من يتحكم في السّردية الإعلامية في شمال إفريقيا؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

نبيل التّويول 
باحث إعلامي مختص في تكنولوجيا الإعلام و الإتصال وتحليل الخطاب الإعلامي شعبة صحافة الوكالة ( الصّحافة الدّولية ).

 

 

 يشهد العالم اليوم تحوّلا جذريا في طبيعة القوة، حيث لم تعد الجغرافيا وحدها تصوغ موازين النّفوذ، بل أضحت القدرة على صياغة الرواية، والتحكم في مسارات الإدراك الجمعي، هي المعيار الأعمق والأكثر دقة لقياس موقع الدول في هرم التأثير العالمي، في الوقت الذي تتنازع فيه العقول قبل أن تتنازع فيه الجيوش النظامية. فمن يملك حق تعريف الحقيقة في شمال إفريقيا؟ ومن يفرض الإيقاع الذي تتحرك داخله السرديات، وتتحدد عبره زوايا النظر إلى القضايا المصيرية؟

إن السردية الإعلامية في هذا الفضاء ليست حالة عفوية، ولا ترجمة بريئة لتدفق الأخبار، بل هي بناء مركّب تختلط فيه الإرادات السياسية مع الطموحات الاقتصادية، وتعاد هندسته باستمرار عبر أدوات إعلامية عابرة للحدود، نجحت في تحويل الخبر من مجرد نقل للوقائع إلى وسيلة لإعادة تشكيله وفق هندسات دقيقة تستهدف الوعي قبل أن تستهدف المعرفة. وفي هذا الإطار، برزت الجزيرة كفاعل مفصلي، لم يقتصر دوره على كسر الاحتكار التقليدي للمعلومة، بل امتد إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المتلقي والخبر، عبر خطاب يستثمر الجرأة ويحسن استثمار اللحظة، فتمكنت من اختراق مساحات ظل الإعلام التقليدي عاجزا عن النفاذ إليها، بما في ذلك عمق الوعي الجمعي في شمال إفريقيا.

غير أن هذا الحضور لم يكن ليتبلور لولا وجود فراغات بنيوية في المشهد الإعلامي الإقليمي، ما أتاح لفاعلين دوليين آخرين، من بينهم فرانس 24 النّاطقة باللغة العربية، أن يعززوا حضورهم ضمن توازنات دقيقة تعكس، بشكل أو بآخر، الخلفيات الاستراتيجية لـ فرنسا، حيث تتداخل اعتبارات المهنية مع حسابات النفوذ و قيود السياق السياسي، فتتبدى ملامح إعلام دولي يتحرك في مساحة رمادية، يحاول فيها الحفاظ على مصداقيته دون أن ينفصل عن مرجعياته الجيوسياسية.
تتخذ القنوات الرسمية في الجزائر موقعا تعبويا يعكس توجيها سياسيا يسعى إلى إعادة تعريف الوقائع وفق منظور مختلف على حساب المعايير المهنية و الأخلاقية، في مقابل حضور سرديات جزائرية أخرى تتخذ من الخارج غطاء لفرض روايات مغايرة، وهو ما يخلق بيئة إعلامية قائمة على تنازع مستمر بين سرديات متنافسة، كل منها يسعى إلى ترسيخ شرعيته عبر التكرار والتأثير التدريجي في الوعي الجمعي.

أما في تونس، فإن المشهد الإعلامي يتسم بمرونة نسبية، تعكس طبيعة التحولات السياسية الداخلية منذ اندلاع ثورة الياسمين، حيث تتبدل النبرة التحريرية تبعا لتوازنات اللحظة، دون أن تستقر على نموذج سردي واحد، مما يجعلها أقرب إلى فضاء تفاعلي مفتوح، يتشكل باستمرار وفق إيقاعات الأحداث.

وفي السياق المصري، تظل قضية أماني الخياط، على خلفية تصريحاتها في قناة ONTV، شاهدا على هشاشة الحدود بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، حيث تحولت الكلمة من أداة تعبير إلى عامل تفجير لأزمة عابرة للحدود، ما استدعى تدخلا سريعا لإعادة ضبط الإيقاع الإعلامي، وحماية التوازنات الدبلوماسية، في نموذج يكشف أن الإعلام، مهما بدا مستقلا، يظل محكوما بإطار لا يمكن تجاوزه.

ومن خلال هذا المشهد المركب، يتضح أن السردية الإعلامية في شمال إفريقيا ليست امتيازا لفاعل واحد، بل هي ساحة صراع محتدم، تتنازع فيها قوى متعددة على حق تعريف الواقع، مستندة إلى أدوات تتجاوز الإعلام التقليدي و تعاد بها صياغة الأولويات وفق منطق التأثير لا منطق الحقيقة وحده.

وفي خضم هذا التنافس، يجد المغرب نفسه أمام تحد استراتيجي بالغ الحساسية، يتمثل في ضرورة الانتقال من موقع التفاعل إلى موقع الفعل، ومن ردود الأفعال إلى صناعة السردية، عبر تطوير منظومة إعلامية تستند إلى رؤية استراتيجية محكمة، وتستثمر في بناء قدرات بشرية ومؤسساتية قادرة على إنتاج خطاب احترافي، منافس، ومؤثر على المستوى الدولي.

ويزداد هذا التحدي إلحاحا في ظل الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة، وعلى رأسها تنظيم كأس العالم 2030، الذي سيشكل لحظة كونية فارقة، ستختبر خلالها قدرة المملكة على تقديم نفسها للعالم كقوة سردية قادرة على التحكم في صورتها، وإدارة حضورها، وتوجيه الرسائل التي ترغب في ترسيخها في الوعي العالمي.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المبادرات الإعلامية ذات البعد الدولي، التي يمكنها أن تساهم في تشكيل جسر معرفي ومهني لنقل الخبرات وتوطين المعايير الدولية داخل السياق المغربي، بما يساهم في بناء نموذج إعلامي جديد، يجمع بين الصرامة المهنية والجرأة التحريرية، ويؤسس لخطاب قادر على اختراق الفضاءات العالمية، والتأثير في دوائر القرار، وصناعة الرأي العام الدولي.

إن الرهان اليوم لم يعد يتعلق بامتلاك المعلومة فحسب، بل بالقدرة على تحويلها إلى قوة تأثير، وعلى إعادة إنتاجها ضمن منظومة سردية متماسكة، قادرة على الصمود في وجه المنافسة، وعلى فرض حضورها في معادلات النفوذ العالمية. فالدول التي تنجح في امتلاك سرديتها، لا تكتفي بالدفاع عن صورتها، بل تعيد رسم موقعها في خريطة العالم.

وهكذا، لا يعود السؤال “من يسيطر على السردية؟” مجرد تساؤل تحليلي، بل يتحول إلى دعوة استراتيجية لإعادة التفكير في مفهوم القوة ذاته، وفي الأدوات الكفيلة بصياغة المستقبل، لأن من يمتلك السردية… يمتلك القدرة على كتابة التاريخ، لا فقط روايته.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...