الدكتور عبد الله بوصوف
الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج
تُفتتح مباريات كأس العالم في الولايات المتحدة في سياق دولي تتداخل فيه الرياضة بالاقتصاد والسياسة والرمزية الجيوسياسية، حيث لم تعد كرة القدم مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت أحد أبرز مجالات “القوة الناعمة” التي تعكس توازنات العالم الجديد. وفي هذا السياق، يواجه المنتخب الوطني المغربي منتخب البرازيل في أولى مبارياته، في لقاء يتجاوز طابعه الرياضي إلى أبعاد جيوسياسية وثقافية ورمزية متشابكة، مع تطلع واسع داخل المغرب إلى تحقيق نتيجة إيجابية وانتصار يعزز الحضور الوطني في هذا المحفل العالمي.
من منظور جيوسياسة الرياضة، يمكن قراءة هذه المواجهة باعتبارها تقاطعاً بين فضاءين كرويين مختلفين في موقعهما داخل النظام العالمي لكرة القدم. فالبرازيل تمثل إحدى القوى التقليدية الكبرى في كرة القدم العالمية، بما تحمله من رأسمال رمزي تاريخي قائم على الألقاب والخبرة والتأثير الثقافي الواسع. في المقابل، يبرز المغرب في السنوات الأخيرة كقوة كروية صاعدة، استطاعت أن تعيد تموضعها داخل الخريطة الكروية العالمية، من خلال أداء تنافسي عالي المستوى، واستثمار ذكي في البنية التحتية والتكوين، وربط الرياضة بمشروع وطني للتحديث والانفتاح.
هذا التباين بين “قوة تاريخية راسخة” و”قوة صاعدة” يجعل من المباراة أكثر من مجرد اختبار تقني، بل مواجهة بين نماذج مختلفة في إدارة القوة الرياضية داخل النظام الدولي. فالبرازيل تعتمد على إرثها التاريخي في تصدير اللاعبين والثقافة الكروية، بينما يعتمد المغرب على استراتيجية تراكمية تقوم على الاندماج في المنظومة الكروية الأوروبية مع الحفاظ على هوية تنافسية خاصة به.
في هذا الإطار، تصبح كرة القدم جزءاً من الديناميات الأوسع للعولمة، حيث تتحول المنتخبات الوطنية إلى واجهات رمزية للدول داخل سوق عالمي للرياضة. فالمغرب، من خلال حضوره المتزايد في المنافسات الكبرى، يعزز موقعه كفاعل إقليمي في إفريقيا والمتوسط، ويستثمر في كرة القدم كأداة لتعزيز الحضور الدولي وبناء صورة الدولة الحديثة. أما البرازيل، فهي توظف تاريخها الكروي كأحد أهم عناصر قوتها الناعمة في أمريكا اللاتينية والعالم.
كما أن البعد الأطلسي يظل حاضراً بقوة في هذا السياق الجيوسياسي، إذ يشكل المحيط الأطلسي فضاءً تاريخياً لحركة البشر والثقافات والاقتصادات، وهو اليوم أيضاً فضاء تنافسي تتقاطع فيه القوى الرياضية بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا. وتُعد كرة القدم إحدى أهم أدوات إعادة إنتاج هذا الفضاء، ولكن بصيغة رمزية حديثة تقوم على التنافس بدل الهيمنة التقليدية.
على المستوى الرمزي، تعكس هذه المباراة أيضاً تحولات أعمق في ميزان القوى الرياضية العالمي، حيث لم يعد التفوق محصوراً في مجموعة تقليدية من الدول، بل أصبح أكثر انفتاحاً على صعود قوى جديدة قادرة على المنافسة، كما هو الحال مع المغرب الذي بات يمثل نموذجاً لدولة تستثمر في الرياضة كرافعة للتأثير الدولي.
إن قراءة مباراة المغرب والبرازيل من منظور جيوسياسة الرياضة تكشف أن ما يجري داخل الملعب هو امتداد لتحولات أوسع خارجها، حيث تتقاطع الهوية، والاستراتيجية، والاقتصاد الرمزي، وصورة الدولة. وبينما تظل النتيجة الرياضية مفتوحة على كل الاحتمالات، فإن هذا اللقاء يحمل تطلعاً وطنياً واضحاً إلى أداء مشرّف، وطموحاً مشروعاً لتحقيق الانتصار وإبراز مكانة المغرب داخل المشهد الكروي العالمي، في مواجهة تُجسّد إعادة تشكيل خرائط القوة الناعمة في عالم معولم أصبحت فيه كرة القدم لغة مركزية لفهم العلاقات بين الأمم





