أسود الأطلس يرفضون الموت واقفين.. هدف عيسى ديوب أعاد المغرب إلى الحياة قبل تعطيل “طواحين هولندا” والعبور إلى ثمن النهائي
رفض المنتخب المغربي أن يموت كرويا وهو واقف، وقاتل حتى آخر أنفاس المباراة، قبل أن يهزم هولندا بركلات الترجيح بنتيجة 3 مقابل 2، عقب انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل بهدف لمثله، ليحجز بطاقة العبور إلى ثمن نهائي كأس العالم عن جدارة واستحقاق.
لم يكن الانتصار المغربي مجرد تأهل تحقق بفضل ركلات الترجيح، بل كان إعلانا جديدا عن ميلاد منتخب كبير، يملك الشخصية والجودة الفنية والقوة الذهنية التي تسمح له بمواجهة أقوى المنتخبات الأوروبية دون خوف أو تراجع.
والمنتخب المغربي لم يتفوق، اليوم، على منتخب عادي، بل أقصى هولندا، صاحبة التاريخ الكبير والمواهب المنتشرة في أبرز الأندية الأوروبية.
وأثبت “أسود الأطلس” أن مركزهم المتقدم في التصنيف العالمي ليس نتيجة انتصارات عابرة، كما أكدوا أن الإنجاز التاريخي في مونديال قطر لم يكن طفرة مؤقتة، بل ثمرة تطور كروي حقيقي جعل المنتخب المغربي قادراً على مقارعة الكبار وفرض أسلوبه عليهم.
منذ بداية المباراة، أظهر المغرب نواياه الهجومية، ولم يدخل المواجهة بعقلية المنتخب الذي ينتظر أخطاء منافسه، واعتمد محمد وهبي على كثافة واضحة في وسط الميدان، بوجود أيوب بوعدي، ونائل العيناوي، وعز الدين أوناحي، وبلال الخنوس، وهو ما منح المنتخب القدرة على تدوير الكرة والخروج بها تحت الضغط وحرمان هولندا من التحكم في إيقاع اللعب.
وساهم تقدم أشرف حكيمي ونصير مزراوي في توسيع رقعة الملعب وإجبار الأجنحة الهولندية على العودة إلى الخلف، بينما تحرك إبراهيم دياز وإسماعيل صيباري بين الخطوط، بحثا عن المساحات خلف لاعبي وسط “الطواحين”.
ورغم التوازن الذي طبع الشوط الأول، بدا المنتخب المغربي أكثر جرأة في بناء هجماته، وأكثر استعدادا للدخول في الصراعات الثنائية، في وقت وجد المنتخب الهولندي صعوبة في فرض أسلوبه المعتاد أو الوصول بسهولة إلى منطقة جزاء ياسين بونو.
وخلال الشوط الثاني، رفع المغرب نسق اللعب وفرض سيطرته على الكرة، لكنه دفع ثمن اندفاعه الهجومي في إحدى التحولات السريعة، التي استغلها كودي غاكبو لتسجيل هدف التقدم في الدقيقة 72.
وكان بإمكان الهدف أن ينهي آمال أي منتخب آخر، خصوصا أنه جاء في مرحلة حساسة من المباراة، لكن المغرب رفض الاستسلام، ولم يفقد اللاعبون هدوءهم، ولم يتحول لعبهم إلى كرات عشوائية، بل واصلوا البناء والضغط وتحريك الكرة من جهة إلى أخرى، بحثاً عن ثغرة في الدفاع الهولندي.
قاتل “الأسود” حتى اللحظة الأخيرة، وكأنهم يرفضون مغادرة البطولة قبل استنفاد آخر قطرة من طاقتهم. وفي الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع، ارتقى عيسى ديوب عالياا وسجل هدف التعادل، ليكافئ المنتخب على إصراره، ويشعل المدرجات المغربية التي لم تتوقف عن مساندة اللاعبين.
كان هدف ديوب أكثر من مجرد كرة دخلت الشباك، فقد جسّد روح منتخب رفض الموت، وآمن بحظوظه حتى آخر ثانية، وأجبر أحد كبار أوروبا على خوض وقت إضافي لم يكن مستعدا له نفسيا أو بدنيا.
وفي الشوطين الإضافيين، تحولت المباراة بصورة كاملة، حيث فرض المنتخب المغربي سيطرة شبه مطلقة على الإيقاع، وتحكم في الكرة والمجال، بينما تراجعت هولندا إلى نصف ملعبها واكتفت بمحاولة حماية مرماها.
نجح المغرب في تعطيل “الطواحين”، ومنعها من تنفيذ تحولاتها السريعة، بعدما أحكم لاعبوه الرقابة على مفاتيح اللعب الهولندية، وفي المقابل، تعددت المحاولات المغربية، وكانت أبرزها فرصة سفيان رحيمي، الذي وجد نفسه في مواجهة الحارس بارت فيربروغن، غير أن الأخير أنقذ منتخبه من هدف محقق.
وأظهر المنتخب المغربي خلال الوقت الإضافي تفوقا بدنيا وذهنيا واضحا، ففي الوقت الذي بدت فيه علامات الإرهاق والخوف على لاعبي هولندا، استمر المغاربة في الركض والضغط واسترجاع الكرة، وسط قتالية أبهرت المتابعين وأكدت أن الفريق أصبح يملك نفساً تنافسيا يليق بالمنتخبات الكبرى.
وفي ركلات الترجيح، لم يتأثر اللاعبون بإهدار الركلة الأولى، بل حافظوا على تركيزهم وعادوا بقوة إلى السلسلة. كما لعب ياسين بونو دوره المعتاد في المواعيد الكبرى، بينما تحمل المنفذون مسؤوليتهم بثبات، ليحسم المغرب التأهل بنتيجة 3 مقابل 2.
والقيمة الحقيقية لهذا الفوز لا ترتبط بالنتيجة وحدها، بل بالطريقة التي تحقق بها، فقد واجه المغرب منتخبا أوروبيا كبيرا، وتفوق عليه في فترات واسعة، وعاد من التأخر في آخر لحظة، ثم سيطر على الوقت الإضافي قبل أن يظهر صلابة نفسية في ركلات الترجيح.
بهذا الانتصار، أكد المنتخب المغربي أنه لم يعد يبحث عن اعتراف الآخرين، بل أصبح يفرض نفسه داخل الملعب، لقد عطل الطواحين، وأبهر العالم بقتاليته، وبرهن أن موقعه بين كبار الكرة العالمية لم يعد محل نقاش.
المصدر: الصحيفة





