بأدوات مُستعارة، فيكون بذلك مهددا بالسّقوط.. ولكن الرواية (والأدب كله من ورائها) تفتح باب إمكانيات أخرى. وذلك أجمل ما في الأدب.
ـ استنطاق الأنساق الثقافية
سؤال الانتماء: يُعدّ سؤال الانتماء من الأسئلة المهمة في التّجربة الإنسانيّة، وتزيد أهميته في سياق الاستعمار، إذ يجد فيها الفرد نفسه ضمن مرجعيات متعددة، فيتحوّل الانتماء من استقرار إلى توتر دائم، وبذلك يعكس قلق الذات وهي تحاول تحديد موقعها، وهو ما تُعانيه الشّخصية البطلة «محند تازورت»، ويتجلى في لقطة مثيرة للانتباه، حينما يحاول البطل الجزائري الطهو فيحضر طبقا فاشلا جزئيا تأكله زوجته الفرنسية وتعلق عليه. يصف البطل الأمر في رسالته قائلا: «أكلت آنجيل وقالت لي هو طعام يُشبهك… لا هو سكسو ولا هو عصيد… ولكن مذاقه طيب على كلّ حال… ضحكت ساعتها، ولكنني في الليل غرقت في تأملاتي العميقة حول كوني مسخا: لا أنا جزائري قبائلي تماما، ولا أنا فرنسي تام التّكوين». هذا الانشطار الهُوياتي أصبح موضع قلق واغتراب، حيث تفقد الذات القدرة على التّماهي الكامل مع طرف مُعيّن، وهو إذ يصف نفسه بالمسخ، يُعلن عن تشوه هويته وتشظيها نتيجة العيش بين النّقيضين، بين الماضي والحاضر، بين «آغريب» و»باريس»، غير أنّه ينتصر بذاكرته لماضيه، فيقول: «ولكنني غالبا ما أنتقم من باريس بالغرق في ذكريات الدّشرة البعيدة».
وفي ظل هذا التّمزق يتجلّى الانتماء كسؤال مفتوح، يعكس سعي الذات ذات الهوية الهجينة إلى إعادة تعريف نفسها داخل عالم ضبابي منسلخ.. عالم يطرح أسئلة في كل منعرج، حيث تصبح الذاكرة إشكالية والجلوس في مقهى إشكالي والهندام والتميز والتحكم في لغة الآخر والكتابة وإنجاب أبناء جزائريي الأب والملامح، فرنسيي الأم والمنبت، يحملون لقبا بربريا وأسماء فرنسية تقيهم شرور الاسم العربي الذي هو جريح بالضرورة… كل شيء يتحول إلى موضوع إشكالي مسموم وحامل لجرثومة بحث المستعمَر المرضيّ عن حالة صفاء لا يتحقق شرطها أبدا.
ثنائية المركز والهامش/الأوروبي والافريقي:
إنّ أوّل ثنائية تُصادفنا عند قراءة الرّواية هي ثنائية المركز والهامش والمُتمثلة في الأوروبي والافريقي، فكثيرا ما نجد الهامش تابعا خاضعا لمعطيات المركز، الذي يُمثل القوة والظلم في الآن ذاته: «فرنسا تفننت في تفقيرنا وتعرية عوراتنا، كأنها كانت تستمتع بذلك..»، هذا الصّراع في ظاهره، ما هو إلاّ خضوع وتبعية من الهامش، من دون مُحاولة الثّورة أو التّغيير، كمحاولة للتّأقلم والتّعايش مع المُعطيات الموجودة، وفي ذلك نجده يقول: «أعلم أنّ وضعي غريب وزواجي بفرنسية طيبة غريب وأسماء أبنائي الفرنسية أنا المسمى باسم النبي العربي الكريم محمد أكثر من غريب». فالمركز والهامش متلازمان، ووجود مركز يفرض وجود هامش، والذي يخلق فيه أملا في كثير من الأحيان للمنافسة، ومحاولة قلب طرفي الثّنائية، وهو ما يتطلب قوة وشجاعة من الهامش؛ لأنّ المركز مبني على الهيمنة والسّيطرة، وأي محاولة للرقي تعتبر نقطة تهديد له، وذلك ما يتمثل في تصويب «محند تازروت» إعراب الكلمة الفرنسية للفرنسي، والذي اعتبرها تعديا لهيبته من طرف افريقي جزائري، وفي ذلك يقول: «كيف؟ الافريقي على حق؟ هل يُصحح افريقي لخريج السوربون علامة إعراب في الفرنسية؟».
ثنائية الموروث والحداثة/الريف والمدينة:
غالبا ما يتمّ تصوير هذه العلاقة كتوتر بين الباحث عن التطور في المدينة والمتمسك بالجذور في الريف، وهو ما وقعت فيه الشّخصية المركزية «محند تازروت» الذي قرر ترك قريته «آغريب» في الجزائر، والسّفر إلى أوروبا مجندا طوعيا في صفوف فرنسا لمواجهة ألمانيا (وبهدف الحصول على الجنسية الفرنسية التي تغير من وضع «الأهالي» الذي لا يضمن له إلا الهوان والصغار والهامش والقهر)، إذ يقول: «كان رأيي واضحا: فرنسا وألمانيا كلتاهما ذئب مفترس عديم الرّحمة، وفرنسا التي تعرفها خير من ألمانيا التي لا تعرفها»، فرغم بشاعة الاستعمار والمستعمر، وجد في الارتحال إلى فرنسا متنفسا لعقله المعتقل في الرّيف؛ إذ أنّ حبه وشغفه بطلب العلم لا يتناسب وأسوار القرية القائمة على ترويج الوهم، وإغفال الحقيقة.. وإن كان الكاتب ينتصر للسرد لأنه يمنح المغلوبين حقا في تقديم رؤيتهم للعالم داخل أقنعة الحكايات. يقول في إحدى رسائله: «لا أدري إن كان ذلك صحيحا.. ولكنك تعرف عقليتنا نحن في الدّوار: نختلق حقيقة داخل حكاية ثم نُهمل الحقيقة ونهتم بالحكاية..»

ما وراء الحدث – التّاريخ كبنية ثقافية:

ينبني التاريخ/الماضي على كونه نتاجا لرموز، قيم، وعادات، وممارسات اجتماعية، وليس مجرد سرد لأحداث سياسية أو عسكرية، وتبدأ الرّواية من محاولة جعل الماضي جزءا من الحاضر، وهو ما يجعل من رواية التّاريخ شكلا من أشكال المُقاومة، ولأنّ خطاب الهوية يتشكّل باستمرار اعتمادا على مرجعية التّاريخ. وفي هذه الرّواية محاولة واعية لاستنطاق التاريخ، ويظهر من خلال الأحداث الفردية الخاصة بالبطل (التحاقه بالجيش الفرنسي و…) والجماعية (التّجنيد الإجباري وغير ذلك) وأثرها في تشكيل الهوية الجزائرية، باعتبار أنّ التّاريخ هوية الفرد، إذ تتكرر عبارة الافريقي كدلالة على التاريخ النّضالي والبطولي، وإن رآه الآخر/الغربي هامشا وتابعا،»سوف يُذكرك النّاس هنا بتاريخك الافريقي دائما».
خلاصات (الخاسر يربح كل شيء)
التعبير الإنكليزي looser takes all ابتكر للتعبير عن حالة تهكمية تقلب نظام اللعب والربح. في حال يكون فيها منطق اللعبة معكوسا تتغير قاعدة (الرابح يربح كل شيء) إلى نقيضها (الخاسر يربح كل شيء).
هل الاستعمار لعبة يربح فيها الخاسر؟
من منظور، الفلسفة ما بعد الاستعمارية، ستكون الإجابة نعم.
وكما قال نيتشه ذات يوم: إن الحق لا ينتصر أبدا، ولكنه حي أبدا فيما أعداؤه يموتون الواحد تلو الآخر. كذلك يمكننا قراءة رواية محند تازروت «النبي الافريقي»، ومع روايته حياته وتاريخه، الحالة التي يمثلها: حالة النخب الافريقية الحاملة لإرث الاستعمار: خاسرون على أرض الواقع رابحون تماما على أرض التاريخ. مات الخطاب المبرر للاستعمار. وماتت الحركات الاستعمارية وكذا أجهزة الهيمنة التي تقف خلفها، وظلت حكاية هذا الرجل البارع واقفة، حكاية تحدٍّ يصنع من عدمٍ ومرارةٍ ومظلمةٍ، أفقا وسرحا وأملا. حكاية نجح الكاتب البارع فيصل الأحمر في بنائها على الوقائع المنسية أو المهددة بالنسيان، مستنطقا التفاصيل الصغيرة بدرجة عالية من الحس الفني والتعاطف الإنساني، ونسج ثوبها البهي من خيوط دقيقة وألياف تكاد تعسر على الملمس أصلا، ولكنه جعلها تثير انتباهنا ويقظتنا، وتستثير احترامنا لقصة غريبة لرجل عجيب يسكن رواية لا نتردد وهلة واحدة في وصفها بالتحفة الفنية…


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...