إدريس الأندلسي
إنه زمن مسخ العمل السياسي الذي لا يقيم وزنا للقيم، و لا يرى في المواطن سوى سلعة إنتخابية تباع و تشترى عند الحاجة، و بكافة السبل. إذا رفع هذا صوته لتعرية هذا الواقع، تتصدى له قوى و لوبيات بخطاب تخويني و عدمي، و يصل الأمر إلى رسم صورة لانجازات حكومية وردية و تغييب واقع التفاوتات الاجتماعية و المجالية التي تعرقل تنزيل أغلب السياسات العمومية و خصوصا تلك التي تتعلق بالولوج إلى الصحة و التعليم و الشغل. لدينا أكبر مشروع ملكي في مجال التغطية الإجتماعية ، و هو بمثابة ثورة لتغيير واقع غياب الشبكات الواقعية الفءات الهشة، و حتى للطبقة الوسطى. من ينكر وجود الفراقشية في كل المجالات يعتبرنا أغبياء.
سنصبح جميعا اغبياء إذا أصبنا جميعا بمرض الزهايمر المبكر. نتعرض في بعض الأحيان لحالة نسيان ، و لكن التمييز بين الخير و الشر يظل يسكن كل معايير التمييز لاغلب المغاربة. اصروا على أن لا نطرح سؤال الحكامة و المحاسبة و التقييم. اصروا على أن ننسى أن الدستور أقر بربط المسؤولية بالمحاسبة، واصروا كذلك على أنهم صادقون ، و أن كافة الفئات الاجتماعية المكونة للشعب المغربي ناكرة لجميل هذه الحكومة عليهم و على ابناءهم و خالاتهم و عماتهم، و كافة المؤمنين. أن تدخل المجال العام كبرلماني أو عمدة مدينة أو رئيس لجنة، فهذا يحميك إلى أن تتم ادانتك نهائيا، بعد سنوات. و قد تخطلط الأوراق لتصبح ، من جديد، حيا يرزق في دنيا سوق السياسة المذر للدخل المضمون و المربح.
قال وزراء و أعضاء قيادات هذا الزمن الحكومي و بعض الأحزاب التي لبست قناع الذل في شكل معارضة شكلية تنتظر الكراسي و تنسى ماضيها. قال أشباه الزعماء أن أموال الشعب استولى عليها الفراقشية، و لكنهم رفضوا تكوين لجنة برلمانية للبحث في مصير ملايير من الدراهم قيل أنها سخرت من أجل دعم محدودي الدخل و الفقراء. كفر أغلب السياسيين بكل القيم الإنسانية و اختاروا الصمت ، و بعضهم انكر أي وجود للتلاعب بالمال العام في كل المجالات المتعلقة بالأضحية و البنزين و الفلاحة و التعليم و الصحة و العقار و الاستثمار. كيف للمواطن أن لا يكفر بالمؤسسات في ظل سيطرة قوة ترفض المحاسبة، و تؤكد على المواطن استفاد من الولوج إلى العلاجات و التعليم و الغذاء و الخروف و السكن، و هو إلى الهشاشة أقرب، و من هذه المرافق العمومية أبعد بمسافات كبيرة . و يظل الواقع يعكس صورة انحدار المستشفى العمومي، و خصوصاً في المناطق التي تعتبر صحراء من الناحية الطبية و الإجتماعية. و لنا في الخارطة الطبية واجب قراءة الواقع، و معطياته المتاحة و بالموضوعية اللازمة .
يفعلون بالبلاد ما لا يرضاه رب العباد. يقف جلهم ضد محاربة الاغتناء غير المشروع. يصر وزير العدل، الذي اوصله نكران ماضيه لمنصب عال، على رفض كل وسائل إثبات الاغتناء غير المبرر. يعبث جلهم بالمرفق العمومي و يرعى مصالحه بالهجوم على كل المصالح و تضاربت و اشتبكت على حساب الوطن. و حين يرفع المواطن صوته ينعث بكونه غبي ينتمي إلى زمرة الاغبياء. و قرر المستفيدون أنهم اوصياء على سوق الانتخابات، و سكت حزب علال الفاسي و ترنح حزب عبد الرحيم بوعبيد. و لعل تلك الجماهير الغفيرة التي رافقت جنازة بوعبيد إلى مثواه الأخير أقامت صلاة دفن فكر و تاريخ و ثراث اتحادي مات منذ ظهور كائنات تبحث،كغيرها، عن كرسي فقط لا غير.
تتسابق الكائنات الانتخابية لضمان مواقع في مضمونة في صفوف أحزاب الحكومة الحالية. وصل التنافس المنحط الذي تمارسه هذه الأحزاب لحد التنكر لكل القيم السياسية. تصوروا أن أغلب القيادات زارت بيت أحد تجار الانتخابات بمنطقة الدار البيضاء. و يؤكد العارفون بالامور أن المنافسة هوجاء لاستقطاب تجار الخرائط الإنتخابية. و تسعى كثير من الأحزاب لضمان حضور إنتخابي لمن يخضعون لمساءلة قضائية، لم تصل بعد إلى مرحلة الإدانة، و لكنها تتعلق بشبهة اقتراف أفعال اجرامية. و تؤكد الأعراف العالمية على حماية المؤسسات حين تتبين خيوط الشبهة، و قبل تأكد صديقتها بالبرهان و الدليل و الحكم القضائي. و يطالبون منا أن نعتبر أن ممارس السياسة، و المسؤول عن كل آليات التدبير المالي العمومي، له حصانة تمتد إلى أن يصبح الحكم نهائيا بعد سنوات قد تتجاوز العمر المؤسسي للبرلمان و للمجالس الترابية محليا و إقليميا و جهويا.
ظهر شخص متميز قبل سنوات في حزب الجرار. ولد في حضن منطقة شيشاوة و تملك أدوات التعبير عن ممارسة تدبير الشأن العام . ظهر و حاول أن يعبر من داخل البرلمان عن قضايا مشروعة. تخلى عن المنصب و تعاطف معه الجميع باستثناء ” رفاقه” من البام. و لكن الفرد يضعف أمام سطوة من يسيطرون على القرار. جمدوا وضعيته داخل حزبهم و لكنهم تراجعوا، بعد شهور، و ارجعوه إلى الصفوف كتلك المطلقة التي اجبرت على الرجوع إلى بيت الزوجية. رجعت و قبلت بقانون الامتثال لأصحاب القرار. و هكذا انكر وجود الشناقة، و حاول ان يصنع حدودا صورية بين محاسبة الحكومة و الانضباط أثناء التصويت. و يشكل هذا التصرف أكبر تعبير عن إغتيال الممارسة السياسية. قل ما شئت ، و استنكر كل الممارسات الريعية، لكنك مجبر على الوقوف خلف من يضرب القوة الشرائية للمواطنين. قل ماشئت ، و لا تصوت على أي قانون لحماية المواطن من طاغوت السيطرة على مستوى الأسعار . و لا تنعث من استفاد من الريع و ملايير دعم الاستهلاكيات الكبرى، و الشركات الكبرى في مجال الطاقة و الدواء و الاستشفاء. قل ما شئت من العموميات و التزم الصمت لصد كل من حاول محاسبة الحكومة، و الاستقصاء في كل المواضيع التي تهم استعمال المال العام.
يريدون أن نستبطن كوننا أغبياء، و نرضى بكونهم يحملون كل وسائل الظفر بلقب أمراء الذكاء. يريدون أن ينزعوا عن المواطنين كل قدرة على تقييم افعالهم. يريدون أن نؤكد أن ما راكموه من ثروات، و اغلبهم ،في الأصل، كانوا من ذوي دخل محدود، ناتج عن عبقرية لا علاقة لها باستثمار أو ارث، او حتى نصيبا من اليانصيب الوطني. و سيصرون على أننا الاغبياء، و لو أن اغلبنا حصلوا على أكبر الشهادات العليا و راكموا تجارب مهنية في أعلى المناصب في القطاعين الخاص و العام، و في اقتصادات خارج المغرب. نعم أنتم من تمكن من نهش الكتف تلو الكتف بذكاء لا يخضع للمحاسبة و التقييم . تريدون أن نستمر في الغباء إلى الأبد. غدا ستصبحون، كاغبياء ، مجرد ممثلين للاغبياء، و سيصبح برلمانكم برلمان الاغبياء. و لكنكم تساهمون في قتل المؤسسات، و في ميلاد جيل جديد من المغاربة الذين سيرفضونكم بكل أشكال الرفض المخصص للاغبياء فعلا.
تدفعوننا بقوة مواقعكم ، و بمراكز هيمتنكم على القرار السياسي و الإداري على أن نقول لكم اننا استسلمنا لقوة خرق كل القوانين. و ليست لنا قوة تضاهي قوتكم على فرض الأمر الواقع. أصبح الجاهل الذي لا يكتب و لا يقرأ صاحب صولة و جاه ، و حاكم يسكن قصرا، و قادر على أن ينتصر على كل المعارف و الثقافات. صحيح أننا في هذا الزمن،لم نكن ننتظر أن يسيطر على مؤسسات بلادنا من غادر المدرسة مبكرا و كفر بالكفاءة و بالعلوم كلها. و ماذا يمكن أن ننتظر من نخبة لا يهمها وطن. و ” مهما طال الزمن…سوف تبلى المحن… و يزول الشجن.. عن شباب أبي” .





