عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي من إيطاليا.
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
يمثل الحوار في المنظومة الإسلامية قيمة وجودية ومقصدياً بنائياً يتجاوز مجرد كونه أداة تواصلية عابرة إلى كونه بنية معرفية تؤسس للعلاقة بين الذات والآخر فالقرآن الكريم في استعراضه لمختلف الأطروحات العقدية والفكرية لم يكتفِ بتقرير الحقائق التجريدية بل أرسى منهجاً فكرياً ونموذجاً حوارياً تفاعلياً يتجلى في مناظرات الأنبياء ومحاججاتهم مع شتى الصيرورات البشرية من مشركين وأهل كتاب ومنكرين للغيب وتأتي هذه الحركية الحوارية لتدحض الأطروحات الاستشراقية والتنصيرية التقليدية التي حاولت اختزال الانتشار التاريخي للإسلام في أدوات القهر والإكراه المادي إذ إن التدبر العقلاني للنصوص التنزيلية يكشف عن مركزية الطواعية والاقتناع القلبي كشرط أساسي لصحة التدين كما يظهر في المقررات القرآنية التي تنفي الإكراه في الدين وتبين الرشد من الغي مما يجعل من الفعل الحواري ضرورة بنيوية لإقامة الحجة وإبانة المحجة وخلال السياق التاريخي الأول تجسدت هذه الفلسفة في محطات مفصلية انطلقت من المحاججات الشفوية في البيئة المكية لتنتقل إلى أفق ديبلوماسي وحضاري أرحب كما حدث في الهجرة إلى الحبشة وحوار جعفر بن أبي طالب مع النجاشي وهو الحوار الذي ارتكز على المشتركات الإنسانية والعقدية حول شخصية المسيح وأمه عليهما السلام لتتطور الممارسة الحوارية بعد ذلك في العهد المدني آخذةً شكلاً مؤسساتياً في التعامل مع التعددية الدينية المتمثلة في أهل الكتاب حيث نزل الخطاب القرآني الرباني متوجهاً إليهم بنداءات تفتح آفاق المثاقفة والجدال بالتي هي أحسن وتتأسس القواعد القيمية للخطاب الحواري في الإسلام على مرتكزات أخلاقية ومعرفية صارمة تشترط الجدية والموضوعية في طلب الحقيقة ولعل أولى هذه القواعد هي تحصين اللسان من الهبوط إلى درك الإساءة أو السخرية حتى تجاه المكونات الوثنية تفادياً لإيغار الصدور وصناعة العصبية المضادة التي تعمي عن إدراك الحق وهو ما يعكس التزاماً إسلامياً أصيلاً بعفة الخطاب وتنزيهه عن الرغبة في المغالبة وحب العلو الذاتي كما أن المنهج الإسلامي يضع ضابطاً معرفياً منهحياً حاسماً يحظر الخوض في الجدال القائم على الجهل أو تخرصات الظن معتبراً أن المحاجة بلا علم رصين هي نوع من العبث الفكري المعيب تداولياً وتنظيمياً وفي مقابل ذلك يرسخ الفكر الإسلامي قيمة الإنصاف والتراجع عن الخطأ عند تبين الصواب من خلال بث روح المرونة والموضوعية في المناظرة وإشعار الطرف الآخر بالتكافؤ المعرفي في سياق البحث عن الحقيقة المطلقة وتتكامل هذه المنظومة حينما تتحول لغة اللين والحكمة إلى منهجية اتصالية ثابتة حتى في مواجهة أعتى صور الطغيان البشري تجسيداً للتوجيه الإلهي لموسى وهارون عليهما السلام في خطابهما لفرعون وهي منهجية لا تنطلق من ضعف بل من إدراك عميق بأن الكلمة الطيبة والوعظ الإنساني الرفيع هما الأقدر على اختراق حجب النفس البشرية وتحفيز مكامن الخشية والتذكر لديه.
إن الحوار في العقلانية الإسلامية ليس مجرد إجراء تداولي لإقناع الآخر بل هو شرط وجودي لممارسة الفاعلية الحضارية إذ يتجاوز كونه جسراً للتواصل اللفظي ليصبح بنية معرفية أُنتجت لتفكيك المركزيات الذاتية فالإنصات الواعي لا يعني التنازل عن الحقيقة بل يعني الاعتقاد بأن الحقيقة ذاتها تتكشف وتتجلى في فضاء الحرية والكرامة الإنسانية ومن ثم فإن الفعل الحواري يمثل ضرباً من الضيافة الفكرية التي يمارس فيها الذات والآخر تجربة المساءلة الذاتية والتثاقف البناء ليتحول الخطاب الديني من مجرد نصوص تقريرية إلى ممارسة حية تعيد رسم حدود الفهم المشترك في عالم يموج بالتعدد والتغير.
وتتجلى الامتدادات المعاصرة لهذه الفلسفة الحوارية في واقع المسلمين بالدول الغربية حيث لم يعد الحوار مجرد خيار ترفي بل أضحى ضرورة وجودية وآلية استراتيجية لتحقيق الاندماج الإيجابي والمثاقفة الحضارية الواعية داخل مجتمعات التعددية والتعايش وتبرز أهمية تمثل هذه القيم في قدرة الجاليات المسلمة على تفكيك الصور النمطية السلبية وتفنيد أطروحات الإسلاموفوبيا من خلال تقديم نموذج تداولي يرتكز على عفة اللسان والإنصاف والموضوعية في النقاش العام مما يسهم في بناء جسور الفهم المشترك مع الآخر وتبديد التوجسات المتبادلة وبذلك يتحول الوجود الإسلامي في الغرب من مجرد وجود ديمغرافي إلى فاعل حضاري يمارس الدعوة بالحسنى والقدوة السلوكية معززاً قيم السلم المجتمعي ومؤكداً على عالمية الرسالة الإسلامية وقدرتها على التكيف الإيجابي مع مختلف السياقات الثقافية والسياسية المعاصرة وتكتسب هذه المقاربة أبعاداً أكثر عمقاً ودلالة عند قراءة واقع الجالية المسلمة في إيطاليا كنموذج حي لتجذر هذه القيم الحوارية في سياق أوروبي متميز حيث يتحول الفعل الاتصالي هناك من مجرد رغبة في التعايش إلى مسؤولية معرفية وأخلاقية تتطلب من النخب والكفاءات المسلمة خاصة القائمين على المراكز الثقافية الاسلامية والمساجد تفعيل قنوات التواصل الجاد والمستمر مع مختلف الفعاليات الفكرية والدينية لإبراز سماحة الإسلام وسعته وقدرته على إفراز المشتركات الإنسانية وضمان الاستقرار المجتمعي بناءً على الحجة البالغة والقدوة السلوكية التي تفند خطابات الإقصاء والنمطية الجاهزة وبذلك يتجاوز الحوار في الإسلام بعده الوعظي المحدود ليصبح استراتيجية حضارية شاملة تستهدف بناء جسور الفهم المشترك وإيجاد بيئة معرفية آمنة تتيح للمسلم ممارسة دوره كداعية بالحال والمقال في إطار من كرامة الإنسان واحترام عقلانيته.





