بعد 126 عاما.. هل يتحقق “حلم” السلطان عبد الحميد بإنشاء سكة حديد الحجاز؟

إيطاليا تلغراف متابعة

قطار يربط بين الأناضول والأراضي المقدسة، ليس هذا مشهدا من مسلسل تاريخي، بل هو مشروع بدأت تتشكل ملامحه عبر مباحثات بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية لإحياء سكة حديد الحجاز.

“حلمي الأكبر” هكذا وصف السلطان العثماني عبد الحميد الثاني خط سكة حديد الحجاز الذي سعى لإنشائه منذ 126 عاما، لكن ذلك “الحلم” -الذي لم يكتمل- يعود للحياة مرة أخرى بحلة عصرية، بفضل الإرادة المشتركة لهذه الدول الأربع، حسبما نقلت صحيفة تركيا .

وسكة حديد الحجاز أو السكة الحديدية الحميدية هي إنجاز هندسي أُنشئ لربط دمشق بالمدينة المنورة، واستمر العمل فيه 8 سنوات، وأسهم حينها في نهضة تجارية واقتصادية وعمرانية في مدن الحجاز.

وبهدف تطوير ممر للنقل الحديدي يمتد من إسطنبول إلى الرياض مرورا بالأردن وسوريا، وقعت سوريا وتركيا والأردن مذكرة تفاهم ثلاثية في مجال النقل البري، أعقبتها مباحثات أجرتها دمشق بشكل منفصل مع الرياض وأنقرة لتعزيز التعاون الثنائي في النقل الحديدي.

ومن المرتقب استكمال الدراسات الفنية لمشروع خط الحجاز الحديث بنهاية العام الحالي، ويمتد هذا المسار السككي على مسافة تتجاوز 3 آلاف كم، ليشكل ممرا إقليميا عابرا للقارات يربط بين آسيا وأوروبا.

عمود فقري إستراتيجي

“بناء المستقبل من آثار الماضي”، هكذا يصف الباحث صالح كايا -في مقال بمجلة كريتر – إحياء سكة حديد الحجاز، معتبرا أنه كان عمودا فقريا إستراتيجيا يربط قبل قرن من الزمان جغرافيا الشرق الأوسط.

ويرى كايا أن المشروع السككي يمثل إعادة كتابة للمصير الجيواقتصادي للشرق الأوسط عبر قضبان سكك الحديد.

فمن خلال هذا المشروع، تسعى تركيا إلى دمج موروثها التاريخي برؤيتها اللوجستية الحديثة، لتبني شبكة تربط بين البحر المتوسط وبلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية.

ويعتبر الباحث أن إحياء قطار الحجاز هو أبرز تحرك إستراتيجي لتركيا في سياق حروب ممرات الربط، التي تسارعت وتيرتها في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، إذ يعد بديلا قويا وتحديا مباشرا للممر الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC).

ومن الناحية الجيوسياسية، يوضح كايا أن هذه المبادرة ستعزز مكانة تركيا في الشرق الأوسط وتعمق علاقاتها مع دول المنطقة، مؤكدا أنها تمثل نموذجا للربح المتبادل لهذه الدول، في ظل مناخ جيوسياسي تنافسي.

ويذهب الكاتب إلى أن هذا القطار لن ينقل الركاب والبضائع فحسب، بل سيسهم أيضا في إرساء الاستقرار والتنمية الإقليميين.

فوائد وتحديات

ومن منظور اقتصادي، يشير الخبير التركي في النقل والمواصلات طارق دوندار -في مقال بوكالة الأناضول- إلى أن مشروع قطار الحجاز يمكن أن يحقق مكاسب اقتصادية كبيرة لدول المنطقة.

ويعتبر دوندار أن النقل بالسكك الحديدية أكثر كفاءة من النقل البحري والبري في نقل البضائع لمسافات تصل إلى ألفي كيلومتر، مشيرا إلى أن انخفاض تكلفة الشحن بين الدول الأربع عبر السكك الحديدية من شأنه أن يزيد حجم الطلب الحالي ويعزز تنوع البضائع المنقولة.

ولا يقتصر المشروع على النقل التجاري، بل يمكن توظيفه أيضا لدعم سياحة الحج والعمرة وخدمات نقل الركاب محليا ودوليا، إضافة إلى تسهيل التنقل بين الملاعب خلال كأس العالم المرتقب تنظيمه عام 2034 في السعودية.

وفي إطار المشروع، يمكن لكل دولة تنفيذ إجراءات الاستملاك للمنفعة العامة وإنشاء البنية التحتية داخل حدودها، غير أن اختلاف الأولويات الوطنية قد يحول دون تنفيذ الاستثمارات المرتبطة بالمشروع ضمن الإطار الزمني المطلوب، وفق الكاتب.

ويضيف دوندار أن مشاريع الربط بين عدة دول قد تستغرق وقتا طويلا، مؤكدا ضرورة تأسيس شركة قابضة جديدة للسكك الحديدية بالشراكة بين الوزارات المعنية وبنك التنمية الإسلامي.

وعقب إعداد دراسة الجدوى الأولية، تتمثل المرحلة التالية -كما يوضح الخبير- في تطوير دراسة مالية واقتصادية تفصيلية تشمل تحليل الموازنة، والنفقات الرأسمالية، والمصاريف التشغيلية.

أهمية تاريخية

وتاريخيا، تميّز خط سكة حديد الحجاز بكونه المشروع الإستراتيجي الوحيد الذي مُوِّل بتبرعات عثمانية وإسلامية.

ويوضح مراد أوزيوكسيل، المؤرخ والبروفيسور بكلية العلوم السياسية في جامعة إسطنبول ومؤلف كتاب “سكة حديد الحجاز”، أن أكثر من نصف تمويل سكة حديد الحجاز جاء من الضرائب والمدفوعات الإلزامية وجرى تأمين الثلث عبر المساعدات والتبرعات.

ويضيف أوزيوكسيل -لمنصة بي بي سي تركية- أن نسبة التبرعات من الخارج بلغت نحو 10% من إجمالي التبرعات المذكورة، وبقيت حصتها ضمن إجمالي التمويل دون مستوى 3%.

ولم تكن سكة حديد الحجاز مجرد مشروع نقل، بل مثلت أيضا مشروعا مهما للإمبراطورية العثمانية من الناحية الجيوسياسية.

ويختتم المؤرخ بالقول: “كانت سكة حديد الحجاز تعني تهديدا جديا للنفوذ البريطاني في مصر من جانب التحالف العثماني الألماني، خصوصا إذا مُد خط من مدينة معان الأردنية إلى خليج العقبة”.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...