نبيل التّويول
باحث إعلامي مغربي متخصص في تكنولوجيا الإعلام و الإتصال و تحليل الخطاب الإعلامي –
شعبة صحافة الوكالة ( الصحافة الدّولية ).
لم يكن اجتماع مدريد حول ملف الصحراء المغربية محطة تفاوضية روتينية تضاف إلى سلسلة طويلة من اللقاءات التي عرفها هذا النزاع المفتعل منذ عقود، بل يمكن اعتباره مؤشرا دالا على دخول القضية مرحلة جديدة تتجاوز منطق “إدارة الأزمة” نحو منطق “تكريس الحلّ السياسي”، وذلك في سياق دولي يتّسم بالتحولات الجيوسياسية، و تشابك المصالح الأمنية والاقتصادية، حيث لم تعد النزاعات الدولية تحل بمنطق القرارات الأممية المجردة، وإنما وفق ما تفرضه خرائط النفوذ، ومحددات الاستقرار، وأولويات القوى الكبرى.
و يبدو أن مدريد لم تكن اختيارا اعتباطيا لهذا الاجتماع، بل مثلت فضاء سياسيا محمّلا بالمعاني الرّمزية بالنظر إلى الموقع الخاص الذي تحتله إسبانيا داخل الملف، باعتبارها قوة استعمارية سابقة، وشريكا أوروبيا مركزيا للمغرب، وواجهة استراتيجية للاتحاد الأوروبي في قضايا الهجرة والطاقة والأمن. ولذلك، فإن اجتماعا من هذا المستوى، و في هذا التوقيت بالذات، يكتسب معناه الحقيقي ليس فقط مما قيل فيه، بل مما لم يعلن عنه، وبالأخص من خلال مستوى الصمت الدبلوماسي الذي رافقه، وهو صمت استراتيجي له دلالته في علم العلاقات الدولية باعتباره علامة على وجود تفاهمات قيد البناء تتطلب وقتا لتهيئة الأرضية السياسية قبل إخراجها إلى العلن.
غير أن فهم سياق مدريد لا يكتمل دون وضعه ضمن التحولات التي عرفتها القضية خلال العقد الأخير، وهي تحولات تميل كفتها بوضوح لصالح المغرب، باعتبارها ثمرة تراكم سياسي و صبر استراتيجي طويل الأمد اعتمدته الرباط بمنهجية تقوم على الدبلوماسية الهادئة ذات النتائج الصّلبة”، حيث لم تكتف بتثبيت موقفها القانوني والتاريخي، بل عملت على إدماج قضية الصحراء داخل شبكات المصالح الدولية الكبرى، وربطها بمنطق الأمن، والاستقرار الإقليمي، والتنمية القارية.
لقد شكّل حصول المغرب على “الوضع المتقدم” مع الاتحاد الأوروبي إحدى أهم المحطات التي أسست لهذا التحول النّوعي، لأن هذا الإطار شكل اعترافا سياسيا ضمنيا بمكانة المغرب كفاعل محوري في الضفة الجنوبية للمتوسط، وشريك موثوق في ملفات الأمن والهجرة والتعاون التجاري. ومن هنا، تحولت العلاقة المغربية الأوروبية من علاقة تعاون كلاسيكي إلى علاقة ذات بعد استراتيجي، بحيث أصبح من الصعب على العواصم الأوروبية التعامل مع ملف الصحراء بمنطق سياسي منفصل عن مصالحها الواقعية، خاصة في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالطاقة والهجرة والتطرف في فضاء الساحل والصحراء.
وعلى المستوى القاري، لم تكن عودة المغرب إلى بيته المؤسسي الإفريقي مجرد خطوة رمزية لإنهاء مرحلة الغياب، بل جسّد قرارا سياديا استباقيا أنهى عمليا منطق “الكرسي الفارغ” الذي استثمرته أطراف معادية للوحدة الترابية المغربية لعقود، وحوّل المغرب إلى فاعل داخلي في صناعة القرار الإفريقي بدل الاكتفاء بموقع المراقب أو المتأثر. وقد سمحت هذه العودة للرباط بإعادة بناء شبكة نفوذها السياسي والاقتصادي داخل القارة، وتعزيز حضورها التنموي والمالي، وإعادة تعريف موقعها كجسر استراتيجي بين أوروبا وإفريقيا، وهو ما أعاد ترتيب المواقف داخل الاتحاد الإفريقي ذاته، وفتح المجال أمام مقاربة أكثر واقعية لملف الصحراء في الفضاء الإفريقي.
أما في السياق الدولي الأوسع، فقد جاء استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية ضمن اتفاقية أبراهام، في مرحلة داخلية كانت بالغة الحساسية، بالنظر إلى قيادة الحكومة حينها من طرف حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، وهو حزب ارتبط تاريخيا بخطاب سياسي مناهض لإسرائيل داخل المجتمع المغربي. ومع ذلك، فإن القرار المغربي اتخذ طابعا سياديا ينسجم مع منطق الدولة العميقة لا مع منطق الحكومات العابرة، وهو ما كشف أن السياسة الخارجية المغربية تدار بعقيدة استراتيجية ثابتة، لا بمنطق الاصطفافات الحزبية الضيقة. غير أن أهمية هذا المسار لا تكمن فقط في بعده الثنائي، بل في كونه أدخل المغرب إلى مستوى جديد من التحالفات، وربطه بشكل أوثق بالمقاربة الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، دون أن يمس ذلك بالثوابت المغربية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، التي ظلت حاضرة في الخطاب الرسمي وفي المواقف الدبلوماسية للمملكة.
و انطلاقا من هذا المنظور، فإن نجاح المغرب في ملف الصحراء لم يكن نتيجة خطاب سياسي فقط، بل نتيجة عمل دبلوماسي متراكم، ترجم كذلك إلى تراجع العشرات من الدول عن اعترافها بجبهة البوليساريو الانفصالية، مقابل اعترافها بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وافتتاح تمثيليات دبلوماسية في العيون والداخلة، في مشهد لا يمكن قراءته إلا باعتباره تحولا استراتيجيا في ميزان الشرعية الدولية.
وفي هذا السياق، جاء الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء كحدث مفصلي، ليس فقط بسبب رمزيته السياسية، بل بسبب قيمته العملية في هندسة القرار الدولي، خصوصا أن الولايات المتحدة تعد “حاملة القلم” داخل مجلس الأمن في ما يتعلق بملف الصحراء، وهو ما يمنحها قدرة مؤثرة على صياغة النصوص، وتوجيه المفاهيم، وتحديد سقف اللغة الدبلوماسية المعتمدة في القرارات الأممية. إن القرار الذي اتخذه الرئيس دونالد ترامب كان بمثابة الخطوة الأولى التي دفعت عددا من القوى الكبرى إلى إعادة تقييم مواقفها، والانخراط تدريجيا في المقاربة الواقعية التي يقترحها المغرب، وفي مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الأكثر قابلية للتطبيق.
وفي المقابل، يظهر أن الجزائر، التي أصبحت بحكم الواقع طرفا مركزيا في الملف، لم تنجح في مواكبة هذا التحول الدولي المتسارع، بل اختارت التموقع داخل استراتيجية مضادة، تقوم على توفير الدعم المالي والغطاء الدبلوماسي لجبهة البوليساريو، وهو ما جعلها في مواجهة مباشرة مع المسار المغربي بدل البحث عن صيغة سياسية تحفظ مصالحها دون عزلتها. وقد تجلى أحد أبرز تعبيرات هذا التوتر في أزمة استقبال إسبانيا لزعيم البوليساريو إبراهيم غالي ” محمد بن بطوش ” ، وهي الحادثة التي اعتبرها مراقبون نقطة تحول كبرى في العلاقات المغربية الإسبانية، لأنها كشفت تعقيدات العمل الدبلوماسي الإسباني، و أظهرت أيضا هشاشة قدرات الأجهزة الاستخباراتية الجزائرية على إدارة الملف داخل أوروبا دون أن تنتج ارتدادات سياسية ثقيلة.
لقد رد المغرب على تلك الواقعة بموقف سيادي واضح، ترجم إلى احتجاج رسمي قادته السفيرة المغربية في مدريد، كريمة بنيعيش، وهو ما أدى إلى استقالة أرانشا غونثاليث لايا وزيرة الخارجية الاسبانية آنذاك، و ساهم في إعادة تشكيل النقاش داخل المؤسسات الإسبانية نفسها، وانتهى إلى تطورات سياسية معروفة داخل مدريد، ثم إلى الزيارة التاريخية لرئيس الحكومة الإسبانية السيد بيدرو سانشيز إلى الرباط ولقائه جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في محطة دشنت منعطفا جديدا في العلاقات بين البلدين. ومنذ ذلك الحين، دخلت العلاقات المغربية الإسبانية ما يمكن وصفه بمرحلة ذهبية غير مسبوقة، تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية مع منطق الثقة السياسية المتبادلة.
إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل تطور الملف عن تراجع المحاور التي كانت تراهن عليها الجزائر في معاكسة المصالح الاستراتيجية المغربية، سواء عبر انهيار أنظمة كانت تاريخيا من أشد الداعمين للأطروحة الانفصالية، أو عبر تآكل شبكة تحالفات تقليدية بفعل الضغوط الداخلية والأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعرفها بعض الدول. كما أن التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وارتفاع منسوب الاحتقان في عدد من العواصم، جعلت أولويات القوى الكبرى تتجه نحو دعم الاستقرار بدل الاستثمار في النزاعات المجمدة، وهو ما منح الرباط هامشا أكبر لتقديم مقاربتها باعتبارها مقاربة واقعية وليست مجرد طرح سياسي.
من هنا، يمكن القول إن اجتماع مدريد لا ينبغي قراءته باعتباره اجتماعا تفاوضيا تقنيا فقط، بل باعتباره جزءا من مسار دولي يروم إعادة ترتيب الملف داخل منظور جديد، يقوم على الواقعية السياسية بدل الشعارات، وعلى البحث عن حل عملي قابل للتنفيذ بدل تكرار خطابات تقرير المصير التي لم تنتج سوى جمود سياسي وأزمات إنسانية متفاقمة في مخيمات تندوف.
غير أن التحليل الموضوعي يفرض التأكيد على أن هذا التحول، رغم كونه يميل لصالح المغرب، لا يعني أن الملف قد وصل إلى نهايته، إذ لا تزال هنالك أوراق يمكن توظيفها من طرف خصوم الوحدة الترابية المغربية، عبر استثمار الوضع الإنساني في المخيمات، أو عبر محاولات دفع الملف نحو توتر محدود شرق إقليم فكيك. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من الرباط الاستثمار في هذا الزخم الدبلوماسي لتحويله إلى مكاسب قانونية ومؤسساتية وتنموية مستدامة، عبر ترسيخ النموذج التنموي في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز الاستثمار الدولي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية التي تجعل من الاستقرار في الصحراء المغربية مصلحة مشتركة لكافة الأطراف المعنية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن استشراف سيناريو محتمل لما بعد مفاوضات مدريد، يتمثل في استمرار التثبيت التدريجي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها المرجعية الواقعية للحل، مع توسيع دائرة الاعترافات الدولية وتكريسها داخل مجلس الأمن. و ممارسة الولايات المتحدة الأمريكية لضغط دولي خشن على الجزائر، تحت طائلة فرض العقوبات الدولية، و إعلان جبهة البوليزاريو منظمة إرهابية، وذلك لدفعها للانخراط في المقاربة السياسية المغربية، بما يسمح بتحييد التوتر الإقليمي وإعادة إدماج المنطقة المغاربية في مشاريع التعاون الدولي.
غير أن ما يبدو ثابتا في جميع السيناريوهات هو أن ميزان القوة الدبلوماسية بات يميل لصالح المغرب، وأن الرباط استطاعت خلال السنوات الأخيرة تحويل ملف الصحراء من قضية نزاع إقليمي إلى قضية استقرار دولي، عبر دمجها في معادلات الأمن والطاقة والهجرة والتنمية، وهو ما جعل أطروحتها تكتسب شرعية سياسية متزايدة داخل العواصم الكبرى.
إن مدريد، بهذا المعنى، ليست نهاية الطريق، بل لحظة انتقالية ضمن مسار طويل تسعى فيه القوى الدولية إلى تقليص بؤر التوتر في شمال إفريقيا، وإعادة هندسة المنطقة وفق أولويات الاستقرار والتنمية. أما المغرب، فقد دخل هذه المرحلة وهو أكثر استعدادا من أي وقت مضى، ليس فقط لأنه يمتلك شرعية تاريخية وقانونية، بل لأنه راكم، بهدوء وثبات، ما يمكن وصفه بسلطة الفعل الاستراتيجي الموزون، حيث لم يعد الدفاع عن الصحراء المغربية مجرد موقف، بل أصبح مشروعا متكاملا لدولة عريقة خبرت جيدا كيف تحوّل الجغرافيا إلى نفوذ سياسي، والتاريخ إلى شرعية دولية، والدبلوماسية إلى قوة ناعمة مؤثرة.





