نبيل التويول – إيطاليا تلغراف
مع عودة الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة المحتلّة إلى صدارة النقاش السياسي والإعلامي في إسبانيا، أعادت رسوم كاريكاتيرية ومقالات صحفية إحياء عبارة تعود إلى قرون مضت: “¡Hay moros en la costa!”، أي “هناك مغاربة على السّاحل”. وعلى الضفة الأخرى من المتوسط، لا تزال الذاكرة الشعبية المغربية تحتفظ بدورها بلقب قديم يطلق على الإسباني: “بورقعة”.
ورغم أن التعبيرين ولدا في سياقين تاريخيين مختلفين، فإنهما يكشفان عن حقيقة واحدة؛ وهي أن الذاكرة الجماعية للشعوب تحتفظ بصور الماضي حتى عندما تتغير الوقائع السياسية والاقتصادية.
ذاكرة الخوف في الضفة الشمالية
ترجع عبارة “¡Hay moros en la costa!” إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر، عندما كانت أبراج المراقبة المنتشرة على السواحل الإسبانية تطلق الإنذار عند رصد سفن قادمة من جنوب البحر المتوسط، في ظل الصراع البحري الذي شهدته المنطقة خلال تلك المرحلة.
ومع مرور الزمن، فقدت العبارة وظيفتها العسكرية، لتصبح جزءا من اللغة اليومية الإسبانية، وتستخدم مجازا بمعنى “انتبه” أو “هناك من يراقب”.
غير أن تصاعد الهجرة غير النظامية في السنوات الأخيرة أعاد العبارة إلى المجال السياسي والإعلامي، حيث أصبحت تستعمل أحيانا في رسوم كاريكاتيرية أو خطابات سياسية تربط بين الهجرة والذاكرة التاريخية، وهو ما أثار نقاشا داخل إسبانيا نفسها حول مدى ملاءمة استدعاء مفردات تعود إلى سياقات تاريخية مختلفة لتوصيف ظاهرة معاصرة.
“بورقعة”.. عندما كان الإسباني يبحث عن العمل في المغرب
على الضفة الأخرى من المتوسط، تحتفظ الثقافة الشعبية المغربية بلقب “بورقعة”، الذي يطلقه بعض كبار السن على الإسباني.
ولا يوجد اتفاق بين الباحثين حول الأصل اللغوي لهذه التسمية، إلا أن إحدى الروايات الشعبية تربطها بقدوم عمال إسبان إلى شمال المغرب وهم يرتدون ملابس مرقعة بسبب الفقر الذي عرفته مناطق واسعة من إسبانيا خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
و تعكس كلمة ” بو رقعة ” صورة اجتماعية راسخة في الذاكرة الشعبية المغربية، وتنسجم مع حقيقة موثقة تاريخيا، وهي أن آلاف الإسبان هاجروا إلى مدن مغربية مثل تطوان وطنجة والدار البيضاء والعرائش والناظور للعمل في البناء والموانئ والصيد البحري والتجارة، قبل أن تنعكس حركة الهجرة لاحقًا في الاتجاه المعاكس.
يكشف التاريخ أن الهجرة بين المغرب وإسبانيا لم تكن يوما ذات اتجاه واحد.
ففي النصف الأول من القرن العشرين، كان المغرب يمثل فضاء اقتصاديا استقطب آلاف الإسبان الباحثين عن فرص العمل، في وقت كانت فيه إسبانيا تواجه أزمات اقتصادية واجتماعية متكررة. أما اليوم، فقد أصبحت إسبانيا إحدى أهم وجهات الهجرة بالنسبة للمغاربة، بفعل التحولات الاقتصادية التي شهدتها أوروبا خلال العقود الأخيرة.
وهذا التحول يؤكد قاعدة معروفة في دراسات الهجرة، مفادها أن مسارات التنقل البشري تتغير بتغير موازين التنمية والفرص الاقتصادية، وليس وفق اعتبارات ثابتة أو دائمة.
المفارقة اللافتة أن حركة البشر تغيرت، بينما بقيت صور الماضي حاضرة في المخيال الجماعي للطرفين.
فالعبارة الإسبانية “هناك مورو على الساحل” تستحضر ذاكرة الخوف من الجنوب، في حين يستدعي لقب “بورقعة” صورة الإسباني الفقير القادم إلى المغرب طلبا للرزق، حتى وإن كانت إسبانيا اليوم من أكبر الاقتصادات الأوروبية.
ويرى باحثون في دراسات الذاكرة والخطاب أن المجتمعات غالبا ما تلجأ إلى استدعاء رموز الماضي لتفسير أحداث الحاضر، خصوصا في فترات التوتر السياسي أو النقاشات المرتبطة بالهوية والهجرة، وهو ما يمنح هذه التعابير بعدا ثقافيا يتجاوز معناها اللغوي المباشر.
و لا يتعلق الأمر هنا بمجرد كلمتين متداولتين في المغرب وإسبانيا، بل بمرآتين تعكسان كيف يرى كل مجتمع الآخر عبر التاريخ.
فإذا كانت الهجرة قد غيرت اتجاهها خلال قرن واحد، فإن الذاكرة الجماعية لم تتغير بالوتيرة نفسها. ولهذا تستمر بعض التعابير الشعبية في العيش داخل الخطاب العام، حاملة معها رواسب الحروب والتجارة والفقر والتجاور والصراع، حتى عندما تصبح الوقائع التي أنجبتها جزءا من الماضي.





