في الأيام الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وجهت إدارة الرئيس دونالد ترمب رسالة واضحة إلى حلفائها الأوروبيين بأنها تتحكم في الوضع وواثقة بنجاحها، وحثتهم على الاهتمام بشؤونهم. لكن ذلك سرعان ما تغيّر، دون أن تقدم واشنطن -في الوقت ذاته- طلبات مُحدَّدة للأوروبيين.
ونقلت مجلة “ذي أتلانتيك” -في مقال نشرته أمس الاثنين- عن مسؤولين ألمان تأكيدهم أن وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) كانت واثقة جدا في بداية الحرب، إذ طلبت من الأوروبيين الاهتمام بمصالحهم والتركيز على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أي الجزء الأقرب إلى روسيا، بينما ستتولى الولايات المتحدة الملف الإيراني وبقية الشرق الأوسط.
وقال أحد المسؤولين الألمان -مشيرا إلى الأمريكيين- إنهم “كانوا واثقين للغاية”، بحسب ذي أتلانتيك.
لكن هذه الثقة لم تدم طويلا. فبعد أن تلاشت آمال الرئيس الأمريكي في تحقيق نصر سريع، بدأ يهاجم الناتو ويتهمه بالتقصير في مساعدة الولايات المتحدة.
توجيه ضربة
وذكرت مجلة ذي أتلانتيك أنه خلال ذلك الوقت تلقى الفريق المسؤول عن إدارة علاقة الجيش الأمريكي مع حلفاء الناتو داخل البنتاغون ما وصفتها بـ”الضربة القوية”.
ففي مارس/آذار الماضي، نُقل فجأة مارك جونز مدير سياسة الناتو في مكتب وزير الحرب، وفقا لما نقلته المجلة عن مسؤولين أمريكيين. وذلك لأن إدارة ترمب تنظر إليه على أنه “لا يتماشى مع نظرتها المتشائمة تجاه الحلف”.
وكان جونز قد عمل لأكثر من عقدين في سياسة الناتو وأوروبا، بصفته عسكريا ثم موظفا مدنيا. وانضم إلى مكتب الناتو داخل وزارة الحرب عام 2010، قبل أن يصبح مديرا له بعد ست سنوات. ووصفه أحد المسؤولين السابقين بأنه “مؤسسة” داخل البنتاغون.
لكن إدارة ترمب كانت تنظر إليه، بحسب المجلة، على أنه لا ينسجم مع نظرتها المتشائمة تجاه الحلف. ووُجهت إليه اللائمة لأنه مؤيد للناتو أكثر مما ينبغي.
وقد قوّض عزله -الذي لم يُعلن سابقا- التعاون الأمريكي مع الشركاء الأوروبيين في وقت كانت الحرب على إيران تفتح أزمة جديدة في العلاقات بين واشنطن والقارة.
وفي ظل رفض الدول الأوروبية تقديم مساعدة عسكرية، شعر ترمب بالاستياء. ووصف دول الناتو بـ”الجبناء” لعدم إرسالهم قواتهم البحرية لفتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران، واصفا الحلف بأنه “نمر من ورق”.
تفاقم الهوة
وزاد التوتر بين واشنطن والدول الأوروبية مع الحديث -مطلع مايو/أيار الجاري- عن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا، وهو ما بدا رسالة سياسية للحلفاء في ظل توجه أوروبي إلى مراجعة الاعتماد العسكري الطويل على واشنطن.
وسبق ذلك اندلاع خلاف علني بين الرئيس الأمريكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، أعقب إدلاء الأخير بتصريحات قال فيها إن القادة الإيرانيين “أهانوا” الولايات المتحدة. وهو ما دفع ترمب للرد بغضب على منصته “تروث سوشال” ، قائلا إن ميرتس “لا يفقه شيئا”.
وفي أعقاب تصريحات ميرتس، أعلن ترمب أن إدارته تدرس تقليص الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا، متعهدا باتخاذ قرار “خلال الفترة القصيرة المقبلة”. وبعد ذلك بيومين، أشار البنتاغون إلى نيته سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا خلال العام المقبل.
وتحتضن ألمانيا أكبر وجود عسكري أمريكي في أوروبا، يقدر بنحو 38 ألف جندي من أصل 80 ألفا في الدول الأوروبية.
وتشمل المنشآت الأمريكية هناك قاعدة رامشتاين الجوية، ومقر القيادة الأوروبية الأمريكية، وقيادة أفريقيا الأمريكية، إضافة إلى مركز لاندشتول الطبي، وهو أكبر مستشفى أمريكي خارج الولايات المتحدة، وقد عالج جنودا أمريكيين جرحى في الحرب على إيران.
هشاشة التنسيق
وكشفت الحرب على إيران هشاشة التنسيق بين واشنطن وأوروبا، وعمقت فجوة الثقة داخل المعسكر الغربي.
فبينما أرادت الولايات المتحدة دعما أوروبيا في مضيق هرمز، رأت عواصم أوروبية أن الحرب على إيران ليست حربها، وأن التدخل قد يوسع المواجهة ويحمّلها أعباء أمنية واقتصادية جديدة، فيما تدفع أثمان ارتفاع أسعار الطاقة، دون أن تملك القدرة على التأثير في الحرب.
فمن المفارقات أن ألمانيا -التي أصبحت هدفا مباشرا لغضب ترمب- سمحت للجيش الأمريكي باستخدام قاعدة رامشتاين كمنصة لانطلاق الضربات، وتنفيذ جوانب أخرى من العملية العسكرية ضد إيران.
في المقابل، أغلقت إسبانيا مجالها الجوي بالكامل، بينما منعت إيطاليا قاذفات أمريكية من الهبوط في قاعدة جوية رئيسية في صقلية. كما رفضت بريطانيا في البداية طلبات أمريكية لتوفير قواعد عسكرية، قبل أن تتراجع لاحقا عن ذلك.
إشارات متضاربة
وتكشف الحرب على إيران تحولا عميقا في العلاقة الأمريكية الأوروبية. فقد اعتاد الأوروبيون -رغم الخلافات السياسية- التعامل مع الولايات المتحدة بوصفها القائد العسكري والسياسي للناتو.
لكن إدارة ترمب جمعت بين مطالبة أوروبا بتحمل مسؤوليات أكبر، وانتقادها عند عدم الاستجابة، من دون أن تقدم دائما إطارا واضحا لما تريده.
ومع تفاقم الغضب الأمريكي تجاه الأوروبيين، لم تفهم دول القارة الأوروبية ما تريده الولايات المتحدة بالضبط بشأن الحرب على إيران، إذ كان كل يوم يحمل إشارات جديدة ومتضاربة، وفق مجلة ذي أتلانتيك.
في البداية، كانت الرسالة الأمريكية أن واشنطن وتل أبيب قادرتان على التعامل مع الوضع وحدهما. ثم بدأ ترمب يهاجم دول الناتو على مواقع التواصل، قائلا إنه “كان ينبغي أن يكونوا هناك”.
لكن، بحسب مسؤولين أوروبيين تحدثوا للمجلة، لم تبلغ إدارة ترمب شركاءها الأوروبيين الرئيسيين بما تريده منهم تحديدا في إيران. ففي حملات أمريكية سابقة في الشرق الأوسط، كانت واشنطن تشكل تحالفات لتحديد الطلبات من الحلفاء وتنسيق العمل.
أما في الحرب على إيران، فلم تقدم الإدارة طلبات محددة بالمعنى التقليدي. وذكر مسؤولون أوروبيون أن الحاجة إلى استخدام القواعد العسكرية كانت واضحة، ورفضتها دول أوروبية.
وتابعوا أن مسؤولين أمريكيين تحدثوا في اجتماعات ثنائية عن قدرات مطلوبة لإزالة ألغام زرعتها إيران في مضيق هرمز، وسط تأكيد أوروبي على أن ذلك لن يحدث ما لم تنته الحرب. مع ذلك بقي الطلب الأوسع للمساعدة “غامضا”، وفق وصفهم.
لكن المتحدث باسم البنتاغون نفى ذلك قائلا إن الإدارة “كانت واضحة بشكل متكرر بشأن طلبها من الحلفاء المساهمة في مواجهة تهديد يؤثر على أوروبا بقدر ما يؤثر على أمريكا والحلفاء في الشرق الأوسط”، وفق ما ذكرته المجلة.
وأضاف المتحدث باسم البنتاغون: “فكرة أن الوزارة لم تُبلّغ هذه الطلبات على نطاق واسع بوضوح هي فكرة خاطئة بشكل قاطع”.
وفيما تواجه العلاقة الأمريكية الأوروبية عثرات لم تعرفها من قبل، دفعت قرارات ترمب المفاجئة، وهجماته العلنية على الحلفاء، القادة الأوروبيين إلى الاقتناع بضرورة تقوية الركيزة الأوروبية داخل الناتو وتحمل مسؤولية أمنهم.
المصدر: الجزيرة






