بروين حبيب
شاعرة وإعلامية من البحرين
تستهويني جدا الروايات صغيرة الحجم، عظيمة الأثر التي تصاحبنا لفترة طويلة بعد انتهائنا من قراءتها، فمن منا لا يستحضر عبارات أو أفكارا من «الأمير الصغير» أو «الخيميائي» أو «الغريب»، وبعضها كان موجها للأطفال في أساسه، لكن عمقه الفلسفي وما حمل من قضايا إنسانية أغرى به الكبار قبل الصغار، هذا الانطباع خرجت به وأنا أنهي رواية كريستوفر مورلي «المكتبة الجوالة»، أو «المكتبة المتنقلة» في ترجمة أخرى، وإن كنت معجبة بعنوانها الأصلي «بارناسوس على عجلات» (Parnassus on Wheels) فجبل بارناسوس -الشبيه بوادي عبقر عند العرب- في الميثولوجيا اليونان، هو جبل مقدس يُعرف تاريخيا بأنه مأوى ملهمات الفنون وعرش أبولو إله الشعر والموسيقى، فهو موطن الإلهام الأدبي. لذلك شعرت بأن ترجمة العنوان بالعربية أفقدته هذا البعد الرمزي الذي تقوم عليه هذه الرواية، الصادرة منذ 99 سنة، لكن القضايا الإنسانية الكبرى التي تناولتها لا تزال راهنة ومعاصرة.
تبدو رواية المكتبة الجوالة بسيطة فلا بناء فنيا معقدا فيها ولا شخصيات كثيرة متداخلة، هي حكاية امرأة في الأربعين من عمرها تدعى هيلين مكغيل، تعيش حياة رتيبة في مزرعة مع أخيها، الذي يهتم بأشغال الزراعة وتربية الحيوانات في حين هي منصرفة لدجاجاتها وتجربة وصفات الخبز، تهمها «الدجاجات الجاثمة على البيض أكثر من السوناتات ذات الأربعة عشر بيتا»، لكن الانقلاب الأول في حياتها كان حين توفي عمها الأستاذ الجامعي، فأورثهما مكتبة مهمة استأثرت بوقت أخيها أندرو الحالم بأن يكون كاتبا، فبدأ في إهمال المزرعة ساعيا وراء حلمه الذي تحقق حين لاقى كتابه الأول إقبالا كبيرا، جعله يتفرغ نهائيا للكتابة متنقلا في الريف بحثا عن الإلهام وملقيا مسؤوليات المزرعة الروتينية والثقيلة على كتفي أخته.
وما بين غيابات أندرو المتكررة وتبرم أخته الصغرى، حدث الانقلاب الثاني في حياتها، فقد وقفت صبيحة يوم عادي أمام ساحة البيت عربةٌ غريبة يجرها حصان سمين نزل منها رجل قصير، ذو لحية حمراء ليرفع الستائر عن جانبي العربة فتتكشف رفوف تحمل كتبا تملأ العربة كاملة، وأخبرها أنه بائع كتب متجول جاء يعرض عربته بكتبها والحصان الذي يجرها للبيع على أخيها، ولأنها تعرف أن أخاها لن يفوت فرصة التطواف في البلاد مع مكتبة متنقلة باحثا عن مواضيع للإلهام، قررت هيلين في خطوة جريئة أن تشتري هي نفسها المكتبة الجوالة بأربعمئة دولار، كانت قد ادخرتها لشراء سيارة فورد، فتضرب عصفورين بحجر تمنع أخاها من الرحيل وتغادر حياتها المملة الرتيبة إلى مغامرة تقلب حياتها متسائلة «كيف أعماني سر خبز الخبز طويلا عن أسرار الشمس والسماء ونفَس الريح في الأشجار». تترك هيلين رسالة ساخرة لأخيها تخبره فيها بما اعتزمت عليه من المغامرة، وبأنها ستعود بعد فترة، وتنطلق يرافقها روجر مفلن صاحب العربة في يومها الأول ليعلمها بعض أسرار المهنة، ويدلها على زبائن محتملين في الريف ثم ينصرف بعد ذلك إلى نيويورك ليؤلف كتابا عن تجواله الطويل بين الأرياف وتجربته طوال سنوات مديدة. ولكن مفلن المتعلق بمكتبته المتنقلة حد الهوس كان يظهر كلما اعترضت هيلين عقبة أو داهمها خطر ليكون الملاك الحارس، ورغم أن أخاها أندرو تسبب في سجن مفلن بدعوى النصب على أخته ارتبط مفلن بهيلين في ما بعد برباط الزوجية بعد أن أحبت فيه شهامته ومعرفته الكبيرة بالكتب، وأحب فيها روح المغامرة وعدم تخليها عنه في محنته.
بعكس ما يبدو لنا مفلن مجرد بائع كتب جوال، كان في حقيقته «ثابت الأعصاب راسخ الرويّة تبدو عليه سمات البطولة» كما وصفته هيلين، بل كان أبعد من ذلك وهو الذي يلقبه من عرفوه بالأستاذ، كان أشبه بالمبشرين القدامى الذين يطوفون الأماكن البعيدة لإيصال كلمة الرب، لكن كان دينه الكتاب يوصله إلى المزارعين في حقولهم وربات البيوت في مطابخهن شعاره «عندما تبيع رجلاً كتابا، لا تبيع له اثني عشر أونصة من الورق والحبر والغراء فقط، بل تبيع له حياة جديدة كاملة»، كان يرى عمله رسالة تبشيرية عليه واجب القيام بها فـ»أناس الريف لم تتح لهم يد حانية تحضر إليهم معبأةً بالكتب وتشرح ما تعنيه»، بل له نظرياته الخاصة في التسويق، اكتسبها من خبرة عملية دامت عقودا، فهو لا يؤمن بقوائم المنشورات حيث يهضم فيها العنوان حق المحتوى، فالأفضل كما كان يقول أن «تخرج إليهم (أي القراء المستهدفين) بنفسك تحمل الكتب إليهم، تحادث المعلمين تحكي للصغار قصصا ثم شيئا فشيئا تبدأ الكتب الجيدة تجري في عروق الأمة»، ألا تدل جملته الأخيرة على أنه كان يعد نفسه في مهمة رسالية؟»، وكان يرى نفسه أفهم من الناشرين في تسويق الكتاب، بل كانت نظرته إليهم سلبية فأحيانا كان يراهم أقل الناس دراية بالكتب، ولعله طبيعي – كما كان يفسر- فمعظم المعلمين لا يعرفون كثيرا عن الأطفال. وهذه المعرفة لم تزد الأستاذ إلا قربا من المزارعين، وحرصا على رفع مستواهم إلى أن جعلهم يرغبون في قراءة شكسبير والكلاسيكيات الأدبية، من دون أن يدفعه ذلك إلى الغرور، فقد كان مقتنعا بأن قراءة كتاب جديد تكسب المرء تواضعا. كل هذا الشغف بالكتب البالغ حد الوله، استمال قلب هيلين إليه فباحت بعشقها ذات شوق «أحببت ذلك الرجل القصير أحببته أحببته بصدق أدخل إلى حياتي شيئا جديدا، وكانت شمائله الشجاعة وطرائقه الطريفة قد دفأت قلبي العتيق».
أما نصف مفلن الآخر هيلين مكغيل، فرغم أنها قضت أربعين سنة من عمرها في حياة رتيبة مملة جمعت فيها مختارات من ستة آلاف رغيف أهدتها لأخيها كما كانت تقول ساخرة، لكنها حين واتتها الفرصة لتغيير حياتها لم تتوان عن ذلك، رغم أنها أقدمت على مغامرتها نكاية بأخيها ومنعا له من أن يترك واجباته في المزرعة، ويسيح في بلاد الله الواسعة متجولا وبائع كتب. وحين تبعها لإعادتها إلى البيت خاطبته بلغة المثقفين الكبار، وقد تقمصت جيدا الدور «تريدني أن أمكث في الدار أمثل السيدة إغلنتاين في حوش الدجاج»، مقتبسةً هذا التشبيه من كتاب حكايات كانتربري لشوستر. وحتى ملفن أصبح يخاطبها بلغة شاعرية فحين يتحدثان عن الخبز يقول لها «صناعة الخبز سر رفيع كصناعة السونيت، أما بسكويتك الساخن، فلعله قصائد قصيرة ثلاثيات مثلا، وهكذا فلعله صار لدينا مختارات كاملة». فهذه العيشة المحفوفة بالمغامرة والمنفتحة يوميا على أماكن جديدة وأشخاص مختلفين استهوت هيلين حتى قالت بصراحة، «بدأ يخامرني أن هذه العيشة الغجرية، مجرى حياتي الطبيعي».
رغم صغر حجم رواية «المكتبة الجوالة» إلا أنها تناولت ثيمات ريادية أهمها، أنها قدمت لنا في بداية القرن العشرين نموذجا نسويا بطريقة غير مباشرة فهيلين لم ترفع شعارات نسوية ولا بشرت بها ولا دافعت عنها، بل عاشت بكل بساطة تجربة تحرر وفكاك من سلطة أخيها البطريركية، فقرارها بالرحيل كان رد فعل على عدم التوازن بين حياتها وحياة أخيها، فقررت أن تستكشف بنفسها السعادة التي كان يكتب عنها هذا الأخ، ومن خلال المغامرة والسفر وركوب الأخطار بملاقاة اللصوص أعطت لحياتها معنى وافتكت حقوقها في حياة مستقلة غير تابعة. وإن كانت ثورة محسوبة إذ رجعت إلى مربع آمن بزواجها من مفلن في الأخير. ثيمة أخرى ركزت عليها الرواية هي ديمقراطية الثقافة حيث يسعى مفلن من خلال مكتبته الجوالة بارناسوس إلى تحطيم الحواجز بين المعرفة والناس.
إن فكرة «المكتبة المتنقلة» هي دعوة لتوسيع نطاق الوصول إلى الفكر. فقد كان يرى أن الفلاح الذي يحرث الأرض يحتاج إلى «شكسبير» و»لامب»، بقدر حاجته إلى المحراث. هذا المفهوم يساهم في تقليص الفجوة الثقافية بين المدينة والريف، وبين الطبقات الراقية والطبقات الكادحة وهي فكرة تبدو حديثة جدا حتى بمعايير اليوم: نشر المعرفة، كسر الحواجز الطبقية، وربط الثقافة بالحياة اليومية، لذلك كان هذا المبشر الثقافي يقول باعتزاز عن عمله «أحمل الخلاص الأبدي لعقولهم الصغيرة المُعطلة».
يبقى في الأخير أن ننوه بأسلوب كريستوفر مورلي الساخر المليء بالإشارات إلى المؤلفين والكتب، وقد أحسن مترجم الكتاب أيمن مبروك في وضع هوامش توضيحية لها. حتى غدت المئة والستون صفحة، التي امتدت عليها الرواية، مساحة تحتفي بالقراءة والبساطة والمغامرة الفردية مع عمق نستشعره بين السطور غير متكلف، بل منساب في نسغ الرواية مثل حقائق الكون الكبرى.





