طريق إيطاليا للحوار: ميثاق تاريخي يرسم ملامح حوار الاديان المسؤولية المشتركة والدور المحوري للكونفدرالية الإسلامية الإيطالية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

في لحظة جيوسياسية بالغة التعقيد يشهد العالم فيها تصاعداً لخطابات الاستقطاب والانقسام قدمت العاصمة الإيطالية روما نموذجاً استثنائياً في الدبلوماسية الروحية والمسؤولية المدنية. ففي الخامس والعشرين من يونيو 2026 اجتمع قادة وممثلو الأديان والطوائف الدينية الرئيسية في إيطاليا لتوقيع وثيقة تاريخية تحمل عنوان الطريق الإيطالي للحوار: الأديان في الفضاء العام ومن أجل التماسك الاجتماعي وهو الحدث الذي تُوج بلقاء رفيع المستوى في قصر الكيرينالي مع رئيس الجمهورية الإيطالية سيرجيو ماتاريلا.

إن هذا الميثاق ليس مجرد بروتوكول احتفالي بل هو وثيقة استراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة من هندسة السلم المجتمعي وتصنع شبكة أمان فكرية وأخلاقية لحماية التعددية الدينية والثقافية في إيطاليا.

وفي تصريح خاص وحصري لجريدتنا أكد الأستاذ الحجراوي مصطفى رئيس الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية على الأهمية الاستراتيجية لهذا الحدث مشيراً إلى أن هذا الميثاق يمثل خطوة تاريخية تخدم الجالية المسلمة وتعزز مكانتها كشريك أساسي في بناء مستقبل إيطاليا. وفيما يلي نص الحوار الدبلوماسي والمقتضب الذي أجريناه معه:

 كيف تقيمون توقيع هذا الميثاق في هذا التوقيت بالذات، وما هي الرسالة التي ترغبون في إيصالها من خلال هذا الحضور الوازن؟

نحن سعداء وفخورون جداً بهذا التوقيع الأكاديمي والروحي المهم. إن هذا الميثاق ليس مجرد اتفاق عابر، بل هو وثيقة تؤسس لعهد جديد من الاعتراف المتبادل والمسؤولية المشتركة. رسالتنا واضحة: الإسلام في إيطاليا هو جزء لا يتجزأ من الحل ومن صناعة السلم المجتمعي، والتزامنا راسخ بالعمل مع كافة مكونات المجتمع الإيطالي من أجل الخير العام.”

 كيف سينعكس هذا الميثاق بشكل ملموس على واقع ومستقبل الجالية المسلمة في إيطاليا؟

هذا الميثاق يمنح الجالية المسلمة أرضية قانونية وأخلاقية صلبة للمطالبة بالحقوق في إطار المواطنة الكاملة والاحترام المتبادل. من خلال تفعيل آليات العمل المشتركة، خاصة المتعلقة بالشباب، سنتمكن من تحويل التنوع الديني من مجرد شعار إلى واقع ملموس يخدم الاستقرار والتماسك الاجتماعي، ويحمي الأجيال القادمة من خطابات الاستقطاب والتطرف.

برزت الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية (CII) كركيزة أساسية وصانعة قرار في هذا المسار الممتد على مدار ثلاث سنوات من العمل الدؤوب والمشترك وقد تجسد هذا الدور المحوري في الحضور الوازن للأستاذ الحجراوي مصطفى رئيس الكونفدرالية الذي وقع على الاتفاقية معيداً التأكيد على أن الميثاق يمثل انطلاقة متجددة لترسيخ قيم المواطنة والأخوة الإنسانية والعدالة الاجتماعية كقواعد صلبة لا غنى عنها لبناء مجتمع متوازن ومتماسك.

تنطلق الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية تحت قيادة الأستاذ الحجراوي مصطفى من رؤية أكاديمية وواقعية عميقة ترى في الحوار الديني ضرورة مجتمعية ملحة وليس ترفاً فكرياً. ويأتي هذا التوقيع تتويجاً لجهود المؤسسة في دمج الجاليات المسلمة ضمن النسيج الوطني الإيطالي ليس فقط كمكون ديمغرافي بل كشريك فاعل وصانع للسلام والاستقرار ومساهم في الرخاء المادي والروحي للبلاد.

تضمن الميثاق الذي تم تسليمه للرئيس ماتاريلا تسعة التزامات وتسع آليات عمل تهدف إلى:

تعزيز الكرامة المتساوية لجميع الأديان أمام الدولة الإيطالية عبر حوار نقدي وبنّاء يناقش العلاقة بين الدين العلمانية والسياسة.

تفكيك الصور النمطية والأحكام المسبقة التي تغذيها خطابات الكراهية والاستغلال الأيديولوجي المشبوه للدين لغايات سياسية أو إقصائية.

إشراك جيل الشباب في صياغة المستقبل حيث شهد هذا المسار تفعيلاً حقيقياً لدور الشباب كممثلين وسفراء للحوار والتعارف في مختلف الأقاليم الإيطالية.

إن ما يميز هذا الميثاق هو شجاعته الفكرية في رفض الاستعمار الثقافي والاقتصادي ومحاولات توظيف الأديان في الصراعات مؤكداً في الوقت ذاته أن العائلة البشرية واحدة وأن الفضاء العام يتسع لجميع المؤمنين من كل الديانات على قدم المساواة في الحقوق والواجبات.

يحمل هذا الميثاق دلالات عميقة للمراقبين والباحثين في الشأن السياسي والديني داخل إيطاليا:

الاعتراف الرسمي والتأصيل السياسي: الاستقبال الرئاسي في قصر الكيرينالي يمنح هذا الاتفاق غطاءً وطنياً رفيعاً ويعكس إدراك الدولة الإيطالية لعمق التنوع الديني كعنصر قوة للدولة وليس مصدر قلق.

تجاوز العزلة الدينية: الانتقال من فكرة التعايش السلبي حيث يعيش كل مكون في معزل عن الآخر إلى التعاون النشط والعمل المشترك من أجل الخير العام وتنمية المجتمع.

مواجهة التطرف الفكري: يشكل هذا التكتل الديني العريض حائط صدّ منيع ضد محاولات الاستقطاب الداخلي التي تمارسها بعض التيارات الشعبوية أو الجماعات المتطرفة.

إن توقيع الأستاذ الحجراوي مصطفى ممثلاً عن الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية يضع الجالية المسلمة في قلب مشهد صناعة القرار القيمي والأخلاقي في إيطاليا لقد أثبتت الأيام أن الأديان حين تلتقي على أرضية الحقيقة والعدالة والمحبة تتحول إلى طاقة بناءة وقوة دافعة للأمم.

يمثل ميثاق روما 2026 رسالة واضحة إلى أوروبا والعالم: إن الطريق الإيطالي للحوار هو الخيار العقلاني والأكاديمي والروحي الوحيد القادر على تحويل التنوع إلى ثروة والمستقبل إلى مساحة تتسع للجميع.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...